- قَدِمتُ المَدينةَ أنا وصاحِبٌ لي، فتَعَرَّضْنا للناسِ فلم يُضِفْنا أحَدٌ، فأتَيْنا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فذَكَرْنا له، فذَهَبَ بنا إلى مَنزِلِه، وعِندَه أرْبعُ أعْنُزٍ فقال: احتَلِبْهُنَّ يا مِقْدادُ، وجَزِّئْهنَّ أربعةَ أجْزاءٍ، وأعْطِ كُلَّ إنسانٍ جُزْأهُ، فكُنتُ أفعَلُ ذلك، فرَفَعتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ جُزْأه ذاتَ ليلةٍ، فاحْتَبَسَ، واضْطَجَعتُ على فِراشي، فقالَتْ لي نَفْسي: إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قد أتى أهْلَ بَيتٍ مِن الأنصارِ، فلو قُمتَ فشَرِبتَ هذه الشَّرْبةَ، فلم تَزَلْ بي حتى قُمتُ فشَرِبتُ جُزْأه، فلمَّا دَخَلَ في بَطْني وتَقارَّ، أخَذَني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فقُلتُ: يَجيءُ الآنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ جائِعًا ظَمْآنًا ولا يَرَى في القَدَحِ شَيئًا، فسَجَّيتُ ثَوبًا على وَجْهي، وجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فسَلَّمَ تَسْليمًا يُسمِعُ اليَقْظانَ، ولا يُوقِظُ النَّائمَ، فكَشَفَ عنه، فلم يَرَ شَيئًا، فرَفَعَ رَأسَه إلى السماءِ فقال: اللُّهمَّ اسْقِ مَن سَقاني، وأطْعِمْ مَن أطْعَمَني، فاغْتَنَمتُ دَعوَتَه، وقُمتُ فأخَذتُ الشَّفْرةَ فدَنَوتُ مِن الأعْنُزِ، فجَعَلتُ أجُسُّهُنَّ أيُّهُنَّ أسْمَنُ لِأذْبَحَها، فوَقَعَتْ يدي على ضَرْعِ إحْداهُنَّ، فإذا هي حافِلٌ ، ونَظَرتُ إلى الأُخْرى، فإذا هي حافِلٌ ، ونَظَرتُ إلى كُلِّهنَّ، فإذا هُنَّ حُفَّلٌ، فحَلَبتُ في الإناءِ فأتَيتُه به، فقُلتُ: اشْرَبْ، فقال: الخَبَرَ يا مِقْدادُ، فقُلتُ: اشْرَبْ، ثُمَّ الخَبَرَ، فقال: بَعضُ سَوْآتِكَ يا مِقْدادُ! فشَرِبَ، ثُمَّ قال: اشْرَبْ، فقُلتُ: اشْرَبْ يا نَبيَّ اللهِ، فشَرِبَ حتى تَضَلَّعَ ، ثُمَّ أخَذتُه فشَرِبتُه، ثُمَّ أخبَرْتُه الخَبَرَ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: هِيهْ، فقُلتُ: كان كَذا وكَذا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: هذه بَرَكةٌ نَزَلَتْ مِن السماءِ، أفَلا أخْبَرْتَني حتى أسْقِيَ صاحِبَيكَ؟ فقُلتُ: إذا شَرِبتُ البَرَكةَ أنا وأنتَ، فلا أُبالي مَن أخْطَأتْ!
أخرجه أحمد (23822) واللفظ له، وأبو يعلى (1517)، والطبراني (20/242) (572)
أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا علَى أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فليْس أَحَدٌ منهمْ يَقْبَلُنَا، فأتَيْنَا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ بنَا إلى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: احْتَلِبُوا هذا اللَّبَنَ بيْنَنَا، قالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ للنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ نَصِيبَهُ، قالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لا يُوقِظُ نَائِمًا وَيُسْمِعُ اليَقْظَانَ، قالَ: ثُمَّ يَأْتي المَسْجِدَ فيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فأتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتي الأنْصَارَ فيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، ما به حَاجَةٌ إلى هذِه الجُرْعَةِ، فأتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ في بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أنَّهُ ليسَ إلَيْهَا سَبِيلٌ، قالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقالَ: وَيْحَكَ! ما صَنَعْتَ؟! أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فلا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ، فَتَهْلِكُ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ؟! وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا علَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وإذَا وَضَعْتُهَا علَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَاما وَلَمْ يَصْنَعَا ما صَنَعْتُ.
قالَ: فَجَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ كما كانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عنْه، فَلَمْ يَجِدْ فيه شيئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، فَقُلتُ: الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فأهْلِكُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَن أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَن أَسْقَانِي، قالَ: فَعَمَدْتُ إلى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إلى الأعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ؟ فأذْبَحُهَا لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَإِذَا هي حَافِلَةٌ، وإذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إلى إنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ما كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قالَ: فَحَلَبْتُ فيه حتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حتَّى أُلْقِيتُ إلى الأرْضِ، قالَ: فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: إحْدَى سَوْآتِكَ يا مِقْدَادُ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، كانَ مِن أَمْرِي كَذَا وَكَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما هذِه إلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، أَفلا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبيْنَا فيُصِيبَانِ منها، قالَ: فَقُلتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، ما أُبَالِي إذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا معكَ مَن أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.
الراوي : المقداد بن عمرو المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2055 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه ابن أبي شيبة (487)، وأبو داود الطيالسي (1256) واللفظ لهما، والترمذي (2719) مختصرا.
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأكُلُ مِن الطَّعامِ ما رَزَقه اللهُ به، ويَرْضى بالقليلِ، ويَتواضَعُ في أكلِه وهَيئتِه، تَضرُّعًا للهِ ورِضًا بما رَزَقَه به، ويَحمَدُه سُبحانه على نِعَمِه، وتَعليمًا لأُمَّتِه خُلقَي الرِّضا والقَناعةِ، وكان في أوَّلِ الهجرةِ إلى المدينةِ يَجمَعُ فُقراءَ المهاجِرِين في مَكانٍ في المسجدِ النَّبويِّ يُطعِمُهم ممَّا يُهْدى إليه ويَأكُلُ معهم.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي المِقدادُ بنُ عَمْرٍو رَضيَ اللهُ عنه أنَّه أقبلَ هو وصَاحبانِ له إلى أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد ضعفت أَسماعُهم وأَبصارُهم حتَّى قَاربَتِ الذَّهابِ مِنَ الجوعِ والمشقَّةِ، فَجعَلُوا يَعرِضُونَ أنفسَهم على أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيُطعِمُوهم؛ وذلك لِشدَّةِ ما كانوا عليه مِنَ الجوعِ والضَّعفِ، ولكنْ لم يُطعِمُهم أحدٌ، ولعلَّ ذلك؛ لأنَّهم ما وَجدُوا شيئًا يُطعِمونَهم إيَّاه، فَذَهبوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليُطعِمَهم، فصَحِبَهم وذَهبَ بهم إلى مَنازلِ أهْلِه، فإذا ثلاثةُ أَعْنُزٍ مَوجودةٌ، جمْعُ عَنزةٍ، وهي: الماعزُ، فأمَرَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَحلُبَوها ويَقسِموا ألْبانَها على أربعٍ، وفيهم نَصيبُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَكانوا يَحتلِبُونَ مِن تلك الماعزِ حاجتَهم، فَيَشربُ كلُّ إنسانٍ منهم نَصيبَه، ويُبْقون لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَصيبَه وقِسمتَه مِن هذا اللَّبنِ.
ويَحكي المِقْدادُ رَضيَ اللهُ عنه عادةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في لَيلتِه، وهو أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَجِيءُ في اللَّيلِ ويَدخُلُ عليهم، فيُلْقي عليهم السَّلامَ بِصوْتٍ مُعتدلٍ، لا يُوقِظُ به النَّائمَ حتَّى لا يَقطَعَ عليه نَوْمَه، ويُسمِعُ به اليقظانَ؛ ليَرُدَّ عليه السَّلامَ، ثُمَّ يَذهَبُ إلى المسجدِ، والمرادُ به: مَوضعُ مُصلَّاهُ، فَيُصلِّي مِن قِيامِ اللَّيلِ أو تَحيَّةِ المسجِدِ، ثُمَّ يأتِي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَرابَه مِنَ اللَّبنِ فيَشرَبُه.
ويُخبِرُ المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه ذاتَ مرَّةٍ أتاهُ الشَّيطانُ بعدَ أنْ شَرِبَ نَصيبَه مِن اللَّبنِ المَقسومِ، وحَفِظوا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَصيبَه، فوَسْوَسَ له بأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأتي الأنصارَ -وهُم أهلُ المدينةِ- ويَذهَبُ إلى بُيوتِهم بعْدَ العشاءِ، «فَيُتْحِفُونَه» أي: يُعطونَه الهديَّةَ، والمرادُ بها هنا الطَّعامُ، ويُصيبُ عندَهم، فيَشرَبُ ويَطعَمُ وليْس به حاجةٌ إلى هذه «الجَرعةِ»، أي: الشَّرْبةِ القليلةِ مِنَ اللَّبنِ، وعلى أثَرِ تلك الوَسْوسةِ، شَرِبَ المِقدادُ نَصيبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن اللَّبَنِ، فَلمَّا أنْ «وَغَلَتْ في بَطنِي»، أي: دخلَتْ فيه وتمكَّنَتْ منه، وعلِمْتُ أنَّه ليْس إليها سبيلٌ، أي: لا يُمكِنُ الرُّجوعُ فيما فَعَلْتُ واقتَرَفْتُ في حقِّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، نَدَّمَنِي الشَّيطانُ، أي: جَعلَنِي نادمًا على شُربِ تلك الجَرعةِ وليْس ذلك لِيَتوبَ، وإنَّما ليُوقِعَه في ذُنوبٍ أكبَرَ، فقال له الشَّيطانُ: «وَيحَكَ!» والوَيْحُ الزَّجْرُ لِمَنْ أشرفَ على الهلكةِ، «ما صنعْتَ؟» إنكارٌ وتَوبيخٌ، «أَشرِبْتَ شرابَ محمَّدٍ؟» ونَصيبَه مِن اللَّبَنِ «فَيَجيءُ فلا يَجِدُه فَيدعو عليكَ فَتَهلِكُ» أي: فتكونُ ممَّن خَسِر الدُّنيا والآخرةِ، وكان على المِقدادِ رَضيَ اللهُ عنه «شَملَةٌ» وهي كِساءٌ صغيرٌ يَلتحِفُ به، وكانت هذه الشَّملةُ إذا وَضَعها على قدَمِه ظهَرَت رأسُه ، وإذا وَضَعها على رأسِه ظَهَرت قَدمَاه، وهذا دَليلٌ على صغَرِها، قال المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه: «وجَعلَ لا يَجيئُني النَّومُ» أي: ذَهَب مِن عَينِه النَّومُ؛ وذلك لِما أصابَه مِن الغَمِّ والهمِّ على ما فَعَل، «وأمَّا صَاحِبايَ فَنامَا ولم يَصنَعَا ما صنعْتُ»؛ إذ لم يَشرَبَا نَصِيبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولم يَشترِكا معه في فِعلتِه.
قال المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه: «فجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَسلَّمَ كما كان يُسلِّمُ» بِصَوتٍ مُعتدلٍ، ثُمَّ أتى المسجدَ فصَلَّى ما قُدِّر له مِن صَلاةِ اللَّيلِ، ثُمَّ أتى شَرابَه فَكشَفَ، ورَفَعَ عنه الغِطاءَ؛ فلمْ يَجِدْ فيه شيئًا مِن اللَّبَنِ، فَرفعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رأسَه إلى السَّماءِ يَدْعو اللهَ، فقال المقدادُ رَضيَ اللهُ عنه في نفْسِه: «الآنَ يَدعو علَيَّ فَأهلِكُ» بدُعائِه، فَدعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقال في دُعائهِ: «اللَّهمَّ أَطعِمْ مَن أطعَمَنِي، واسْقِ مَن سَقانِي» فَلم يَسألْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَن نَصيبِه، ولم يُعرِّجْ على كلِّ ذلك، لكنَّه دعا اللهَ تَعالَى، ولَمَّا فَهِمَ المقدادُ رَضيَ اللهُ عنه منه الدُّعاءَ عَرَفَ أنَّ اللهَ يُجيبُه ولا يردُّ دعوَتَه لا سِيَّما عند شدَّةِ الحاجةِ والفاقةِ، فقامَ لِينظُرَ له شيئًا تكونُ به إجابةُ دعوتِهِ؛ يُريدُ أنْ يُطعِمَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو يَسقِيَه، فشَدَّ ورَبَط عليه شَمْلتَه، وأخَذَ «الشَّفرةَ» وهي السِّكِّينُ، وذَهبَ إلى الأعنُزِ الثَّلاثِ فنَظَر أَيُّها أَسمَنُ فَيَذبحَها لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليُطعِمَه، فَوجدَ الأعنُزَ «حُفَّلًا»، أي: مُمتلِئَةَ الضُّروعَ بِاللَّبنِ، وذلك ببَرَكةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتَوجَّهَ إلى إناءٍ لآلِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما كانوا يَطْمعونَ، ولا يَرْجون أنْ يَحتَلبُوا فيه لحَجْمِه وكِبَرِه مع قِلَّةِ اللَّبَنِ عندهم، قال المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه: «فَحلبْتُ فيه حتَّى علَتْهُ رَغوةٌ» وهو ما يَعلو اللَّبَنَ عند الصَّبِّ والحلْبِ، وجاء به إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسألَني: «أَشرَبْتُم شَرابَكمُ اللَّيلةَ؟» فقال المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه -وذلك بعْدَ أنْ جاوبَهَ بنَعَم-: «يا رسولَ اللهِ، اشرَبْ، فَشرِبَ ثُمَّ نَاولنِي»، وأعطاني الإناءَ، فقال المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه مرَّةً أُخرى: «يا رسولَ اللهِ اشربْ، فَشرِبَ ثُمَّ نَاولَني» وأعْطاني الفاضلَ «فَلمَّا عرفْتُ» وتَيقَّنْتُ «أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد رَوِيَ مِن عطَشِه، وأصبْتُ دَعوتَه، ضحِكتُ حتَّى أَلقيْتُ نَفْسي إلى الأرضِ مِن شِدَّةِ الفَرحِ بها» وسَببُ ضَحِكِه وسُرورِه وزَوالِ حُزنِه: أنَّه لَمَّا عَلِم أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ شَرِب حتَّى ارْتَوى، وكان قبْلَ ذلك دَعا لِمَن سَقاه بقولِه: «اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَن أطْعَمَني، وأسْقِ مَن أسْقاني»؛ تَبيَّن للمِقدادِ أنَّه صار مُعرَّضًا لدُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ له لا عليه، ففَرِح بذلك وضَحِكَ؛ لانقلابِ ما كان يَخافُه إلى ما يَسُرُّه، ولظُهورِ مُعجزةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ يَدَيه، ولَمَّا رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منه ذلك، فَهِم أنَّ هناك أمرًا ما عندَ المِقدادِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إحدى سَوآتِكَ يا مِقدادُ» أي: إنَّكَ يا مِقدادُ -لا مَحالةَ- فعَلْتَ فَعلةً سَيِّئةً، فما هي؟ فَأخبَرَ المقدادُ رَضيَ اللهُ عنه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما كان مِن أمْرِه وفِعلِه، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما هذه إلَّا رحمةٌ مِنَ اللهِ» أي: إحداثُ هذا اللَّبَنِ في غيرِ وَقتِه وخِلافَ عادتِه، مِن رَحمةِ اللهِ تَعالَى وبَرَكتِه؛ وذلك اعترافًا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِفضْلِ الله تَعالَى، وشكرًا لِنعمَتِه، وإقرارًا بِمنَّتِه، ثمَّ بَيَّن له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه كان عليه أنْ يُخبِرَه بما حَدَث قبْلَ أنْ يَنفَدَ اللَّبَنُ، حتَّى نُوقِظَ صَاحبَيْنَا فَيُصِيبا مِن ذلك اللَّبنِ، ويَشْرَبا مَعنا، فقال المقدادُ رَضيَ اللهُ عنه: «والَّذي بَعثكَ بِالحقِّ ما أُبالي» أي: ما أَهتمُّ إذا أَصبْتَها، فشَرِبْتَها أنتَ «وأَصبْتُها معكَ» فلا أُبالي «مَن أصابَها مِنَ النَّاسِ» ومَن لم يَشْرَبْها بعْدَ أنْ حصَلْتُ على دَعوتِكَ، فأطْعَمْتُك وسَقَيْتُكَ، والمعنى: أنَّ الفَرحةَ كلَّ الفرحةِ أنَّكَ شَرِبتْ منها يا رسولَ اللهِ، فلا يَسُرُّني مَن شَرِبَها، ولا يُحزِنُني مَن لم يَشْرَبْها.
وفي الحديثِ: دليل من دَلائل نبوته صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفيه: أنَّ مِن هدْيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السَّلامَ عند الدُّخولِ على الغيرِ.
وفيه: كرَمُ أخلاقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ونَزاهةُ نفْسِه.
وفيه: فضْلُ الْمِقدادِ بنِ عَمْرٍو رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: بَيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنه في أوَّلِ الأمرِ مِن الفقرِ، وضِيقِ العَيشِ.
وفيه: مُراعاةُ حالِ النَّائمِ.
وفيه: بَيانُ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الحِلمِ، والأخلاقِ العَلِيَّةِ، والمحاسِنِ المَرضيَّةِ، وكَرَمِ النَّفْسِ، والصَّبرِ.
[مسند أحمد] (39/ 244) 23822- حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن الأسود ، قال: قدمت المدينة أنا وصاحب لي، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له، فذهب بنا إلى منزله، وعنده أربع أعنز فقال: (( احتلبهن يا مقداد وجزئهن أربعة أجزاء، وأعط كل إنسان جزأه))، فكنت أفعل ذلك، فرفعت للنبي صلى الله عليه وسلم جزأه ذات ليلة، فاحتبس، واضطجعت على فراشي، فقالت لي نفسي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الأنصار، فلو قمت فشربت هذه الشربة، فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزأه، فلما دخل في بطني وتقار، أخذني ما قدم وما حدث، فقلت: يجيء الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآنا ولا يرى في القدح شيئا، فسجيت ثوبا على وجهي، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليما يسمع اليقظان، ولا يوقظ النائم، فكشف عنه، فلم ير شيئا فرفع رأسه إلى السماء فقال: (( اللهم اسق من سقاني، وأطعم من أطعمني)) فاغتنمت دعوته، وقمت فأخذت الشفرة فدنوت من الأعنز، فجعلت أجسهن أيهن أسمن لأذبحها، فوقعت يدي على ضرع إحداهن، فإذا هي حافل، ونظرت إلى الأخرى، فإذا هي حافل، ونظرت إلى كلهن، فإذا هن حفل، فحلبت في الإناء فأتيته به، فقلت: اشرب، فقال: (( الخبر يا مقداد)) فقلت: اشرب، ثم الخبر فقال: (( بعض سوآتك يا مقداد)) فشرب، ثم قال: اشرب، فقلت: اشرب يا نبي الله، فشرب حتى تضلع، ثم أخذته فشربته، ثم أخبرته الخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هيه، فقلت: كان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( هذه بركة نزلت من السماء، أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك)) فقلت: إذا شربت البركة أنا وأنت، فلا أبالي من أخطأت
مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 86) 1517- حدثنا هدبة، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن عمرو الكندي ، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من أصحابي، فطلبنا هل يضيفنا أحد؟ فلم يضفنا أحد، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع وجهد، وإنا تعرضنا هل يضيفنا أحد؟ فلم يضفنا أحد، فدفع إلينا أربعة أعنز فقال: (( يا مقداد، خذ هذه فاحتلبها فجزئها أربعة أجزاء: جزءا لي، وجزءا لك، وجزءا لصاحبيك)) فكنت أفعل ذلك، فلما كان ذات ليلة شربت جزئي، وشرب صاحباي جزئيهما، وجعلت جزء النبي صلى الله عليه وسلم في القعب، وأطبقت عليه، فاحتبس النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لي نفسي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه أهل بيت من المدينة، فتعشى معهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى هذا اللبن، فلم تزل نفسي تديرني حتى قمت إلى القعب، فشربت ما فيه، فلما تقار في بطني أخذني ما قدم، وما حدث، فقالت لي نفسي: يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جائع ظمآن، فيرفع القعب، فلا يجد فيه شيئا فيدعو عليك، فتسجيت كأني نائم، وما كان بي نوم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم تسليمة أسمع اليقظان، ولم يوقظ النائم، فلما لم ير في القعب شيئا رفع رأسه إلى السماء، فقال: ((اللهم أطعم من أطعمنا واسق من سقانا)) قال: فاغتنمت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت الشفرة وأنا أريد أن أذبح بعض تلك الأعنز فأطعمه، فضربت بيدي فوقعت على ضرعها، فإذا هي حافل، ثم نظرت إليهن جميعا، فإذا هن حفل فحلبت في القعب حتى امتلأ، ثم أتيته وأنا أبتسم، فقال: ((هيه بعض سوآتك يا مقداد)) فقلت: يا رسول الله، اشرب، ثم أخبر فشرب، ثم شربت ما بقي ثم أخبرته فقال: ((يا مقداد، هذه بركة كان ينبغي لك أن تعلمني حتى نوقظ صاحبينا فنسقيهما من هذه البركة)) قال: قلت: يا رسول الله، إذا شربت أنت البركة وأنا فما أبالي من أخطأت
[المعجم الكبير – للطبراني] ـ إحياء التراث (20/ 242) 572- حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن المنهال (ح) وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، وجعفر بن محمد الفريابي، قالا: حدثنا هدبة بن خالد، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن عمرو ، قال: قدمت المدينة أنا وصاحبان لي، فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع شديد فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز، فقال: يا مقداد، احلبهن وجزأ النبي صلى الله عليه وسلم لكل إنسان منا جزءا، فكنت أفعل ذلك، فرفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جزأه فأبطأ علينا فاضطجعت على فراشي، فقالت لي نفسي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى أهل بيت من الأنصار فأكل عندهم وشرب، ولو أنك شربت هذه الشربة؟ فلم تزل نفسي حتى شربتها، فلما تقار في بطني أخذني ما قدم وما حدث، قالت لي نفسي: يجيء الآن ظمآن، فلا يجد شيئا، فاضطجعت وسجيت الثوب علي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم تسليما يسمع اليقظان، ولا يوقظ النائم، ثم أتى الإناء فكشف عنه فلم ير شيئا، فقال: اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني فاغتنمت دعوته فنهضت فأخذت الشفرة فدنوت من الغنم فنظرت أيهن أسمن لأذبحها، فدنوت من واحدة فجسستها فنظرت فإذا هي حافل، ونظرت إلى أخرى، فإذا هي حافل، فنظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل، فنظرت كلهن فإذا هن حفل، فأخذت الإناء فحلبت فيه فقلت: اشرب، فقال: الخبر يا مقداد، فقلت: اشرب ثم الخبر، فقال: بعض سواءتك يا مقداد فشرب ثم قال: اشرب، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى تضلع، ثم أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فشربت، ثم أخبرته الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه بركة نزلت من السماء، أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك؟ فقلت: إذا أصبت أنا وأنت ما أبالي من أخطأت.