يقولُ اللهُ جلَّ وعلا لآدَمَ: يا آدَمُ، قُمْ فابعَثْ بعثَ النارِ من كُلِّ ألْفٍ تِسعُ مِئَةٍ وتِسعةٌ وتِسعون، فكَبُرَ ذلك على المُسلِمينَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: سَدِّدوا وقارِبوا وأبْشِروا، فوالذي نفْسي بيَدِه ما أنتم في الناسِ إلَّا كالشامةِ في جَنبِ البعيرِ، أو كالرَّقمَةِ في ذِراعِ الدابَّةِ، وإنَّ معكم لخليقتينِ ما كانتا مع شَيءٍ قَطُّ إلَّا كثَّرَتاهُ: يأجوحَ ومأجوجَ، ومَن هَلَكَ من كَفَرَةِ الجِنِّ.
أخرجه أبو يعلى (3122)، والطبري في ((التفسير)) (18/561)، وابن حبان (7354).
يقولُ اللَّهُ تَعالَى: يا آدَمُ، فيَقولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فيَقولُ: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرَى النَّاسَ سُكارَى وما هُمْ بسُكارَى، ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.
قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وأَيُّنا ذلكَ الواحِدُ؟ قالَ: أبْشِرُوا؛ فإنَّ مِنكُم رَجُلًا، ومِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفًا.
ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنا، فقالَ: أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنا، فقالَ: أرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنا، فقالَ: ما أنتُمْ في النَّاسِ إلَّا كالشَّعَرَةِ السَّوْداءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أبْيَضَ.
أوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أسْوَدَ.
الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3348 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (222) باختلاف يسير تَفضَّلَ اللهُ سُبحانَه على أُمَّةِ الإسلامِ بالفضْلِ العظيمِ في الدُّنيا والآخِرةِ، ويُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا الحديثِ بَعضَ هذا الفَضلِ العظيمِ، حيثُ يُنجِّي اللهُ الكثيرَ مِن أهلِ الإسلامِ مِن النَّارِ يومَ القِيامةِ، فيُخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الحديثِ القُدسِيِّ عن ربِّ العِزَّةِ: «يَقولُ اللهُ تعالَى: يا آدَمُ» فيُنادي عليه ويُجبُيه آدَمُ -وذلك في يومِ الحسابِ- «فيقول: لبَّيْك»، أي: إجابةً لَك بعْدَ إِجَابةٍ ولزُومًا لطاعتِك، «وسَعْدَيك»، أي: أَسْعِدْني إسعادًا بعْدَ إسْعادٍ، «والخَيرُ في يَدَيك» يُريدُ خَيرَ الدُّنيا والآخِرةِ، لَيس شَيءٌ منه في يَدِ غَيرِك، فيَقولُ اللهُ تعالَى له: «أَخْرِجْ مِن النَّاسِ بعْثَ النَّارِ»، أي: مَبعوثَها؛ وهم أهلُها الَّذين يَدخُلونها، فيَسأَلُ آدَمُ عليه السَّلامُ: وما مِقدارُهم؟ فيَقولُ تعالَى: «مِن كلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مئةٍ وتِسْعةً وتِسعينَ، فعِندَه يَشِيبُ الصَّغيرُ»؛ مِن شِدَّةِ الهَولِ لو تُصُوِّرَ وُجودُه؛ لأنَّ الهمَّ يُضْعِف القوِيَّ ويُسرِعُ بالشَّيبِ، أو هو مَحمولٌ على الحقيقةِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يُبعَثُ على ما ماتَ عليه، فيُبعَثُ الطِّفلُ طِفلًا، فإذا وَقَعَ ذلك يَشيبُ الطِّفلُ مِن شِدَّةِ الهَولِ، «وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها» لو فُرِضَ وُجودُها، أو أنَّ مَن مَاتَت حاملًا بُعِثَت حاملًا، فتَضَعُ حَمْلَها مِن الفَزَعِ، «وتَرى النَّاسَ سُكَارى»، يَعني: مَشْدُوهين، ليس عندهم عُقولٌ، ولكنَّهم لَيسوا بسُكارَى، «ولكنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ» تَأكيدٌ لهَولِ الموقفِ والحِسابِ، فقال الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم: يا رسولَ الله، وأيُّنا ذلك الواحِدُ؟! فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أَبْشِروا؛ فإنَّ منكم رَجُلًا، ومِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفًا»، وهمُ القَومُ الَّذينَ بَنى بسَبَبِهم ذو القَرنينِ السَّدَّ المذكورَ في قولِه تعالَى: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95] ، وخُروجُهما مِن هذا الرَّدمِ أوِ السَّدِ عَلامةٌ مِن العلاماتِ الكُبرى ليَومِ القيامةِ.
ثمَّ أقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «واللهِ الَّذي نفْسِي بيَدِه»، أي: باللهِ الَّذي رُوحُه بيَدِه يُصَرِّفُها كيف يَشاءُ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثيرًا ما يُقسِمُ بهذا القسَمِ، «إنِّي أرْجو أنْ تَكونوا» يا أهْلَ الإسلامِ والإيمانِ «رُبُعَ أهْلِ الجنَّةِ»، فكَبَّرَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم سُرورًا بهذه البِشارةِ العَظيمةِ، وظَلُّوا هكذا يُكبِّرون اللهَ كلَّما زادَهُم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في عدَدِ مَن يَدخُلون الجنَّةَ إلى الثُّلثِ، ثمَّ إلى النِّصفِ، وهذه النِّسبةُ تكونُ مِن أُمَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ممَّن أجابُوه وآمَنوا به، مُقابلَ المؤمنين مِن الأُمَمِ السَّابقةِ الَّذين يَدخُلون الجنَّةَ، وقدْ تدرَّجَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع أصحابِه رَضيَ اللهُ عنهم؛ ليَسْتَثِيرَ فَرَحَهم، ثُمَّ بيَّن لهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ سَببَ كَثرتِهم أنَّ عدَدَ المسلِمين في أرضِ المحشَرِ بالنِّسبةِ لعددِ المُشرِكين كنِسبةِ شَعرَةٍ بَيْضاءَ في شَعرِ جِلدِ الثَّورِ الأَسوَدِ، أو كَشَعرَةٍ سَوداءَ في جِلدِ الثَّورِ الأحمرِ، وهذا قَليلٌ جِدًّا.
وفي الحديثِ: عِظَمُ هَولِ يومِ القِيامةِ.
وفيه: إخبارُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بَعضِ الغَيبيَّاتِ.
وفيه: رَحمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ بأمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
مسند أبي يعلى (5/ 430 ت حسين أسد) :
3122 - حدثنا محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس ، قال: نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم} [[الحج: 1]] إلى قوله {ولكن عذاب الله شديد} [[الحج: 2]] على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: " أتدرون أي يوم؟ هذا يوم يقول الله لآدم: قم فابعث بعثا إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة " فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سددوا، وقاربوا، وأبشروا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، إن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الجن والإنس.
تفسير الطبري (18/ 561 ط التربية والتراث) :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: "نزلت (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) … حتى إلى (عذاب الله شديد) … الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير، فرجع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: "أتدرون أي يوم هذا؟ هذا يوم يقول الله لآدم: يا آدم قم فابعث بعث النار من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين! " فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الجن والإنس".
صحيح ابن حبان (16/ 352) 7354- أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال: نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [[الحج: 1]] على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه ثم قال: "أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله جلا وعلا لآدم يا آدم قم فابعث بعث النار من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين" فكبر ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفر الجن والإنس".