عن أبي الأسودِ الدُّؤليِّ أنَّه سأل عِمرانَ بنَ حُصينٍ، وابنَ مسعودٍ، وأُبَيَّ بنَ كعبٍ عن القَدَرِ، فقالوا: لو أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عذَّب أهلَ السماءِ والأرضِ، عذَّبهم وهو غيرُ ظالِمٍ، ولو أدخَلَهم في رحمتِه، لكانت رحمتُه أوسَعَ من ذُنوبِهم، ولكنَّه كُلَّما قضى يُعذِّبُ مَن يشاء، ويرحَمُ مَن يشاءُ، فمن عذَّبه، فهو الحقُّ، ومَن رَحِمَه، فهو الحقُّ، ولو كان لك مِثلُ أُحُدٍ ذهبًا تُنفِقُه في سَبيلِ اللهِ ما قُبِلَ منك حتى تُؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه.

الدلالات الموضوعية:# قدر - التكذيب بالقدر# قدر - الرضا بالقضاء# علم - حسن السؤال ونصح العالم# إيمان - أركان الإيمان
المصدر: تخريج العواصم والقواصم
الراوي: -
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الطبراني (18/223) (556) واللفظ له، وابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) (1445)

الشرح والتوضيح

أتيت أُبَيَّ بنَ كعبٍ ، فقلتُ له : وقَعَ في نفسي شيءٌ من القَدَرِ ، فحدثْني بشيءٍ ، لعلَّ اللهَ أن يُذْهِبَه مِن قلبي .

فقال : لو أن اللهَ عذَّب أهلَ سماواتِه ، وأهلَ أرضِه ، عذَّبَهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم ، ولو رَحِمَهم كانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالِهم ، ولو أنفقتَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا في سبيلِ اللهِ ، ما قَبِلَه اللهُ منك حتى تُؤْمِنَ بالقَدَرَ ، وتَعْلَمَ : أن ما أصابَك لم يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وأن ما أخطأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَك ، ولو مِتَّ على غيرِ هذا لدخلتَ النارَ .

قال : ثم أتيتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فقال مثل ذلك .

قال : ثم أتيتُ حذيفةَ بنَ اليَمَانِ، فقال مثل ذلك .

قال : ثم أتيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ ، فحدَّثَني عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

الراوي : زيد بن ثابت المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 4699 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (4699)، وابن ماجه (77) الصَّبرُ عَواقبُه محمُودةٌ، وما قدَّرهُ اللَّهُ كائنٌ؛ فالعاقلُ يُقابِلُ الشَّدائدَ والمِحَنَ بالرِّضَا والتَّسليم؛ لِينالَ ثَوابَ الصَّبرِ، وفي هذا الحديث يَحكِي ابنُ الدَّيْلِمِيِّ الفَارِسِيُّ وهو عبدُ اللهِ بنُ فيروز، أنَّه أتى أُبَيَّ بنَ كعبٍ، يطلُبُ منه بيانًا شافيًا في أمْر القَضاءِ والقَدَر، فقالَ له: "وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيءٌ مِن القدَرِ"، أي: اضْطِرابٌ شَديدٌ مِن بَعْض شُبَهِ القَدَر مِن جِهَة العَقلِ التي تُؤَدِّي إلى الشَّكِّ والحيْرَة، وأُريدُ الاهتدَاء، "فَحَدِّثْنِي بِشيءٍ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يُذْهِبُه مِن قَلبِي"، أي: يُزِيلُهُ مِن القَلْب.

وفي هذا إشارَةٌ إلَى تَمَكُّنِ هذه الشُّبَه منه، حتى لا يَكاد يَقْدِر عَلى دَفْعِها، فقال له أُبَيٌّ مُطمْئِنًا وَمُتَحَرِّيًا قَوْلَه؛ حتى يَكُون فيه غَايةُ البَيانِ والإرشَادِ الشَّافِيَيْنِ الوافيَيْنِ: "لو أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِه وأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهم غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ"، أي: لِنفتَرِض أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِه مِن الملائِكَةِ المُقرَّبينَ، وَأَهْلَ أَرْضِهِ مِن الأنبياءِ والنَّاسِ أَجْمعين، فيَكُونُ بذلك قد عَذَّبَهُم وهو غيرُ ظالِمٍ لهم; لأنَّ الخلقَ عاجزون عن القيام بحقِّ الله وعبادتِه حقَّ العبادة، فعذَابُه عَدْلٌ، وَثَوَابُه فضْلٌ.

"ولو رَحِمَهم كَانَتْ رَحْمَتُه خَيْرًا لَهُم مِن أَعْمَالِهِم"، أي: إِنَّ رَحْمَته لِعِبَادِه إنَّما هِي مَحْضُ فَضْلٍ منه سُبحانه وتعالى، وهي خير مِن أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ كلِّها، بل هذه الأعمالُ مِن جُملةِ رَحمتِه بِهم.

"وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُد ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّه مِنك"، أي: لو أَنْفقتَ مِثلَ هذا الجَبَل العَظِيم ذَهَبًا فِي مَرْضَاة اللَّه، مَا قَبِلَ اللَّهُ منك هذا الإنْفاقَ; "حَتَّى تُؤْمِنَ بالقَدَر"، أي: تُؤمِنَ إِيمَانًا كَامِلًا بِأَنَّ جَمِيع الأُمُور خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، حُلوِهَا ومُرِّهَا، نَفْعِهَا وضَرِّهَا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه وإرَادته وَأمرِهِ.

"وتعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَك" مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ، "لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك"، أي: يَتَجَاوَزك، "وأَنَّ ما أَخْطَأَك" مِن هذا الخيرِ والشَّرِّ، "لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك".

وهَذا هُو مَضْمُونُ قَوْل اللَّه تَعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] ، فهذا هو مَحْضُ الإِيمَانِ بالقَضَاءِ والقَدَر; لِأَنَّ رِضَا النَّفْسِ بِمَا أَصَابَهَا لن يَكُونَ إِلَّا بِحُصُول اليَقِين فِي القَلْبِ لِلقَضَاءِ السَّابِقِ والقَدَرِ المَاضِي، فإن لَمْ تَرْضَ فإنَّ الصَّبْرَ عَلَى المَكْرُوهِ خَيْرٌ كُلُّه؛ فَهَاتَانِ دَرجَتَانِ للمُؤمِن فِي المصَائبِ.

"وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْر هذا"، أي: لَو مُتَّ عَلَى اعْتِقَادٍ غَيْر هذا فِي القَضَاء والقَدَر، "لَدَخَلْتَ النَّارَ"؛ وهذا قاله له على سبيل التَّهْدِيدِ، أو الوَعِيد.

قال ابنُ الدَّيلميِّ: "ثمُ أتيتُ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ"، أي: يسألُه عمَّا سألَ عنه أُبيَّ بن كعْبٍ؛ وذلك طلبًا للمزيدِ مِن عِلمِ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم؛ "فقال مِثلَ ذلك" أي: بمِثل قولِ أُبيٍّ، قال: "ثم أتيتُ حُذيفةَ بنَ اليمانِ، فقال مِثلَ ذلك" قال: "ثمَّ أتيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ، فحَدَّثني عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِثلَ ذلك"، أي: رفَع زيدُ بنُ ثابتٍ هذا الحديثَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بعدَما كان موقوفًا على مَن تَقدَّمَ مِن الصَّحابةِ.

وَفِي الحَدِيثِ: الحَثُّ على التَّوكُّلِ على اللَّهِ، والصَّبْرِ على المَصَائِبِ، وَأَنَّ الخَير والشَّرَّ جَمِيعًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تعالى .

الأصول والأحكام

[المعجم الكبير للطبراني] (18/ 223) :

556 - حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا محمد بن مصفى، ثنا محمد بن شعيب، ثنا سعيد بن عبد الرحمن بن سعيد بن أقيش بن رباس الأسدي، عن أبي الأسود الدؤلي: أنه سأل عمران بن حصين ، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب عن القدر، فقال: إني قد خاصمت أهل القدر حتى أحرجوني، فهل عندكم علم فتحدثوني؟ فقالوا: لو أن الله عز وجل عذب أهل السماء والأرض عذبهم غير ظالم، ولو أدخلهم في رحمته كانت رحمته أوسع من ذنوبهم، ولكنه كما قضى يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فمن عذب فهو الحق، ومن رحم فهو الحق، ولو كان لك مثل أحد تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر كله خيره وشره ثم قال عمران لأبي الأسود حين حدثه الحديث: سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعه معي عبد الله، وأبي بن كعب ، فسألهما أبو الأسود فحدثاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[الإبانة الكبرى - ابن بطة] (4/ 50) :

‌1445 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد المتوثي قال: حدثنا أبو داود السجستاني، قال: حدثنا محمود بن خالد، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا عمر، مولى غفرة، عن أبي الأسود الدؤلي، أنه مشى إلى عمران بن حصين فقال: يا عمران إني خاصمت أهل القدر حتى أخرجوني، فهل عندك علم فتحدثني؟ فقال عمران: إن الله عز وجل لو عذب أهل السماء وأهل الأرض، عذبهم غير ظالم لهم، ولو أدخلهم في رحمته كانت رحمته أوسع من ذنوبهم، وذلك أنه قضى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فمن عذب فهو الحق، ومن رحم فهو الحق، ولو أن لك جبلا من ذهب تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، واذهب فاسأل، فقدم أبو الأسود المدينة، فوجد عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب جالسين، فقال: يا عبد الله، إني قد خاصمت، فذكر نحو كلامه لعمران وكلام عمران، يكاد أن يكون لفظهما سواء.

أكذلك يا أبي؟ قال: نعم قال محمد بن شعيب: فحدثت ببعض هذا الحديث سعيد بن عبد الرحمن بن سعيد بن رقيش بن ذباب الأسدي ثم الغنمي، فحدثني سعيد أن عمران قال لأبي الأسود حين حدثه الحديث: سمعت ذاك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعه عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، فسألهما أبو الأسود، فحدثاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث عمران.

أحاديث ذات صلة