كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بَغلةٍ شَهباءَ، فمَرَّ على حائِطٍ لبَني النَّجَّارِ، فإذا قَبرٌ يُعَذَّبُ صاحِبُهُ، فحاصَتْ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لولا ألَّا تَدافَنوا، لدعَوْتُ اللهَ [أنْ] يُسمِعَكم عَذابَ القَبرِ.

الدلالات الموضوعية:# دفن ومقابر - عذاب القبر ونعيمه# دفن ومقابر - أحوال الميت في القبر# جنائز وموت - روح الكافر بعد الموت# قيامة - أهوال يوم القيامة
المصدر: تخريج مشكل الآثار
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5204)، وأحمد (12553)، والبيهقي في ((إثبات عذاب القبر)) (90) واللفظ لهم جميعا، ومسلم (2868) مختصرا.

الشرح والتوضيح

بيْنَما النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ علَى بَغْلَةٍ له وَنَحْنُ معهُ، إذْ حَادَتْ به فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وإذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ -قالَ: كَذَا كانَ يقولُ الجُرَيْرِيُّ- فَقالَ: مَن يَعْرِفُ أَصْحَابَ هذِه الأقْبُرِ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أَنَا، قالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قالَ: مَاتُوا في الإشْرَاكِ، فَقالَ: إنَّ هذِه الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِن عَذَابِ القَبْرِ الَّذي أَسْمَعُ منه.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ، قالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ، ما ظَهَرَ منها وَما بَطَنَ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وَما بَطَنَ، قالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.

الراوي : زيد بن ثابت المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2867 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه عبد بن حميد (254)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5203)، وابن الأعرابي في ((معجم الشيوخ)) (35)، والطبراني (4784) (5/ 114) واللفظ لهم جميعا.

أخْبَرَنا القرآنُ الكريمُ والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بكثيرٍ مِن الغَيْبِياتِ، مِثلُ الجنَّةِ ونَعيمِها، وعَذابِ القبرِ والنَّارِ والدَّجَّالِ، ويَجِبُ الإيمانُ بكلِّ هذا مع العملِ بما أمَرَنا به؛ للفوزِ بنَعيمِ اللهِ، والنَّجاةِ مِن عَذابِه.

وفي هذا الحديثِ يَرْوي زَيدُ بنُ ثابتٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان ذاتَ مرَّةٍ في بُستانٍ، وكان يَركَبُ على بغلةٍ له، وكان معه بعض الصحابة رَضيَ اللهُ عنهم، فمالَت البَغلةُ ونفرَتْ به، فكادَتْ تُلقيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ظَهرِها مِن شِدَّةِ نُفورِها مِن شَيءٍ خافتْ منه ولم يَعرِفوه، فبيْنما هُم على تلكَ الحالِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ظهرَتْ لهم قبورٌ مَعدودةٌ إمَّا أربعةٌ، أو خمسةٌ، أو سِتَّةٌ، فَسَألَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن يَعرِفُ أصحابَ هذه الأقْبُرِ؟ فأجابَ رجلٌ: أنا أعرِفُهم، فسَألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَتى ماتَ هؤلاء؟» أي: أفي الجاهليَّةِ أو بعدَها، وهلْ ماتوا مُشركينَ أو مؤمنينَ؟ فأجابَ الرَّجلُ بأنَّهم ماتُوا على الإشراكِ وفي الجاهليَّةِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلى» أي: تُمتَحَنُ وتُختبَرُ في القبرِ، ثُمَّ تُنعَّمُ أو تُعذَّبُ، فلوْلا أنِّي أخْشى ألَّا تَدفنُوا مَوتاكم، لَدعوْتُ اللهَ أنْ يَجعَلَ في أُذنِكم القُدرةَ على سَماعِ أصواتِ المعذَّبِين في القبرِ الَّذي أسْمعُه مِنَ القبرِ الآنَ، وعليه، فالمعنى: لوْلا الخوفُ والفزع الَّذي سيَقعُ في قُلوبِكم مِن سَماعِ الصُّراخِ ونحوهِ -وهو الَّذي يَترتَّبُ عليه الخوفُ مِن الدَّفنِ-؛ لتَركْتُم مَيَّتَكم غيرَ مَدفونٍ خَشيةً عليه مِن هذا العذابِ.

ثُمَّ التَفَت النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى مَن معه وجَعَلهم في قُبالةِ وَجهِه الشَّريفِ؛ ليَكونَ أسمَعَ وأبلَغَ في الموعظةِ، وأمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَستعِيذوا باللهِ مِن عَذابِ النَّارِ، فاسْتَجابوا لأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالوا: «نَعوذُ بِاللهِ مِن عَذابِ النَّارِ»، ثمَّ أمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَستعِيذوا بِاللهِ مِن عذابِ القبرِ، فقالوا: «نَعوذُ بِاللهِ مِن عذابِ القبرِ»، وقدَّمَ عَذابَ النَّارِ في الذِّكْرِ مع أنَّ عذابَ القبرِ مُقدَّمٌ في الوجودِ؛ لِكونِه أشدَّ وأبقى وأعظَمَ وأقوى، ثُمَّ أمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَستعِيذوا بِاللهِ مِنَ «الفتنِ» جمعُ فِتنةٍ، وهي الامتحانُ، وتُستعمَلُ في المكْرِ والبلاءِ، «ما ظهَرَ منها» كالقتلِ والعذابِ، «وما بطنَ» كالعداوةِ والبَغضاءِ والحسَدِ، فاسْتَجابوا وقالوا: نَعوذُ بِاللهِ مِنَ الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ، ثمَّ أمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَسْتعِيذوا بِاللهِ مِن «فتنةِ الدَّجَّالِ» مِن الدَّجلِ، وهو التَّغطيةُ، سُمِّي به؛ لأنَّه يُغطِّي الحَقَّ بباطِلِه، وهو شَخصٌ مِن بَني آدَمَ، يَدَّعي الأُلوهيَّةَ، وظُهورُه مِن العلاماتِ الكُبرى ليَومِ القِيامةِ، يَبتَلي اللهُ به عِبادَه، وأَقْدَره على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ تعالَى: مِن إحياءِ الميِّتِ الَّذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْهِ، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ؛ فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ اللهِ تعالَى ومَشيئتِه، وسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لأنَّه مَمْسوحُ العَيْنِ مَطْموسُها، فهو أَعْوَرُ، وقيل غيرُ ذلك.

وخصَّ فِتنةَ الدَّجَّالِ بالذِّكرِ؛ لأنَّها مِن أكبرِ الفتنِ حيثُ يُجرُّ إلى الكفْرِ الْمُفضِي إلى العذابِ الْمُخلَّدِ، فاستجابَ الصَّحابةُ الموجُودونَ وقالوا: نَعوذُ بِاللهِ مِن فتنةِ الدَّجَّالِ.

وفي الحديثِ: ثُبوتُ سَماعِ البهائمِ لِأصواتِ المعذَّبِينَ في القبورِ.

وفيه: الأمرُ بِالاستعاذةِ مِن النَّارِ وعذابِ القبرِ والفتنِ والنَّارِ وفتنةِ الدَّجَّالِ.

وفيه: ثُبوتُ عذابِ القبر.

وفيه: بَيانُ فَضلِ اللهِ العظيمِ؛ فقدْ حَجَب الثَّقلينِ عن سَماعِ ما يَلْقاه المَوتى في قُبورِهم.

وفيه: بَيانُ كَمالِ شَفقةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأُمَّتِه؛ فقدْ تَرَك دُعاءَ ربِّه بأنْ تَسمَعَ الأُمَّةُ عَذابَ القبرِ؛ لئلَّا يَترُكوا التَّدافُنَ.

الأصول والأحكام

شرح مشكل الآثار (13/ 200) :

5204 - حدثنا نصر بن مرزوق قال: حدثنا آدم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا ثابت البناني، وحميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ‌بغلة ‌شهباء، ‌فمر ‌على ‌حائط ‌لبني ‌النجار، فإذا قبر يعذب صاحبه، فحاصت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر " فقال قائل: ففي حديث أنس هذا ما قد دل أن بني آدم لا يسمعون عذاب القبر، وأن من سواهم مما ذكر من البهائم في هذين الحديثين يسمعه، وقد رويتم ما يخالف ذلك، فذكر:

[مسند أحمد] (20/ 25 ط الرسالة) :

12553 - حدثنا حسن - يعني ابن موسى -، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ‌بغلة ‌شهباء، ‌فمر ‌على ‌حائط ‌لبني ‌النجار، فإذا هو بقبر يعذب صاحبه، فحاصت البغلة، فقال: " لولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر "

إثبات عذاب القبر للبيهقي (ص74) :

90 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، عن محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا حسن الأشيب، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، وحميد، عن أنس أن رسول الله كان صلى الله عليه وسلم على ‌بغلة ‌شهباء ‌فمر ‌على ‌حائط ‌لبني ‌النجار فإذا هو بقبر يعذب صاحبه فحاصت البغلة فقال: لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر

[صحيح مسلم] (8/ 161) :

(2868) حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لولا ‌أن ‌لا ‌تدافنوا ‌لدعوت ‌الله ‌أن ‌يسمعكم ‌من ‌عذاب القبر .

أحاديث ذات صلة