- حَدَّثَنا نصْرُ بنُ عاصِمٍ اللَّيثيُّ، قال: أتَيتُ اليَشكُريَّ في رَهْطٍ مِن بَني لَيثٍ، قال: فقال: مَن القَومُ؟ قال: قُلْنا: بَنو لَيثٍ، قال: فسَأَلْناهُ وسَأَلَنا، ثم قُلْنا: أتَيْناك نَسأَلُك عن حَديثِ حُذَيفةَ، قال: أقْبَلْنا مع أبي موسى قافِلينَ، وغَلَتِ الدَّوابُّ بالكُوفةِ، فاستَأذَنتُ أنا وصاحِبٌ لي أبا موسى فأَذِنَ لنا، فقَدِمْنا الكُوفةَ باكِرًا مِن النَّهارِ، فقُلتُ لصاحِبي: إنِّي داخِلٌ المَسجِدَ، فإذا قامتِ السُّوقُ خَرَجتُ إليك، قال: فدَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا فيه حَلْقةٌ كأنَّما قُطِعَتْ رُؤُوسُهم يَستَمِعونَ إلى حَديثِ رَجُلٍ، قال: فقُمتُ عليهم، قال: فجاء رَجُلٌ فقامَ إلى جَنْبي، قال: قُلتُ: مَن هذا؟ قال: أبصْريٌّ أنتَ؟ قال: قُلتُ: نَعَمْ، قال: قد عَرَفتُ، لو كُنتَ كُوفيًّا لم تَسأَلْ عن هذا، هذا حُذَيفةُ بنُ اليَمانِ، قال: فدَنَوتُ منه، فسَمِعتُه يقولُ: كان النَّاسُ يَسأَلونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الخَيرِ، وأسأَلُه عن الشَّرِّ، وعَرَفتُ أنَّ الخَيرَ لن يَسبِقَني، قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ؟ قال: يا حُذَيفةُ، تَعلَّمْ كِتابَ اللهِ، واتَّبِعْ ما فيه -ثلاثَ مِرارٍ-.

قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ؟ قال: فِتْنةٌ وشَرٌّ، قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الشَّرِّ خَيرٌ؟ قال: يا حُذَيفةُ، تَعلَّمْ كِتابَ اللهِ، واتَّبِعْ ما فيه -ثلاثَ مِرارٍ-.

قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الشَّرِّ خَيرٌ؟ قال: هُدْنةٌ على دَخَنٍ، وجَماعةٌ على أقْذاءٍ ، قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، الهُدْنةُ على دَخَنٍ، ما هي؟ قال: لا تَرجِعُ قُلوبُ أقْوامٍ على الذي كانت عليه، قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ؟ قال: يا حُذَيفةُ، تَعلَّمْ كِتابَ اللهِ، واتَّبِعْ ما فيه -ثلاثَ مِرارٍ-.

قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ؟ قال: فِتْنةٌ عَمْياءُ صَمَّاءُ، عليها دُعاةٌ على أبْوابِ النَّارِ، وأنتَ أنْ تَموتَ يا حُذَيفةُ، وأنتَ عاضٌّ على جِذْلٍ، خَيرٌ لك مِن أنْ تَتَّبِعَ أحَدًا منهم.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - التمسك بالقرآن وتطبيق ما فيه# فتن - النهي عن السعي في الفتنة# أشراط الساعة - إخبار النبي ما سيكون إلى يوم القيامة# فتن - ما يفعل في الفتن# قرآن - الوصية بالقرآن
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: حذيفة بن اليمان
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4246) باختلاف يسير، وأصله في صحيح البخاري (3606)، ومسلم (1847)

الشرح والتوضيح

كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: وهلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وفيهِ دَخَنٌ، قُلتُ: وما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وتُنْكِرُ، قُلتُ: فَهلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ إلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقالَ: هُمْ مِن جِلْدَتِنَا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا، قُلتُ: فَما تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ، قُلتُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ ولَا إمَامٌ؟ قالَ: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، ولو أَنْ تَعَضَّ بأَصْلِ شَجَرَةٍ، حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأَنْتَ علَى ذلكَ.

الراوي : حذيفة بن اليمان المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3606 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1847)، وأبو داود (4244)، وأحمد (23429)، بمعناه.

الواجِبُ على المُسلمِ أنْ يَجتنِبَ مَواضِعَ الفِتنِ؛ لأنَّه لا أحَدَ يَأمَنُ على نفْسِه منها، والمَعصومُ مَن عَصَمَه اللهُ تعالَى، وقدْ أرشَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَّتَه إلى ما يَجِبُ فِعلُه في وَقتِ الفِتنِ، وحذَّرَها مِن سُوءِ عاقِبةِ الانْخِراطِ فيها.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ حُذَيْفةُ بنُ اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان يَسألُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الشَّرِّ، وكانَ النَّاسُ يَسْألونَه عنِ الخَيرِ، وعلَّلَ ذلك بأنَّه كان يَسْألُ عنِ الشَّرِّ؛ مَخافةَ أنْ يُدرِكَه ذلك الشَّرُّ، واجتِنابُ الشُّرورِ مُقدَّمٌ على فِعلِ الخَيراتِ، والشَّرُّ: الفِتنةُ ووَهَنُ عُرَى الإسْلامِ، واسْتيلاءُ الضَّلالِ، وفُشوُّ البِدْعةِ، والخَيرُ عَكسُه، فقال حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا في جاهِليَّةٍ وشرٍّ، فجاءَنا اللهُ بهذا الخَيرِ، أي: ببَعْثِكَ، وتَشْييدِ مَباني الإسْلامِ، وهَدْمِ قَواعدِ الكُفرِ والضَّلالِ؛ فهل بعْدَ هذا الخَيرِ مِن شرٍّ؟ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: نَعمْ، فقال حُذَيْفةُ: وهلْ بعْدَ هذا الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قال: نَعمْ، وفيه دَخَنٌ، أي: كدَرٌ غيرُ صافٍ ولا خالصٍ، وقيلَ: الدَّخَنُ الأُمورُ المَكْروهةُ، فقال حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه: يا رَسولَ اللهِ، وما دَخَنُه؟ قال: قَومٌ يَهْدونَ بغَيرِ هَدْيِي، أي: لا يَستنُّونَ بسُنَّتي، وفيهم خَلْطٌ بيْن الأُمورِ، فتَرى منهم أشْياءَ مُوافِقةً للشَّرعِ، وأشْياءَ مُخالِفةً له، وعليكَ أنْ تَعرِفَ منهمُ الخَيرَ فتَشكُرَه، والشَّرَّ فتُنكِرَه، فقال حُذَيْفةُ: فهلْ بعْدَ ذلك الخَيرِ المَشوبِ بالكَدَرِ مِن شرٍّ؟ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: نَعمْ؛ دُعاةٌ إلى أبْوابِ جَهنَّمَ؛ وذلك باعْتِبارِ ما يَنْتَهي إليه شَأنُهم؛ فإنَّهم يَدْعونَ النَّاسَ إلى الضَّلالةِ، ويَصُدُّونَهم عنِ الهُدى بأنْواعٍ مِن التَّلْبيسِ؛ فلذا كانوا بمَنزِلةِ أبْوابِ جَهنَّمَ، مَن أجابَهم إلى الخِصالِ الَّتي تَؤولُ إلى النَّارِ، قَذَفوه فيها.

قال حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه: يا رَسولَ اللهِ، صِفْ لنا هؤلاء الدُّعاةَ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هُم مِن جِلدَتِنا، أي: مِن أنفُسِنا وعَشيرَتِنا مِن العرَبِ، أو مِن أهلِ ملَّتِنا، ويَتكلَّمُونَ بألْسنَتِنا، وقيلَ: يَتكلَّمونَ بما قال اللهُ ورَسولُه مِن المَواعظِ، والحِكمِ، وليس في قُلوبِهم شَيءٌ مِن الخَيرِ، يَقولونَ بأفْواهِهم ما لَيس في قُلوبِهم، قال حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه: يا رَسولَ اللهِ، فما تَأمُرُني إنْ أدْرَكَني ذلك؟ قال: تَلزَمُ جَماعةَ المُسلِمينَ وعامَّتَهمُ الَّتي تَلتَزِمُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وإمامَهم، وهو أميرُهم العادِلُ الَّذي اخْتاروه، ونَصَّبوه عليهم، وقيلَ: تَلزَمُ الجَماعةَ الَّتي أمَرَ الشَّارِعُ بلُزومِها جَماعةَ أئمَّةِ العُلماءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَهم حُجَّةً على خَلقِه، وإليهم تَفزَعُ العامَّةُ في أمرِ دِينِها، وقيلَ: هم جَماعةُ الصَّحابةِ الَّذين قاموا بالدِّينِ، وقَوَّموا عِمادَه، وثبَّتوا أوْتادَه، والجامِعُ بيْن كلِّ هذه المَعاني هو التَّمسُّكُ بصَحيحِ الدِّينِ في أوامِرِه ونَواهيه.

فقال حُذَيْفةُ رَضيَ اللهُ عنه: فإنْ لم يكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ يَجتَمِعونَ على طاعَتِه؟ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنْ لم يكُنْ لهم إمامٌ يَجتَمِعونَ عليه، فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو كان الاعْتِزالُ بالعَضِّ على جِذعِ شَجرةٍ، فلا تَعدِلْ عنه، والعضُّ هو الأخذُ بالأسْنانِ والشَّدُّ عليها، والمُرادُ المُبالَغةُ في اعْتِزالِ المَرءِ للفِتنِ، حتَّى يُدرِكَه المَوتُ وهو على تلك الحالةِ مِن الاعْتِزالِ.

أعاذَنا اللهُ مِنَ الفِتنِ ما ظهَرَ منها وما بطَنَ.

وفي الحَديثِ: عَلَمٌ مِن أعْلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حيثُ أخبَرَ بأُمورٍ مُختَلِفةٍ مِن الغَيبِ لا يَعلَمُها إلَّا مَن أُوحيَ إليه بذلك مِن الأنْبياءِ والمُرسَلينَ.

وفيه: الأمْرُ بلُزومِ جَماعةِ المُسلِمينَ وإمامِهم، والنَّهيُ عن فِراقِهم بتَفْريقِ كَلمتِهم، وشَقِّ عَصاهم فيما همْ عليه مُجتَمِعونَ مِن تَأْميرِهم إيَّاه.

الأصول والأحكام

[سنن أبي داود] (4/ 155 ط مع عون المعبود) ‌4246- حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا سليمان يعني ابن المغيرة، عن حميد، عن نصر بن عاصم الليثي قال: ((أتينا اليشكري في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو ليث، أتيناك نسألك عن حديث حذيفة ، فذكر الحديث، قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه ثلاث مرات، قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم قلت: يا رسول الله، الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على خذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم))

[صحيح البخاري] (4/ 199) ‌3606- حدثنا يحيى بن موسى حدثنا الوليد قال حدثني ابن جابر قال حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي قال حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا فقال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على

[صحيح مسلم] (3/ 1475 ) ((51- (‌1847) حدثني محمد بن المثنى.

حدثنا أبو الوليد بن مسلم.

حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.

حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي؛ أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير.

وكنت أسأله عن الشر.

مخافة أن يدركني.

فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر.

فجاءنا الله بهذا الخير.

فهل بعد هذا الخير شر؟ قال (نعم) فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال (نعم.

وفيه دخن).

قلت: وما دخنه؟ قال (قوم يستنون بغير سنتي.

ويهدون بغير هديي.

عرف منهم وتنكر).

فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال (نعم.

دعاة على أبواب جهنم.

من أجابهم إليها قذفوه فيها).

فقلت: يا رسول الله! فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا.

قال (نعم.

قوم من جلدتنا.

ويتكلمون بألسنتنا) قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك! قال (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال (فاعتزل تلك الفرق كلها.

ولو أن تعض على أصل شجرة.

حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك)))

أحاديث ذات صلة