كان عبدٌ مِن عبيدِ اللهِ أعطاهُ اللهُ مالًا وولَدًا، وكان لا يُقيمُ بدِينِ اللهِ دِينًا، فلبِث حتى إذا ذهَب منه عُمُرٌ، وبقي عُمُرٌ، تذكَّر فعَلِم أنْ لمْ يَبْتَئِرْ عندَ اللهِ خيرًا، دعا بَنيهِ، فقال: أيَّ أبٍ تَعلَمونَ؟ قالوا: خيرَهُ يا أبانا، قال: فواللهِ لا أدَعُ عندَ رجُلٍ منكم مالًا هو منِّي إلَّا أخَذْتُهُ، أو لَتَفْعَلُنَّ ما آمُرُكم به، قال: فأخَذ عليهم ميثاقًا وربِّي، قال: إمَّا لا، فإذا أنا مِتُّ فخُذوني فأَلْقُوني في النَّارِ حتى إذا كُنْتُ حُمَمًا فدُقُّوني، ثمَّ اذْرُوني في الريحِ لعَلِّي أُضِلُّ اللهَ، قال: ففعَلوا به وربِّ محمَّدٍ حينَ مات، فَجِيءَ به أحسَنَ ما كان، فقدِم على اللهِ تعالى فقال: ما حمَلكَ على النَّارِ؟ قال: خَشْيَتُكَ يا ربَّاهُ، قال: أَسمَعُكَ راهبًا.

فَتِيبَ عليه.

الدلالات الموضوعية:# استغفار - مغفرة الله تعالى للذنوب العظام وسعة رحمته# أيمان - كيف كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم# إيمان - ما جاء عن الأمم السابقة قبل الإسلام# رقائق وزهد - الخوف من الله# إحسان - غفران الله للذنوب والآثام
المصدر: تخريج مشكل الآثار
الراوي: جد بهز بن حكيم
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (566) واللفظ له، وأحمد (20044)، والدارمي (2855)، والطبراني (1026) (19/ 423) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَن سَلَفَ - أوْ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ، قالَ: كَلِمَةً: يَعْنِي - أعْطاهُ اللَّهُ مالًا ووَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفاةُ، قالَ لِبَنِيهِ: أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قالوا: خَيْرَ أبٍ، قالَ: فإنَّه لَمْ يَبْتَئِرْ - أوْ لَمْ يَبْتَئِزْ - عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وإنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عليه يُعَذِّبْهُ، فانْظُرُوا إذا مُتُّ فأحْرِقُونِي حتَّى إذا صِرْتُ فَحْمًا فاسْحَقُونِي - أوْ قالَ: فاسْحَكُونِي -، فإذا كانَ يَوْمُ رِيحٍ عاصِفٍ فأذْرُونِي فيها، فقالَ: نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فأخَذَ مَواثِيقَهُمْ علَى ذلكَ ورَبِّي، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أذْرَوْهُ في يَومٍ عاصِفٍ، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: كُنْ، فإذا هو رَجُلٌ قائِمٌ، قالَ اللَّهُ: أيْ عَبْدِي ما حَمَلَكَ علَى أنْ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ؟ قالَ: مَخافَتُكَ، - أوْ فَرَقٌ مِنْكَ -، قالَ: فَما تَلافاهُ أنْ رَحِمَهُ عِنْدَها وقالَ مَرَّةً أُخْرَى: فَما تَلافاهُ غَيْرُها، فَحَدَّثْتُ به أبا عُثْمانَ، فقالَ: سَمِعْتُ هذا مِن سَلْمانَ غيرَ أنَّه زادَ فِيهِ: أذْرُونِي في البَحْرِ، أوْ كما حَدَّثَ.

الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 7508 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2757) مختصراً باختلاف يسير يَنبَغي للإنسانِ أن يَكونَ حالُه معَ اللهِ بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ؛ فالمُؤمِنُ يَخافُ اللهَ فيَتَّقيه ويَبتَعِدُ عنِ المَعاصي، ويَرجو الثَّوابَ منَ اللهِ سُبحانَه، فيَجتَهِدُ في العَمَلِ، وهو في كُلِّ أحوالِه يُسدِّدُ ويُقارِبُ.

وفي هذا الحديثِ يَروي أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذكَرَ رَجُلًا من الأُمَمِ السَّابِقةِ -وفي حَديثِ حُذَيفةَ وأبي مَسعودٍ عند الطَّبَرانيِّ في الأوسَطِ أنَّه كان من بَني إسرائيلَ- أعْطاه اللهُ ورَزَقه مالًا وولدًا، وهذا كُلُّه من أعظَمِ النِّعَمِ على أيِّ إنسانٍ؛ فقد أعْطاه اللهُ زينةَ الحَياةِ الدُّنيا، التي تَقتَضي الشُّكرَ لله مع العَمَلِ الصَّالِحِ، وأنَّه لمَّا حضَرَته الوفاةُ وجاءه المَوتُ وأيقَنَ أنَّه واقِعٌ به، قال لِبَنيه: «أيَّ أبٍ كنتُ لكم؟» فَأثنَوا عليه خَيرًا وقالوا: نِعمَ الأبُ، فأخبَرَهم أنَّه لم يَبتَئر -أو لم يَبتَئز- عندَ اللهِ خيرًا، أي: لم يَدَّخِر عملًا صالحًا يُدخِلُه اللهُ به الجنَّةَ، وأنَّه إذا رجَعَ إلى اللهِ؛ فإنَّه سيُعذِّبُه بما فعَلَ، ويُحمَلُ هذا الكَلامُ على أنَّه كان مُوحِّدًا، ولَكِنَّه لم يَأتِ من شَرائعِه بشَيءٍ، وقد رُوي الحَديُث عند أحمَدَ بلَفظِ: «كان رَجلٌ مِمَّن كان قَبلَكُم لم يَعمَلْ خَيرًا قَطُّ إلَّا التَّوحيدَ»، وفي حَديثِ حُذيفةَ رَضيَ اللهُ عَنه عند البُخاريِّ: «إنَّه كان يُسيءُ الظَّنَّ بعَمَلِه»، ووَقَع في آخِرِ حَديثِ حُذيفَةَ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّه كان نَبَّاشًا للقُبورِ، أي: يَسرِقُ أكفانَ المَوتى، فلمَّا حَضَره المَوتُ خاف تَفريطَه، فطَلبَ هذا الرَّجُلُ من أولادِه أن يُحرِّقُوه بعدَ مَوتِه، ثُمَّ يَسحَقُوه بعدَ أن يَصيرَ فَحمًا فيَجعلوه كالرَّمادِ، ثُمَّ يَنتظِروا يومًا تكونُ فيه الرِّيحُ شَديدةً فَيُلقُوه فيها، فَيَصيرَ رَمادُه مع الرِّيحِ، وفي رواية: «أذْرُونِي في البَحْرِ»، أي: أمَر أولادَه أن يَضعوا هذا الرَّمادَ في البحرِ، وأخَذَ من بَنيه العهدَ على فِعلِ ذلك، وقد جعَلَ الخوفُ هذا الرَّجلَ يَفقِدُ رُشدَه ويَظُنُّ أنَّه تَعالَى غيرُ قادرٍ على جَمعِه مرَّةً أُخرَى، وقيل: إنَّه فَعَل ذلك على وَجه الفِرارِ منَ اللهِ معَ اعتِقادِه أنَّه غَيرُ فائتٍ، وذلك كما يَفِرُّ الرَّجُلُ أمامَ الأسَدِ، مع اعتِقادِه أنَّه لا يَفوتُه سَبقًا، ولَكِنَّه يَفعَلُ نِهايةَ ما يُمكِنُه فِعلُه، أو أنَّه طَلَب ذلك خَوفًا منَ الباري تَعالَى، وتَحقيرًا لنَفسِه، وعُقوبةً لها بعِصيانِها، وإسرافِها، وتَذلُّلًا ورَجاءً أن يَكونَ هذا سَببًا إلى رَحمَتِه، ولَعلَّه كان مَشروعًا في مِلَّتِه.

ولذلك لَمَّا جَمَعَه اللهُ تَعالَى وقال له: «كُن»، فعاد إنسانًا كامِلًا كما كان قبلَ حَرقِه بقُدرتِه سُبحانه وتعالَى، فَسَألَه عَنِ الَّذي حمَلَه على فِعلِ ذلك، فقال الرَّجلُ: «مَخافتُك أو» قال: «فَرَقٌ منك»، والفَرَقُ: الخوفُ، وفي الصَّحيحَينِ من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّه قال: «وأنت أعلَمُ» بقَصدي من ذلك، وهذا دَليلٌ على إيمانِه؛ إذِ الخَشيةُ لا تَكونُ إلَّا لمُؤمِنٍ، بل لعالِمٍ، ويَستحيلُ أن يَخافَه مَن لا يُؤمِنُ به، فَتدارَكَته رَحمةُ ربِّه عندَ قولِه ذلك.

وفي الحَديثِ: بَيانُ عَظيمِ رَحمةِ اللهِ سُبحانَه.

وفيه: عَدَمُ اليَأسِ من رَحمةِ اللهِ ولو عَظُمَ الذَّنبُ.

وفيه: بَيانُ إثباتِ البَعثِ بعدَ المَوتِ، وإن تَفرَّقَتِ الأجزاءُ وتَلاشَت.

وفيه: بَيانُ فَضيلةِ الخَوفِ منَ اللهِ تَعالَى، وغَلَبَتُها على العَبدِ، وأنَّها من مَقاماتِ الإيمانِ، وأركانِ الإسلامِ، وبها انتَفَع هذا المُسرِفُ، وحَصَلَت له المَغفِرةُ.

الأصول والأحكام

شرح مشكل الآثار (2/ 36) 566 - كما قد حدثنا ابن مرزوق، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كان عبد من عبيد الله أعطاه الله مالا وولدا، وكان لا يقيم بدين الله دينا فلبث حتى إذا ذهب منه عمر وبقي عمر تذكر فعلم أن لم يبتئر عند الله خيرا دعا بنيه، فقال: أي أب تعلمون؟ قالوا: خيره يا أبانا، قال: فوالله لا أدع عند رجل منكم مالا هو مني إلا أخذته، أو لتفعلن ما آمركم به قال: فأخذ عليهم ميثاقا وربي قال: إما لا فإذا أنا مت فخذوني فألقوني في النار حتى إذا كنت حمما فدقوني، ثم اذروني في الريح لعلي أضل الله، قال: ففعلوا به ورب محمد حين مات فجيء به أحسن ما كان فقدم على الله تعالى فقال: ما حملك على النار قال: خشيتك يا رباه، قال: أسمعك راهبا فتيب عليه ".

[مسند أحمد] (33/ 243) 20044 - حدثنا إسماعيل، حدثنا بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه كان عبد من عباد الله أعطاه الله مالا وولدا، فكان لا يدين الله دينا، فلبث حتى إذا ذهب منه عمر، وبقي عمر تذكر، فعلم أن لن يبتئر عند الله خيرا دعا بنيه فقال: أي أب تعلموني؟ قالوا: خيره يا أبانا.

قال: فوالله لا أدع عند أحد منكم مالا هو مني إلا أنا آخذه منه، ولتفعلن بي ما آمركم.

قال: فأخذ منهم ميثاقا وربي فقال: إما لا فإذا أنا مت فألقوني في النار حتى إذا كنت حمما فدقوني "، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول بيده على فخذه، ثم اذروني في الريح لعلي أضل الله .

قال: " ففعلوا ذلك به ورب محمد حين مات، فجيء به في أحسن ما كان قط، فعرض على ربه فقال: ما حملك على النار؟ قال: خشيتك يا رباه.

قال: إني أسمعك لراهبا، فتيب عليه.

سنن الدارمي (3/ 1855) 2855 - أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كان عبد من عباد الله، وكان لا يدين لله دينا، وإنه لبث حتى ذهب منه عمر وبقي عمر، فعلم أنه لم يبتئر عند الله خيرا، فدعا بنيه فقال: أي أب تعلموني؟ قالوا: خيره يا أبانا، قال: فإني لا أدع عند أحد منكم مالا هو مني إلا أخذته أو لتفعلن ما آمركم "، قال: " فأخذ منهم ميثاقا وربي قال: أما أنا إذا مت فخذوني فأحرقوني بالنار حتى إذا كنت حمما فدقوني ثم اذروني في الريح "، قال: " ففعلوا ذلك به ورب محمد حين مات، فجيء به أحسن ما كان قط، فعرض على ربه فقال: ما حملك على النار؟ قال: خشيتك يا رب، قال: إني أسمعك لراهبا "، قال: فتيب عليه قال أبو محمد: " يبتئر: يدخر ".

[المعجم الكبير – للطبراني] (19/ 423) 1026 - حدثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا عدي بن الفضل، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كان عبد من عباد الله آتاه الله مالا وولدا، فذهب من عمره عمر، وبقي عمر، فقال لبنيه: أي أب كنت لكم؟، قالوا: خير أب، قال: إني والله ما أنا بتارك عند أحد مالا كان مني إليه إلا أخذته أو تفعلوا بي ما أقول لكم، فأخذ منهم ميثاقا، قال: إما لا، فانظروا إذا أنا مت فأحرقوني بالنار ثم اسحقوني، ثم انظروا يوما ذا ريح فأذروني لعلي أضل الله، قال: فدعي فاجتمع، فقيل له: ما حملك على ما صنعت؟، قال: خشيت عذابك، قال: استقبل ذاهبا، فتيب عليه ".

أحاديث ذات صلة