أنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ ببِضْعةٍ وعِشرينَ رَجُلًا من صَناديدِ قُرَيشٍ، فأُلْقوا في طَوِيٍّ من أطواءِ بَدرٍ خَبيثٍ مُخْبِثٍ، قال: وكان إذا ظهَرَ على قومٍ أقامَ بالعَرْصةِ ثلاثَ ليالٍ، قال: فلمَّا ظهَرَ على أهلِ بَدرٍ أَقامَ ثلاثَ ليالٍ، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ أمَرَ براحِلَتِه، فشُدَّتْ برَحلِها، ثُم مَشى واتَّبعَه أصحابُه، قالوا: فما نَراه ينطَلِقُ إلَّا لِيَقضيَ حاجتَه، قال: حتى قامَ على شَفَةِ الطَّوِيِّ، قال: فجعَلَ يُناديهم بأسمائِهم وأسماءِ آبائِهم: يا فُلانُ بنَ فُلانٍ، أسرَّكم أنَّكم أَطَعْتمُ اللهَ ورسولَه، هل وجَدْتم ما وعَدَ ربُّكم حقًّا؟ قال عمرُ: يا نبيَّ اللهِ، ما تُكلِّمُ من أجسادٍ لا أرواحَ فيها، قال: والذي نفْسُ محمَّدٍ بيَدِه، ما أنتم بأسمَعَ لِما أقولُ منهم، قال قَتادةُ: أَحْياهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ له، حتى سمِعوا قولَه تَوبيخًا وتَصغيرًا ونَقيمةً.

الدلالات الموضوعية:# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# مغازي - غزوة بدر# مناقب وفضائل - بعض من ذمهم النبي وذم أفعالهم# جنائز وموت - روح الكافر بعد الموت
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح على شرط الشيخين

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (12471)

الشرح والتوضيح

كُنَّا مع عُمَرَ بيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الهِلَالَ، وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ البَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ وَليسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أنَّهُ رَآهُ غيرِي، قالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لا يَرَاهُ، قالَ: يقولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ علَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عن أَهْلِ بَدْرٍ؛ فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بالأمْسِ، يقولُ: هذا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا، إنْ شَاءَ اللَّهُ.

قالَ: فَقالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بالحَقِّ، ما أَخْطَؤُوا الحُدُودَ الَّتي حَدَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَجُعِلُوا في بئْرٍ بَعْضُهُمْ علَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ حتَّى انْتَهَى إليهِم، فَقالَ: يا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، هلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسولُهُ حَقًّا؟ فإنِّي قدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا.

قالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، كيفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لا أَرْوَاحَ فِيهَا؟! قالَ: ما أَنْتُمْ بأَسْمعَ لِما أَقُولُ منهمْ، غيرَ أنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شيئًا.

الراوي : أنس بن مالك المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2873 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2873) كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُبشِّرُ المؤمنينَ بوَعدِ اللهِ لهم بالنَّصرِ والتَّمكينِ، وقدْ أيَّدَه اللهُ سُبحانه بمُعجزاتٍ ظاهرةٍ، وفي هذا تَثبيتٌ وتَأييدٌ للمؤمنينَ أنَّهم على الحقِّ الَّذي جاءهُم به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن ربِّه سُبحانه.

وفي هذا الحديثِ يَرْوي أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم كانوا مع عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه بيْن مكَّةَ والمدينةِ، فتَحرَّوا رُؤيةَ الهلالِ لتَحديدِ الشَّهرِ الَّذي هُم فيه هلْ يكونُ تِسعةً وعِشرين يومًا برُؤيةِ الهلالِ، أو ثلاثينَ يومًا عندَ تَعذُّرِ رُؤيتِه؟ قال أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه: «وكنتُ رجلًا حديدَ البصرِ» أي: قويَّ الرُّؤيةِ، فرَأى بسَببِ ذلكَ الهلالَ وحْدَه دونَ غيرِه ممَّن كان معه، «فجَعَلْتُ أقولُ لِعُمرَ: أمَا تَراه؟» يَسْتحِثُّه على التَّأكُّدِ بنَفسِه ومِن رُؤيتِه له، وكان عمرُ رَضيَ اللهُ عنه لا يَراهُ، وقال عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه على إثرِ ذلكَ: «سَأَراه وأنا مُستلْقٍ على فِراشِي»، أي: نائمٌ عليه، وهذا إشارةٌ إلى أنَّ الاعتبارَ في رُؤيةِ الهلالِ هو ظُهورُه في غيرِ مَشقَّةٍ للرَّائي ولكلِّ مَن صَحَّ بصَرُه، وجَعَل عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه وهُم يَنتظِرون ظُهورَ ووُضوحَ الهلالِ، يُحدِّثُهم عَن أهلِ بدرٍ والَّذين قُتِلوا مِن المشْرِكين، وهي مَعرَكةٌ كانَتْ فاصِلةً بيْن الإيمانِ والكُفرِ، وقَعَت في رَمضانَ مِنَ السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهِجرةِ.

وأخبَرَ عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه قبْلَ بَدءِ المعركةِ بيومٍ، جَعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُري أصحابَه رَضيَ اللهُ عنهم مَواضِعَ قتْلِ وهلاكِ الكفَّارِ، ويقولُ لأصحابِه: هذا مَصرَعُ فُلانٍ غدًا إنْ شاءَ اللهُ، وهذا مَصرَعُ فلانٍ، يُسمِّيهم بأسمائهِم، وهذا مِن مُعجزاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الظَّاهرةِ، فحَلَف عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه باللهِ الَّذي بَعثَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِالحقِّ، أنَّ هؤلاء القَتْلى ما تَجاوَزُوا المواضعَ الَّتي بَيَّنَها وعيَّنَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخبَرَ عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم أُلْقُوا في بِئرٍ مَهجورةٍ، بعضُهم على بعضٍ، وانطَلقَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى انْتَهى إليهم بعْدَ نِهايةِ المعركةِ، بعْدَما طُرِحوا في البئرِ وَقَف عليهم وهُم في البئرِ، فقال مُناديًا عليهم بأسمائهِم: يا فلانُ بنَ فلانٍ، ويا فلانُ بنَ فلانٍ، وفي رِوايةٍ أُخرى عندَ مُسلمٍ: «تَرَك قَتْلى بَدرٍ ثلاثًا، ثمَّ أتاهم فقامَ عليهم فَناداهُم، فقال: يا أبا جَهلِ بنَ هِشامٍ، يا أُميَّةَ بنِ خلَفٍ، يا عُتبةَ بنَ رَبيعةَ، يا شَيبةَ بنَ رَبيعةَ»، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هلْ وجدْتُم ما وعدَكَم اللهُ ورسولُه حقًّا؟» مِن العذابِ والوعيدِ والدَّارِ الآخِرةِ، «فإنِّي قد وجدْتُ ما وعدَني اللهُ حقًّا» مِن النَّصرِ والتَّمكينِ على المشْرِكين، فَسَألَ عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «كيف تُكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها؟!» أي: بِظاهِرِها أو بِكمالِها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لعُمرَ: «ما أنتم بِأسمعَ لِمَا أقولُ» أي: لَستُم بأكثَرَ منهم سَماعًا لِما أقولُ، يعني: أنَّهم يَسْمَعون كسَماعِكم، «غيرَ أنَّهم لا يَستطيعونَ أنْ يَردُّوا عليَّ شَيئًا»، أي: لكنَّهم لا يَستطِيعون الإجابةَ والرَّدَّ علَيَّ.

وفي الحديثِ: بيانُ رؤيةِ الهلالِ.

وفيه: إنجازُ اللهِ عزَّ وجلَّ ما وعَدَه نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: سَماعُ المَوتى لكلامِ الأحياءِ.

وفيه: إثباتُ عَذابِ القبرِ.

أحاديث ذات صلة