إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذكَرَ صَفيَّةَ فقيلَ: إنَّها حائِضٌ، فقال: لعَلَّها حابِسَتُنا؟ قيل: يا رسولَ اللهِ، إنَّها قد أفاضَتْ، قال: فلا إذَنْ.
أخرجه البخاري (1757)، وأبو داود (2003)، والترمذي (943)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (4186)، وابن ماجه (3073)، وأحمد (25944) واللفظ له. والحديث أخرجه مسلم (1211) بنحوه
خَرَجْنَا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولَا نَرَى إلَّا الحَجَّ، فَقَدِمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَطَافَ بالبَيْتِ، وبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ، وكانَ معهُ الهَدْيُ، فَطَافَ مَن كانَ معهُ مِن نِسَائِهِ وأَصْحَابِهِ، وحَلَّ منهمْ مَن لَمْ يَكُنْ معهُ الهَدْيُ، فَحَاضَتْ هي، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِن حَجِّنَا، فَلَمَّا كانَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ -لَيْلَةُ النَّفْرِ- قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، كُلُّ أصْحَابِكَ يَرْجِعُ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ غيرِي، قالَ: ما كُنْتِ تَطُوفينَ بالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟ قُلتُ: لَا، قالَ: فَاخْرُجِي مع أخِيكِ إلى التَّنْعِيمِ، فأهِلِّي بعُمْرَةٍ، ومَوْعِدُكِ مَكانَ كَذَا وكَذَا.
فَخَرَجْتُ مع عبدِ الرَّحْمَنِ إلى التَّنْعِيمِ، فأهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ.
وحَاضَتْ صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ، فَقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَقْرَى حَلْقَى، إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أمَا كُنْتِ طُفْتِ يَومَ النَّحْرِ؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فلا بَأْسَ، انْفِرِي.
فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا علَى أهْلِ مَكَّةَ وأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أوْ أنَا مُصْعِدَةٌ وهو مُنْهَبِطٌ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1762 خلاصة حكم المحدث : [أورده في صحيحه] وقال : قال مسدد: (قلت: لا).
تابعه جرير عن منصور في قوله (لا).
التخريج : أخرجه البخاري (1762)، ومسلم (1211) الحجُّ هو الرُّكنُ الخامسُ مِن أركانِ الإسلامِ، وقد بيَّنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَناسِكَ الحجِّ بأقوالِه وأفعالِه، ونَقَلَها لنا الصَّحابةُ الكرامُ رَضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ.
وفي هذا الحديثِ تَحكي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهم خَرَجوا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَجَّة الوَداعِ في العامِ العاشرِ مِن الهجرةِ وهمْ لا يَقصِدون سِوى الحجِّ، ولم تَذكُرِ الاعتمارَ على ما كانوا يَعهَدونه مِن تَرْكِ الاعتمارِ في أشهُرِ الحجِّ، فلمَّا وَصَلوا مَكَّةَ طاف النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ونِساؤه وأصحابُه طَوافَ العُمرةِ، وسَعَوا بيْن الصَّفا والمَروةِ، ولم تَطُفْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها لِأجْلِ حَيضِها، فأمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَن لَم يكُن أحضَرَ الهدْيَ معه مِن خارجِ مكَّةَ أنْ يَتحلَّلَ مِن إحرامِه، ويَتمتَّعَ إلى أنْ تَبدَأَ أعمالُ الحجِّ، وكانت نِساؤُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَم يَسُقْنَ الهَدْيَ فأَحْلَلنَ، وعائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها مِنهُنَّ لكِن مَنَعَها مِن التَّحلُّلِ كَونُها حاضَت لَيلةَ دُخولِها مَكَّةَ وكانَت مُحرِمةً بِعُمرةٍ، وأدْخَلَت عليها الحَجَّ، فصارَت قارِنةً.
وحَدَثَ حَيضُها بِسَرِفَ قبْلَ دُخولِها مكَّةَ، وهو اسْمُ بُقْعةٍ على عَشَرةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، فلَم تَطُفْ بالبَيتِ طَوافَ العُمرةِ لِمانِع الحَيضِ.
وأمَّا طَوافُ الإفاضةِ فقدْ طافَتْه في يومِ النَّحرِ، وأدَّوا جَميعًا أعمالَ الحجِّ كاملةً.
قالت: فلمَّا كانَت لَيلةُ الحَصْبةِ -وهي اللَّيلةُ الَّتي نَزَلوا فيها في المُحَصَّبِ، وهو المَكانُ الَّذي نَزَلوه بَعدَ الرَّحيلِ مِن مِنًى إلى خارِجِ مَكَّةَ، وهو مكانٌ متَّسِعٌ بيْنَ مكَّةَ ومِنًى بيْنَ الجبلَيْنِ إلى المقابرِ؛ سُمِّيَ به لاجتماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُعرَفُ أيضًا بالأبْطَحِ، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزة- قالَت للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يَرجِعُ النَّاسُ بِعُمرةٍ مُنفَرِدة عن حَجَّةٍ، وأَرجِعُ أنا بِحَجَّة دونَ عُمرةٍ لَيسَ لي عُمرةٌ مُنفرِدةٌ عن حَجٍّ، حَرَصتْ على ذلِك رَضيَ اللهُ عنها؛ لِتكثيرِ الأفعالِ كما حَصَلَ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ وغيرِهنَّ مِن الصَّحابةِ الَّذينَ فَسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ وأتمُّوا العُمرةَ، وتَحلَّلوا مِنها قَبلَ يَومِ التَّرويةِ، وأَحرَموا بالحَجِّ يَومَ التَّرويةِ مِن مَكَّةَ، فحَصَلَ لَهُم حَجَّةٌ مُنفرِدةٌ وعُمرةٌ مُنفَرِدةٌ، وأمَّا عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها فإنَّما حَصَلَ لها عُمرةٌ مُندَرِجةٌ في حَجَّةٍ بالقِرانِ، فأرادَت عُمرةً مُفرَدة كما حَصَلَ لبَقيَّةِ النَّاسِ.
فأمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها بالذَّهابِ مَع أخيها عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكْرٍ رَضيَ اللهُ عنهما إلى التَّنْعيمِ -وهو مَوْضِعٌ على ثَلاثةِ أو أربعةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، أَقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّي به لأنَّ على يَمِينِه جَبلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جَبَلَ نَاعِمٍ، والوادِيَ اسمُه نَعْمانُ- لتُحرِمَ بِعُمرةٍ؛ تَطييبًا لقَلبِها، ثُمَّ جَعَلَ مَوعِدَهما الرَّجوعَ إلى المُحَصَّبِ بعْدَ أنْ تَنتهِيَ مِن عُمرتِها.
وتَحكي أمُّ المؤمنين عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ أمَّ المؤمنين صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ رَضيَ اللهُ عنها حاضتْ، وذلك بعدَ أداءِ طَوافِ الإفاضةِ، فظنَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّها حاضَتْ قَبْلَ طَوافَ الإفاضةِ، فقالَ: «عَقْرَى حَلْقَى»، مَعناه: عَقَرَها اللهُ، وأصَابَها في حَلْقِها الوَجَعُ، وهذا ممَّا جَرى على ألْسِنتِهم مِن غَيرِ قَصدٍ له، فليس المرادُ حَقيقةَ الدُّعاءِ، بل هي كَلمةٌ اتَّسَعَت فيها العرَبُ، فتُطلِقُها ولا تُريدُ حَقيقةَ معْناها، فهي مِثلُ قَولِهم: «تَرِبَت يَداهُ»، ونحْوِ ذلك.
واستَفْهَم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلك قائلًا: «أحَابِسَتُنا هي؟» يعني: هل نَضطرُّ إلى المُكثِ حتَّى تَطهُرَ وتَطوفَ طَوافَ الإفاضةِ؟ فقيل له: إنَّ صَفيَّةَ طافتْ طَوافَ الإفاضَةِ، أو أَعْلَمَتْه عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّها طافتْ معهنَّ، فلمَّا عَلِمَ ذلك زالَ عنه ما خَشِيَه مِن المُكْثِ حتى تَطهُرَ صَفيَّةُ لتَأتِيَ بطَوافِ الإفاضَةِ، وأَذِنَ لهم في الرَّحيلِ، ورَخَّصَ لأمِّ المؤمنينَ صَفيَّةَ رَضيَ اللهُ عنها في تَرْكِ طَوافِ الوَداعِ.
ثُمَّ تَحكي أمُّ المؤمنين عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّها بعْدَ أنْ أدَّتْ مَناسِكَ العُمرةِ قابَلَها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمُحَصَّبِ وهو مُبتَدِئٌ السَّيرَ مِن مَكَّةَ وهي مُنْهَبِطةٌ عليها، أو وهي مُصْعِدةٌ وهو مُنْهَبِطٌ منها.
وفي الحديثِ: سُقوطُ طَوافِ الوَداعِ عن الحائضِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ.
وفيه: اشتراطُ الطَّهارةِ للطَّوافِ، فلا تَطوفُ الحائضُ بالبيتِ حتَّى تَطهُرَ.
[صحيح البخاري] (2/ 179) 1757- حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: ((أن صفية بنت حيي، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحابستنا هي، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذا)).
[سنن أبي داود] (2/ 208) 2003- حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر صفية بنت حيي، فقيل: إنها قد حاضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعلها حابستنا))، قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت، فقال: ((فلا إذا)).
[سنن الترمذي] (3/ 271) 943- حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ، أنها قالت: ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن صفية بنت حيي حاضت في أيام منى، فقال: ((أحابستنا هي؟))، قالوا: إنها قد أفاضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلا إذا)) وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس.: حديث عائشة حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند أهل العلم أن المرأة إذا طافت طواف الزيارة ثم حاضت، فإنها تنفر وليس عليها شيء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
[السنن الكبرى - للنسائي] (2/ 464) 4186- أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال أنبأ سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: حاضت صفية فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أحابستنا هي قلت لا إنها قد أفاضت ثم حاضت قال فلا إذا.
[مسند أحمد] (43/ 101 ط الرسالة) ((25944- حدثنا ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صفية، فقيل: إنها حائض، فقال: (( لعلها حابستنا)) قيل: يا رسول الله، إنها قد أفاضت، قال: (( فلا إذا)).