جلَسَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَجلِسًا له، فأتاه جِبريلُ، فجلَسَ بيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واضِعًا كَفَّيْه على رُكبَتَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، حدِّثْني ما الإسلامُ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الإسلامُ أنْ تُسلِمَ وَجهَكَ للهِ، وتَشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، وأنَّ محمدًا عَبدُه ورَسولُه.
قال: فإذا فعَلتُ ذلك فقد أسلَمتُ؟ قال: إذا فعَلتَ ذلك فقد أسلَمتَ.
قال: يا رَسولَ اللهِ، فحَدِّثْني ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، واليَومِ الآخِرِ، والملائكةِ، والكِتابِ، والنَّبيِّينَ، وتُؤمِنَ بالمَوتِ، وبالحَياةِ بَعدَ المَوتِ، وتُؤمِنَ بالجنَّةِ والنَّارِ، والحِسابِ، والميزانِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ كُلِّه، خَيرِه وشَرِّه.
قال: فإذا فعَلتُ ذلك فقد آمَنتُ؟ قال: إذا فعَلتَ ذلك فقد آمَنتَ.
قال: يا رَسولَ اللهِ، حَدِّثْني ما الإحسانُ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الإحسانُ أنْ تَعمَلَ للهِ كأنَّكَ تَراه، فإنَّك إنْ لم تَرَه فإنَّه يَراكَ.
قال: يا رَسولَ اللهِ، فحَدِّثْني متى السَّاعةُ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: سُبحانَ اللهِ في خَمسٍ مِن الغَيبِ، لا يعلَمُهُنَّ إلَّا هو: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] ولكنْ إنْ شِئتَ حدَّثتُكَ بِمَعالِمَ لها دونَ ذلك.
قال: أَجَلْ يا رَسولَ اللهِ، فحَدِّثْني.
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إذا رأَيتَ الأَمَةَ ولَدَت رَبَّتَها أو رَبَّها، ورأَيتَ أَصحابَ الشَّاءِ تَطاوَلوا بالبُنيانِ، ورأَيتَ الحُفاةَ الجياعَ العالَةَ كانوا رُؤوسَ النَّاسِ، فذلك مِن مَعالِمِ السَّاعَةِ وأَشراطِها.
قال: يا رَسولَ اللهِ، ومَن أَصحابُ الشَّاءِ والحُفاةُ الجياعُ العالَةُ؟ قال: العَرَبُ.
قال: يا رَسولَ اللهِ، فحَدِّثْني ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، واليَومِ الآخِرِ، والملائكةِ، والكِتابِ، والنَّبيِّينَ، وتُؤمِنَ بالمَوتِ، وبالحَياةِ بَعدَ المَوتِ، وتُؤمِنَ بالجنَّةِ والنَّارِ، والحِسابِ، والميزانِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ كُلِّه، خَيرِه وشَرِّه.
قال: فإذا فعَلتُ ذلك فقد آمَنتُ؟ قال: إذا فعَلتَ ذلك فقد آمَنتَ.
قال: يا رَسولَ اللهِ، حَدِّثْني ما الإحسانُ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الإحسانُ أنْ تَعمَلَ للهِ كأنَّكَ تَراه، فإنَّك إنْ لم تَرَه فإنَّه يَراكَ.
قال: يا رَسولَ اللهِ، فحَدِّثْني متى السَّاعَةُ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: سُبحانَ اللهِ في خَمسٍ مِن الغَيبِ، لا يعلَمُهُنَّ إلَّا هو: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34]، ولكنْ إنْ شِئتَ حَدَّثتُكَ بِمَعالِمَ لها دونَ ذلك.
قال: أَجَلْ يا رَسولَ اللهِ، فحَدِّثْني.
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إذا رأَيتَ الأَمَةَ ولَدَت رَبَّتَها أو رَبَّها، ورأَيتَ أَصحابَ الشَّاءِ تَطاوَلوا بالبُنيانِ، ورأَيتَ الحُفاةَ الجياعَ العالَةَ كانوا رُؤوسَ النَّاسِ؛ فذلك مِن مَعالِمِ السَّاعَةِ وأَشراطِها.
قال: يا رَسولَ اللهِ، ومَن أَصحابُ الشَّاءِ والحُفاةُ الجياعُ العالَةُ؟ قال: العَرَبُ.
أخرجه أحمد (2924) واللفظ له، والحارث في ((المسند)) (9)، والبزار (4832)
بينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعدٌ في الناسِ ، إذ دخَل رجلٌ يتخطَّى الناسَ ، حتى وضَع يدَيه على رُكبتَيِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقال : ما الإسلامُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ .
قال : فإذا فعَلتُ ذلك فقد أسلَمتُ؟ قال : نعَم .
قال : فما الإيمانُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : أن تؤمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ ، والملائكةِ ، والكتابِ ، والنبيِّينَ ، والحسابِ ، والميزانِ ، والحياةِ بعدَ الموتِ ، والقدَرِ كلِّه خيرِه وشرِّه .
قال : فإذا فعَلتَ ، فقد آمَنتَ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : نعَم ، قال : ما الإحسانُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : أن تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراه ، فإنَّكَ إن لا تكُنْ تَراه ، فإنه يَراكُ ، قال : فإذا فعَلتُ ذلك فقد أحسَنتُ ؟ قال : نعَم ، قال : فمتى الساعةُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : هي في خمسٍ لا يعلمُهُنَّ إلا اللهُ ثم تَلا قولَه تعالى : إنَّ اللهَ عندَه عِلمُ الساعةِ ويُنَزِّلُ الغيثَ ويَعلَمُ ما في الأرحامِ ...
الآية .
ألا أخبرُكَ بعلامةِ - أو قال : معالمِ - ذلك إذا رأيتَ العُراةَ الجياعَ العالةَ رؤوسَ الناسِ ، ورأيتَ الأمةَ وَلَدَتْ ربتَها ، ورأيتَ أصحابَ البداءِ يتَطاوَلونَ في البنيانِ .
قال : فانطَلَق الرجلُ حتى توارى ، قال : عليَّ الرجلُ ، فطلَب فلم يوجَدْ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : هذا جبريلُ أتاكم لِيعلِّمَكم دِينَكم ، وما أتاني في صورةٍ إلا عرفتُه فيها غيرَ مرَّتِه هذه الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : البوصيري المصدر : إتحاف الخيرة المهرة الصفحة أو الرقم: 1/84 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه أحمد (2924)، والحارث بن أبي أسامة في ((المسند)) كما في ((بغية الباحث)) للهيثمي (9)، وابن بشران في ((الأمالي- الجزء الأول)) (851) باختلاف يسير.
هذا حَديثٌ عظيمٌ جَليلُ القَدْرِ، فيه تَعليمٌ للدِّينِ وبَيانٌ لِأَركانِه ومَراتبِه، وذِكرٌ لبَعضِ أشراطِ السَّاعةِ، وفيه يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "بَيْنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قاعِدٌ في النَّاسِ، إذ دخَلَ رجلٌ يَتخطَّى النَّاسَ"، أي: يَدخُلُ مِن بيْنهم وهم جُلوسٌ؛ لِيَصِلَ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، "حتَّى وضَعَ يدَيْه على رُكبتَيِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: ما الإسلامُ يا رَسولَ اللهِ؟" أي: أعْلِمني عنِ الإسْلامِ، فقال صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "الإسلامُ: أنْ تَشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ"، أي: لا مَعْبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، "وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، قال: فإذا فعلْتُ ذلك فقدْ أسلمْتُ؟" أي: إذا شهِدْتُ بذلك أكونُ قد دخلْتُ في الإسلامِ؟ فأجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقولِه: "نعمْ"، فقال السَّائلُ: "فما الإيمانُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: أنْ تُؤمِنَ باللهِ"، أي: تَعْتقِدَ بوُجودِه، وأنَّه هو الخالقُ الرازقُ المدبِّرُ المحيي المميتُ، وأنَّه وحْدَه هو المعبودُ بحقٍّ، وأنَّه لا يَجوزُ صَرْفُ شيءٍ مِن أنواعِ العِبادةِ لغيرهِ، وتأتمرَ بأوامرِه، وتَنتهيَ عن نواهِيه، وتُثبِتَ ما أَثْبتَه لنَفْسِه وما أَثْبَتَه له رَسولُه مِن أسْمائِه الحُسنَى وصِفاتِه العُلَا، مِن غيرِ تَعطيلٍ ولا تَحريفٍ، ومِن غيرِ تَكييفٍ ولا تمثيلٍ.
"واليومِ الآخِرِ"، أي: وتَعتقِدَ بيومِ القِيامةِ والبَعثِ بعدَ الموتِ، وكلِّ ما أَتَتْ به الأخبارُ الصَّحيحةُ ممَّا يَحدُثُ، حتَّى يَدخُلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ، "والملائكةِ"، أي: تُؤمِنَ بوُجودِهِم، وأنَّهم مَخْلوقاتٌ مِن نُورٍ، وبكل ما جاءَ فِي وصْفِهم ووَظائِفهم وأعمالِهم في كِتابِ اللهِ، وصَحَّ في سُنَّةِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، "والكِتابِ"، أي: وتَعْتَقِدَ بوُجودِ كُتُبِه المُنَزَّلةِ على رُسُلِهِ؛ كالقُرآنِ، والتَّوراةِ، والإنْجيلِ، وغيرِها، وأنَّ كُلَّها نُسِخَتْ بالقُرآنِ، "والنَّبيِّينَ"، أي: وتَعتقِدَ بأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ أرسَلَ رُسلًا مُبَشِّرينَ ومُنْذِرينَ ومُبَلِّغينَ ما أنزَلَ اللهُ إليهم، فمَنْ كفرَ بواحدٍ مِنهُم، سواءٌ كان في الملائكةِ، أو بالرُّسلِ والأنبياءِ؛ كَفَر بِجَميعِهم، "والحِسابَ"، أي: وتُؤمِنَ بأنَّ العِبادَ سيُحاسَبون يومَ القيامةِ على أعْمالِهم، "والميزانِ"، أي: وتُؤمِنَ بوُجودِ مِيزانٍ تُوزَنُ به الأعمالُ يومَ القيامةِ، "والحياةِ بعدَ الموتِ"، أي: وتُؤمِنَ بوُقوعِ حياةٍ أُخرويَّةٍ بعدَ الموتِ، "والقدَرِ كلِّه"، أي: وتُؤْمِنَ بالقدَرِ، وهو عِلْمُ اللهِ الأزَلِيُّ، المُحيطُ بِمَقاديرِ الأشياءِ وأحوالِها، "خَيرِهِ وشَرِّهِ"، أي: وتَعتقِدَ بأنَّ اللهَ قَدَّرَ الخيرَ والشَّرَّ قبْلَ خَلْقِ الخَلائِقِ، وأنَّ جَميعَ الكائِناتِ مُتَعلِّقةٌ بقَضاءِ اللهِ، مُرتبِطَةٌ بقَدَرِه، وأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ بعِلمِه الأزليِّ مَقاديرَ كلِّ شَيءٍ وما سيكونُ، وكتبَه في اللَّوحِ المحفوظِ، ويَسَّرَ كُلَّ مخلوقٍ لِمَا خُلِق له، فقال السَّائلُ: "فإذا فعلْتُ، فقدْ آمنْتُ يا رسولَ اللهِ؟" فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "نعمْ".
قال السِّائلُ: "ما الإحسانُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تراهُ، فإنَّك إنْ لا تكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراك"، أي: الإحسانُ أنْ تُوَحِّدَ اللهَ، وتُطيعَهُ في أوامرِهِ وزَواجِرِه، كأنَّكَ تَراهُ، وتُعامِلَهَ مُعامَلةَ مَن تَراهُ في الخُضوعِ والذُّلِّ والصِّدْقِ في العِبادةِ؛ "فإنْ لمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ"، أي: فإنْ غَفَلْتَ عنْ ذلك، فلا تَغفُلْ عن أنَّه يَراكَ ويُراقِبُكَ، قال السَّائلُ: "فإذا فعلْتُ ذلك فقدْ أحسَنْتُ؟ قال: نعمْ.
قال السائلُ: "فمتى السَّاعةُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: هي في خمْسٍ لا يَعلَمُهنَّ إلَّا اللهُ"، أي: اسْتأثَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بعِلْمِها، "ثمَّ تلا"، أي: النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، "قولَه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} [لقمان: 34] الآيةَ، ألَا أُخبِرُك بعَلامةٍ- أو قال: مَعالِمَ-"، أي: بعَلاماتِ قِيامِ السَّاعةِ، "ذلك إذا رأيْتَ العُراةَ"، وهم الَّذين لا ثِيابَ على أجسادِهِم، "الجِياعَ العالَةَ"، وهم الفُقراءُ العالةُ عَلى النَّاسِ الَّذين لا يُحسنونَ شَيئًا.
وفي رِوايةٍ "وأنْ ترَى الحُفاةَ العراةَ"، وهم أصحابُ الباديةِ أصحابُ الإبلِ والغَنمِ، "رُؤوسَ النَّاسِ"، أي: تَولَّوا أُمورَ العِبادِ وأخَذُوا المناصِبَ، "ورأيْتَ الأَمَةَ وَلَدَتْ رَبَّتَها"، أي: تَلِدُ الأَمَةُ- وهي المَمْلوكَةُ- رَبَّتَها، أي: مالِكَها ومَوْلاها؛ قيل: هذا إشارةٌ إلى كَثرةِ العُقوقِ، بحَيثُ يُعامِلُ الوَلدُ أُمَّهُ مُعامَلةَ السَّيِّدِ أَمَتَه.
وقيل: هو إشارةٌ إلى كَثْرةِ ما يكونُ مِن سَبْيٍ، فإذا ولَدَتِ الأَمَةُ لسيِّدِها، أصبحَ ولَدُها بمَنزلةِ السيِّدِ؛ لأنَّه تابعٌ لأبيهِ، "ورأيْتَ أصحابَ البِداءِ"، أي: البَدْوَ، "يَتطاولونَ في البُنيانِ"، أي: يَتَنافَسونَ في ارتِفاعِه وكَثْرَتِه.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "فانطلَقَ الرَّجلُ حتَّى تَوارَى"، أي: اخْتَفى عن الأنظارِ، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "عليَّ الرَّجلَ"، أي: أحْضِروه، "فطُلِبَ فلمْ يُوجَدْ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: هذا جِبريلُ أتاكُم لِيُعلِّمَكم دِينَكم"؛ لأنَّه السَّببُ في الجَوابِ عن السُّؤالِ وتَحْصيلِهم العِلمَ الغَزيرَ، "وما أتانِي في صُورةٍ"، أي: في هَيئةٍ، "إلَّا عرَفْتُه فيها غيرَ مرَّتِه هذه"، أي: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعرِفُه في كلِّ مرَّةٍ يأْتِيه فيها جِبريلُ إلَّا تلك المرَّةَ؛ حيث أتَى في صُورةِ رجُلٍ شَديدِ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدِ سَوادِ الشَّعرِ، ولا يُرَى عليه أثَرُ السَّفرِ مِن التَّعَبِ والغُبارِ، كما في رِوايةِ مُسلمٍ.
وفي الحديثِ: بَيانُ مَراتبِ الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ.
وفيه: بَيانُ أركانِ الإيمانِ السِّتَّةِ.
وفيه: بَيانُ بَعضِ آدابِ طالِبِ العِلمِ مِنَ التَّواضُعِ وغَيرِه.
وفيه: دَليلٌ على بَركةِ العِلمِ، وأنَّ العِلمَ يَنْتَفِعُ به السَّائِلُ والمُجيبُ.
وفيه: بَيانُ أحْوالِ نُزولِ جِبْرِيلَ عليه السَّلامُ على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
[مسند أحمد] (5/ 92 ط الرسالة) ((2923- حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة من قومه يقال لها: سودة، وكانت مصبية، كان لها خمسة صبية أو ستة، من بعل لها مات، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما يمنعك مني؟)) قالت: والله يا نبي الله، ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكني أكرمك أن يضغو هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية.
قال: (( فهل منعك مني شيء غير ذلك؟)) قالت: لا والله.
قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يرحمك الله، إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغر، وأرعاه على بعل بذات يد)).
((2924- وقال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا له، فأتاه جبريل، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضعا كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، حدثني ما الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الإسلام أن تسلم وجهك لله، وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله)) قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: (( إذا فعلت ذلك، فقد أسلمت)).
قال: يا رسول الله، فحدثني ما الإيمان؟ قال: (( الإيمان أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالموت، وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب، والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره))، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: (( إذا فعلت ذلك فقد آمنت)).
قال: يا رسول الله، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك)) قال: يا رسول الله، فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سبحان الله، في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34]، ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك))، قال: أجل يا رسول الله، فحدثني.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا رأيت الأمة ولدت ربتها- أو ربها-، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها)).
قال: يا رسول الله، ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: (( العرب)).
[مسند الحارث = بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث] (1/ 154) 9- حدثنا أبو الحسن عاصم بن علي، ثنا الحكم بن فضيل، ثنا سيار أبو الحكم، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في الناس إذ دخل رجل يتخطى الناس وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الإسلام يا رسول الله؟ قال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم))، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: ((نعم))، قال: فما الإيمان يا رسول الله؟ قال: ((أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والحساب والميزان والحياة بعد الموت والقدر كله خيره وشره))، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت يا رسول الله؟ قال: ((نعم))، قال: فما الإحسان يا رسول الله؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك))، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال: ((نعم))، قال: فمتى الساعة يا رسول الله؟ قال: (( هي في خمس لا يعلمهن إلا الله، إن الغيب لا يعلمه إلا الله- قوله: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} [لقمان: 34] الآية، ألا أخبرك بعلامته أو قال: بمعالم ذلك؟ إذا رأيت العراة الجياع العالة رءوس الناس، ورأيت الأمة ولدت ربتها ورأيت أصحاب البدا يتطاولون في البنيان)) قال: فانطلق الرجل حتى توارى قال: ((علي بالرجل))، فطلب فلم يوجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم))، قال: ((وما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير مرته هذه)).
[مسند البزار - البحر الزخار] (11/ 111) ((4832- حدثنا أحمد بن معلى الأدمي، قال: حدثنا جابر بن إسحاق، قال: حدثنا سلام أبو المنذر عن عاصم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما، أن جبريل عليه السلام أتى النبي في هيئة رجل شاحب مسافر حتى وضع يده على ركبة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم قال: صدقت قال: فتعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه، ثم قال: ما الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال: نعم قال: صدقت.
قال فأخبرني ما الإيمان قال: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت.
قال: نعم قال: صدقت قال: فمتى الساعة؟ قال: والذي نفسي بيده ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها أشراط إذا رأيت المرأة ولدت ربتها ورأيت الحفاة العراة العالة-، يعني العرب- ولوا الناس قال: صدقت، ثم ولى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل فنظر فلم ير شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تدرون من هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم ما جاء في صورة قط إلا عرفته غير هذه المرة)).