عن طارقِ بنِ شِهابٍ، قال: رأيْتُ عليًّا على المِنبَرِ يخطُبُ، وعليه سيفٌ حِلْيَتُه حديدٌ، فسمِعْتُه يقولُ: واللهِ ما عندَنا كتابٌ نَقرؤُه عليكم إلَّا كتابَ اللهِ تعالى وهذه الصَّحيفةَ، أَعْطانيها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيها فرائضُ الصَّدَقةِ، قال: لِصَحيفةٍ مُعلَّقةٍ بسَيفِه.

الدلالات الموضوعية:# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# زكاة - فرض الزكاة# علم - حفظ العلم# زينة - حلية السيف# علم - كتابة العلم
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: علي بن أبي طالب
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حسن لغيره

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (962) واللفظ له، والبزار (513)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (7125)

الشرح والتوضيح

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: ما عِنْدَنَا شَيءٌ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ، وهذِه الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المَدِينَةُ حَرَمٌ، ما بيْنَ عَائِرٍ إلى كَذَا، مَن أحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.

وقالَ: ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ، فمَن أخْفَرَ مُسْلِمًا فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ، ومَن تَوَلَّى قَوْمًا بغيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.

الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1870 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه الترمذي (2127) مطولا، وأحمد (1037) كلاهما بلفظه، ومسلم (1370) بنحوه، وأبو داود (4530) مختصرا.

أُرْسِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للناسِ جَميعًا، عَرَبِهم وعَجَمِهم، أبيضِهِم وأسوَدِهم، ولم يَخُصَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدًا بأحكامِ الشَّريعةِ؛ قال تعالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .

وفي هذا الحَديثِ يَذكُرُ علِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه ليس عِندَه شَيءٌ مِن أحكامِ دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا كِتابُ اللهِ، وصَحيفةٌ مَكتوبٌ فيها بَعضُ مَسائلِ العِلمِ الَّتي لا يَختصُّ بها عن غَيرِه، بلْ أحكامُها تعُمُّ جَميعَ المسلِمينَ؛ فلمْ يكُنِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيَكتُمَ شَيئًا مِن دِينِ اللهِ عنِ النَّاسِ، ويخُصَّ به بَعضَ أهلِه.

ثمَّ أخبَرَ عن بَعضِ ما كان في هذه الصَّحيفةِ فقال: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، ما بيْنَ عَائِرٍ إلى كَذَا»، وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: «المدينةُ حرَمٌ ما بيْن عَيرٍ إلى ثَورٍ».

فعائرٌ وعَيرٌ اسمانِ لجبَلٍ واحدٍ، وفي الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «ما بيْن لابَتَيها حَرامٌ»، واللَّابَتانِ: تَثنيةُ لَابَةٍ، واللَّابَةُ الحَرَّةُ، وهي أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سَوداءَ كأنَّها أُحرِقَت بالنارِ، فالمَدينةُ -زادَها اللهُ تعالَى شَرفًا- بيْن حَرَّتينِ في جانَبيِ الشَّرقِ والغَربِ، والحَرَّةُ الشرقيَّةُ (حَرَّةُ واقمٍ) الآنَ بها قُباءٌ وحِصنُ واقِمٍ، والحرَّةُ الغربيَّةُ هي حَرَّةُ وَبَرةَ، وبها المَسجِدُ المُسمَّى بمَسجِدِ القِبلتَينِ.

وحُدودُها مِن جِهةِ الجنوبِ والشَّمالِ: ما بيْن جَبَلَيْ عَيرٍ (عائرٍ) وثَورٍ، فحَدُّ الحرمِ النَّبويِّ ما بيْن جَبلِ عَيْرٍ جَنوبًا، ويَبعُدُ عن المسجدِ النَّبويِّ (8,5 كم)، وجَبلِ ثَورٍ شَمالًا، ويَبعُدُ عن المسجدِ النبويِّ (8 كم).

وقد قامت لَجنةٌ رَسميَّةٌ في المَملكةِ العَربيَّةِ السُّعوديةِ بتَحديدِ حرَمِ المدينةِ، وجَعَلَت أمانةُ المدينةِ المنوَّرةِ عَلاماتٍ مِعماريةً على شَكْلِ أقواسِ المسجِدِ النَّبويِّ في أماكنَ عِدَّةٍ تُبيِّنُ هذه الحدودَ.

ومعْنى تَحريمِ المدينةِ: أنَّه يَأمَنُ فيها كلُّ شَيءٍ على نفْسِه، حتَّى الحيوانُ فلا يُصادُ، وحتَّى الشَّجرُ فلا يُقطَعُ، إلَّا ما يَزرَعُه الآدميُّ بنفْسِه فمَشروعٌ له قطْعُه والأكْلُ منه، وأيضًا يَحرُمُ صَيدُ المدينةِ كما في حرَمِ مكَّةَ، لكنْ لا جَزاءَ على مَن صادَ بها؛ لأنَّ حرَمَ المدينةِ ليسَ مَحلًّا للنُّسكِ بخِلافِ حرَمِ مكَّةَ.

وذَكَر عِقابَ مَن أحدَث فيها حَدثًا أو آوَى مُحدِثًا، ومعنى الإحداثِ في المدينةِ: أنْ يَعمَلَ فيها إنسانٌ عمَلًا يُخالِفُ دِينَ اللهِ، أو جُرمًا، أو ظُلمًا، أو حَدًّا، ومعْنى إيواءِ المُحدِثِ: نُصرةُ الجاني، وإجارتُه مِن خَصْمِه، والحَيلولةُ بيْنه وبيْن أنْ يُقتَصَّ منه.

ويجوزُ فتْحُ الدالِ مِن «مُحدَثًا»، ومعناه الأمْرُ المبتَدَعُ نفْسُه، فإذا رَضِيَ بالبدعةِ، وأقرَّ فاعِلَها ولم يُنكِرْها عليه؛ فقدْ آواهُ.

فمَن فَعَلَ ذلك فقدِ استحقَّ لَعْنَةَ اللهِ -وهو الطَّردُ والإبعادُ مِن رَحمتِه- والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، وهو دُعاؤهم عليه بالبُعدِ عن رَحمةِ اللهِ تعالَى، وهذا وَعيدٌ شَديدٌ، لكنْ يُرادُ به هنا العذابُ الَّذي يَستحِقُّه على ذَنْبِه، والطَّردُ عنِ الجنَّةِ أوَّلَ الأمرِ، وليستْ هي كلَعنةِ الكفَّارِ الَّذين يُبعَدونَ مِن رَحمةِ اللهِ تعالَى كلَّ الإبعادِ.

وكذا لا يَقبَلُ اللهُ منه ما يَصرِفُ به العذابَ عن نفْسِه، وما يَفتدِي به منْه.

وأخبَرَ أنَّ في الصَّحيفةِ أيضًا: أنَّ ذِمَّةَ المُسلِمينَ واحدةٌ مُتكافئةٌ، رِجالًا ونِساءً، أحرارًا وعَبيدًا، لا فرْقَ بيْنهم، فمَن أجارَه أحدُهم وجَب على المُسلِمينَ جَميعًا أنْ يُجِيروه ويُؤمِّنوه، فمَن اعتدَى ونقَضَ عَهْدًا عاهَده مُسلِمٌ أو أمانًا أعطاهُ؛ فقدِ استحَقَّ العقوبةَ باللَّعنِ، وعدمِ القَبولِ، على ما سَبَقَ بيانُه.

وفيها أيضًا: أنَّ مَن أعْطى وَلاءَه لغَيرِ مَواليهِ الَّذين أعتَقَوه مِن الرِّقِّ، فقدِ استحَقَّ العُقوبةَ باللَّعنِ، وعدَمِ القَبولِ أيضًا؛ لأنَّ لُحمةَ الولاءِ كلُحمةِ النَّسَبِ، فلا يَحِلُّ تَجاوزُها.

وقولُه: «بغَيرِ إذنِ مَواليهِ» ظاهرُه أنَّه شَرْطٌ، وليس شَرْطًا؛ لأنَّه لا يَجوزُ له إذا أَذِنوا أنْ يُوالِيَ غَيرَهم، وإنَّما هو بمعْنى التَّوكيدِ لتَحريمِه، والتَّنبيهِ على بُطلانِه، والإرشادِ إلى السَّببِ فيه؛ لأنَّه إذا استأذَنَ أولياءَهُ في مُوالاةِ غيرِهم مَنَعُوه، فيَمتنِعُ، والمعْنى: إنْ سَوَّلَت له نفْسُه ذلك فلْيَستأذِنْهم؛ فإنَّهم يَمنَعونَه.

وقد اختَلَفَت الأحاديثُ في المكتوبِ في هذه الصَّحيفةِ زِيادةً ونُقصانًا، فمنْها ما ذُكِرَ فيه: الدِّيةُ، وفِكاكُ الأسيرِ، وأنَّه لا يُقتَلُ مُسلمٌ بكافرٍ، ولعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ والدَه، وغيرُ ذلك؛ والجمْعُ بيْن هذه الأحاديثِ أنَّ الصَّحيفةَ كانت واحدةً، وكان جَميعُ ذلك مَكتوبًا فيها، فنَقَلَ كلُّ واحدٍ مِن الرُّواةِ عنه ما حَفِظَه.

وفي الحديثِ: ردٌّ على الشِّيعةِ الَّذين يَزعُمونَ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه قد اختَصَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأُمورٍ كَثيرةٍ مِن أسرارِ العلمِ، وقَواعدِ الدِّين، وكُنوزِ الشَّريعةِ، وأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خصَّ أهلَ البيتِ بما لم يُطلِعْ عليه غيرَهم.

وفيه: أنَّ العمَلَ المخالِفَ لشَرْعِ اللهِ في المدينةِ يُعَدُّ مِن الكبائرِ.

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (2/ 269) 962- حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: رأيت عليا، على المنبر يخطب، وعليه سيف حليته حديد، فسمعته يقول: (( والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها فرائض الصدقة)) قال: (( لصحيفة معلقة بسيفه))

[مسند البزار - البحر الزخار] (2/ 150) 513- حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: نا أبو نعيم، عن شريك، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: رأيت عليا وهو يقول: على المنبر (( ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله عز وجل.

وهذه الصحيفة صحيفة معلقة في سيفه، وذكر أن فيها فرائض الصدقة التي أخذها، يعني: في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

ولا نعلم روى طارق بن شهاب، عن علي إلا هذا الحديث.

وطارق رجل قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم

شرح معاني الآثار (4/ 318) 7125- حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن المخارق، عن طارق، قال: خطبنا علي رضي الله عنه فقال: (( ما عندنا من كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله , وهذه الصحيفة يعني , الصحيفة في دواته.

وقال: في غلاف سيف عليه أخذناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فرائض الصدقة))

أحاديث ذات صلة