إنِّي لأَذكُرُ أوَّلَ رَجُلٍ قَطَعَه؛ أُتِيَ بسارقٍ، فأَمَرَ بقَطعِه، وكأنَّما أُسِفَّ وَجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: قالوا: يا رسولَ اللهِ، كأنَّكَ كَرِهتَ قَطعَه؟ قال: وما يَمنَعُني؟! لا تكونوا عَونًا للشَّيطانِ على أخيكم، إنَّه يَنبَغي للإمامِ إذا انتَهى إليه حَدٌّ أنْ يُقيمَه، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عَفوٌّ يُحِبُّ العَفوَ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].
أخرجه أحمد (4168) واللفظ له، وعبدالرزاق (13519)، والحميدي (89)
كنتُ قاعدًا مع عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، فقال : إني لَأذكرُ أولَ رجلٍ قطعه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أُتِيَ بسارقٍ فأمر بقطعِه ، فكأنما أسِفَ وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ كأنك كرهتَ قطعَه ؟ قال : وما يمنعُني ؟ ! لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم إنه لا ينبغي للإمامِ إذا انتهى إليه حدٌّ إلا أن يقيمَه إنَّ اللهَ عفُوٌّ يحبُّ العفْوَ { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } الراوي : عبدالله بن مسعود المحدث : الألباني المصدر : السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم: 4/182 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه الحاكم (8155) واللفظ له، وأخرجه أحمد (4168)، والبيهقي (18067) باختلاف يسير لقدْ حذَّرَ الشَّرعُ المُطهَّرُ مِن تَقْنيطِ النَّاسِ مِن رَحْمةِ اللهِ تبارَك وتعالَى، وتَيْئيسِهم مِن التَّوبةِ، وازْدِراءِ المُذْنِبينَ ونَبْذِهم، والاعْتِداءِ عليهِم بالشَّتْمِ والأذِيَّةِ، بلْ يَنْبَغي احْتِواؤُهم وإرْشادُهم؛ لإبْعادِهِم عن طَريقِ الشَّيطانِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو ماجدٍ الحَنَفيُّ أنَّه كان قاعِدًا معَ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه حينَ أخبَرَ أنَّه يتَذكَّرُ أوَّلَ رجُلٍ قطَعَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأقامَ عليه حدَّ السَّرِقةِ، فقَطَع يَدَه؛ وذلك أنَّه أُتيَ بسارقٍ، وأُقيمَت عليه الحُجَّةُ؛ إمَّا بإقْرارِه، أو شَهادةِ عَدْلَينِ أنَّه سرَقَ، فأمَر بقَطْعِ يدِه، وحَزِن رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وظهَر هذا الحُزنُ على وَجْهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم: «يا رسولَ اللهِ، كأنَّكَ كرِهْتَ قَطْعَه؟» والمُرادُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ظَهَر عليه مِن عَلاماتِ عَدمِ الرِّضا في إقامةِ الحدِّ بقَطْعِ يَدِ الرَّجلِ السَّارِقِ، وليس هذا اعتِراضًا على الحدِّ الَّذي شَرَعه اللهُ عزَّ وجلَّ، فبيَّن لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَجْهَ عدَمِ رِضاه، فقال لهم: وما يَمنَعُني أنْ أحْزَنَ عليه؛ لأنَّه قُطِعَت يَدُه؟! وهذا مِنَ الرَّحمةِ الإنْسانيَّةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّ إقامةَ الحدِّ على العاصي تُطهِّرُ المُذنِبَ مِن ذَنبِه؛ فلا يَنبَغي لأحدٍ أنْ يُعيِّرَه بعْدَ ذلك بذَنبِه، فيكونَ ذلك مُساعَدةً للشَّيطانِ على إغْواءِ النَّاسِ وعَدمِ تَوبَتِهم؛ ولذلك قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحابِه: «لا تَكونوا أعْوانًا للشَّيطانِ على أخيكُمْ»، وهذا إرْشادٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَدَمِ أَذِيَّةِ المُذْنِبِ بعْدَ إقامةِ الحَدِّ عليه؛ حتَّى لا يَقنَطَ مِن رَحْمةِ اللهِ، فيَكونَ ذلك مُساعَدةً للشَّيطانِ وتَسْهيلًا لإغْوائِهِ إلى طَريقِه، ولأنَّ ارْتكابَ الذَّنْبِ لا يُخرِجُ العبْدَ مِن حَظيرةِ الإيمانِ وإنْ نَقَصَهُ، ولكِنَّ إقامةَ الحدِّ تُطهِّرُه مِن ذَنْبِهِ، فيَنْبَغي الدُّعاءُ له بالتَّوبةِ والمَغفِرةِ، وعدَمُ سَبِّه ولَعْنِه.
ثمَّ بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحابِه أنَّه لا يُمكِنُ للإمامِ إذا وصَل إليه أحَدٌ قدِ ارتَكَبَ ما يُوجِبُ عليه حَدًّا منَ الحُدودِ؛ إلَّا أنْ يُقيمَه امتِثالًا لأمرِ اللهِ سُبحانَه، ولكنْ إذا عَفا النَّاسُ عن بَعضِهم، فلمْ يُوصِّلْ أصْحابُ الحُقوقِ شَكْواهم إلى الإمامِ والحاكِمِ؛ فإنَّه لا يَبحَثُ ولا يُفتِّشُ عن عَفوِهم، ولا يُقيمُ الحُدودَ على مَن لم يُرفَعْ إليه؛ لأنَّ اللهَ عَفوٌّ يُحِبُّ العَفوَ، كما في قولِ اللهِ تعالَى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] ، وهذه دَعوةٌ إلى عَفْوِ النَّاسِ عن المُسِيئينَ حتَّى يَفوزوا بعَفوِ اللهِ يومَ القِيامةِ.
وفي الحَديثِ: أنَّ المُذنِبَ لا يُدعَى عليه بما يُعينُ عليه الشَّيطانَ، بلْ يُدْعى له بالهِدايةِ، والمَغفِرةِ، والرَّحمةِ.
[مسند أحمد] (7/ 232) 4168- حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت يحيى بن المجبر، قال: سمعت أبا ماجد يعني الحنفي، قال: كنت قاعدا مع عبد الله ، قال: إني لأذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق، فأمر بقطعه، وكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه؟ قال: (( وما يمنعني، لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم، إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه، إن الله عز وجل عفو يحب العفو: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22]))
مصنف عبد الرزاق (7/ 370) 13519- عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن عبد الله التيمي عن أبي ماجد الحنفي أن بن مسعود أتاه رجل بابن أخيه وهو سكران فقال إني وجدت هذا سكران يا أبا عبد الرحمن فقال ترتروه ومزمزوه واستنكهوه فترتروه ومزمزوه واستنكهوه فوجدوا منه ريح شراب فأمر به عبد الله إلى السجن ثم أخرجه من الغد ثم أر بسوط فدقت ثمرته حتى آضت له مخفقة يعني صارت قال ثم قال للجلاد اضرب وارجع يدك وأعط كل عضو حقه قال فضربه عبد الله ضربا غير مبرح وأوجعه قال قلت يا ابا ماجد ما المبرح قال ضرب الأمر قال فما قوله ارجع يدك قال لا يتمتى قال يعني يتمطى ولا يرى إبطه قال فأقامه في قباء وسراويل قال ثم قال بئس لعمر الله والي اليتيم هذا ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الخربة قال يا ابا عبد الرحمن إنه لابن أخي وإني لأجد له من اللوعة يعني الشفقة ما أجد لولدي ولكن لم آله فقال عبد الله إن الله عفو يحب العفو وإنه لا ينبغي لوال أن يؤتى بحد إلا أقامه ثم أنشأ عبد الله يحدث عن النبي صلى الله عليه و سلم فقال أول رجل قطع من المسلمين رجل من الأنصار أو في النصار أتي به رسول الله صلى الله عليه و سلم فكأنما اسف في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم رمادا يعني ذر عليه رماد فقالوا يا رسول الله كأن هذا شق عليك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وما يمنعني وأنتم أعوان الشيطان على أخيكم إن الله عفو يحب العفو وإنه لا ينبغي لوال أن يؤتى بحد إلا أقامه ثم قرأ وليعفوا وليصفحوا
مسند الحميدي (1/ 48) 89- حدثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا يحيى بن عبد الله الجابر أنه سمع أبا ماجد الحنفي يقول كنت عند عبد الله فأتاه رجل بشارب فقال عبد الله ترتوه أو مزمزوه واستنكهوه قال فترتروا ومزمز واستنكه فإذا هو سكران فقال عبد الله بن مسعود احبسوه فحبس فلما كان من الغد جىء به وجئت فدعا عبد الله بسوط فأتى بسوط له ثمرة فأمر بها فقطعت ثم دق طرفه حتى آضت له مخفقة قال فأشار بإصبعه كذا وقال للذي يضرب اضرب وارجع يدك وأعط كل عضو حقه وجلده وعليه قميص وإزار وقميص وسراويل ثم قال عبد الله أنه لا ينبغي لوالي أمر أن يوتي بحد إلا أقامه الله عفو يحب العفو فقال الرجل يا أبا عبد الرحمن إنه لابن أخي ومالي من ولد وإني لأجد له من اللوعة ما أجد لولدي فقال عبد الله بئس لعمر الله إذا والي اليتيم أنت ما أحسنت الأدب ولا امتزت الخربة ثم قال عبد الله إني لأعلم أول رجل قطعه رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى برجل من الأنصار قد سرق فقطعه فكأنما أسف في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم الرماد وأشار سفيان بكفه إلى وجهه وقبضها شيئا فقالوا يا رسول الله كأنك فقال وما يمنعني أن تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم أنه لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتى بحد إلا إقامة والله عفو يحب العفو ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم قال سفيان أتيت يحيى الجابر فقال لي أخرج ألواحك فقلت ليست معي ألواح فحدثني بهذا الحديث وأحاديث معه فلم أحفظ هذا الحديث حتى أعاده علي قال سفيان فحفظته من مرتين