أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَأخُذُ الوَبَرةَ مِن جَنْبِ البَعيرِ مِن المَغنمِ فيَقولُ: ما لي فيه إلَّا مِثلُ ما لأحدِكم منه، إيَّاكم والغُلولَ؛ فإنَّ الغُلولَ خِزيٌ على صاحبِه يومَ القِيامةِ، أدُّوا الخَيطَ والمَخيطَ، وما فوقَ ذلك، وجاهِدوا في سَبيلِ اللهِ القَريبَ والبَعيدَ في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ فإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجنَّةِ، إنَّه ليُنجِّي اللهُ به مِن الهَمِّ والغَمِّ، وأقيموا حُدودَ اللهِ في القَريبِ والبَعيدِ، ولا تَأخُذْكم في اللهِ لَومةُ لائمِ.

الدلالات الموضوعية:# حدود - الحث على إقامة الحدود# جهاد - فضل الجهاد# جهاد - الغلول من الغنيمة# جهاد - أبواب الجنة تحت ظلال السيوف# غنائم - الغلول وما جاء فيه من العقوبة والوعيد
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: عبادة بن الصامت
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه ابن ماجه (2850) مختصراً، وأحمد (22795) واللفظ له

الشرح والتوضيح

يا عُبادةُ، كَلِماتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوةِ كذا، في شَأنِ الأخماسِ؟ فقال عُبادةُ -قال إسحاقُ في حديثِه-: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى بهم في غَزوِهم إلى بَعيرٍ مِن المَقسَمِ، فلمَّا سَلَّمَ قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتَناوَلَ وَبَرةً بيْنَ أَنمُلَتَيه، فقال: إنَّ هذه مِن غَنائمِكم، وإنَّه ليس لي فيها إلَّا نَصيبي معكم إلَّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَردودٌ عليكم، فأدُّوا الخَيطَ والمَخيطَ، وأكبرَ مِن ذلك وأصغرَ، ولا تَغُلُّوا؛ فإنَّ الغُلولَ نارٌ وعارٌ على أصحابِه في الدُّنْيا والآخرةِ، وجاهِدوا النَّاسَ في اللهِ؛ القَريبَ والبَعيدَ، ولا تُبالوا في اللهِ لَومةَ لائمٍ، وأقيموا حُدودَ اللهِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وجاهِدوا في سَبيلِ اللهِ؛ فإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجنَّةِ عَظيمٌ، يُنجِّي اللهُ به مِن الهَمِّ والغَمِ.

الراوي : عبادة بن الصامت المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 22699 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه النسائي (4138)، وابن ماجه (2850) مختصراً، وأحمد (22699) واللفظ له حَذَّر النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِنَ الخِيانةِ والسَّرِقةِ عُمومًا، وخَصَّ بالتَّحذيرِ الخِيانةَ في مَغانِمِ الحروبِ؛ لأنَّ فيها حُقوقًا للمقاتِلينَ، وأَنْصِبةً للهِ ورَسولِه، وأُخْرى للفُقَراءِ والمَساكينِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ المِقْدامُ بنُ مَعْدي كرِبَ الكِنْديُّ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه جلَسَ معَ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ وأبي الدَّرْداءِ رضِيَ اللهُ عنهما، والحارثِ بنِ مُعاويةَ الكِنْديِّ، فتَذاكَروا حَديثًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فطلَبَ أبو الدَّرْداءِ مِن عُبادةَ رضِيَ اللهُ عنه أنْ يُحدِّثَهم بحَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّذي كان في غَزْوةٍ مِن غَزَواتِه، يَتكلَّمُ فيه عنِ الأخماسِ؛ والمرادُ بها: القِسْمةُ الَّتي تكونُ في الغَنيمةِ الَّتي يَتحصَّلُ عليها جَيشُ المُسلِمينَ في غَزْوِهم للكُفَّارِ، ويُخرَجُ مِن تلكَ الغَنيمةِ الخُمُسُ، ويُرَدُّ الباقي على الجَيشِ، وتُقسَّمُ عليهم؛ للفارسِ سهْمٌ، وللفرَسِ سَهْمانِ.

فأخبَرَهم عُبادةُ رضِيَ اللهُ عنه بالحَديثِ؛ وفيه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «صلَّى بهم في غَزْوِهم إلى بَعيرٍ مِنَ المَقْسَمِ»؛ أي: مِنَ الغَنيمةِ، فاتَّخذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البَعيرَ (الجَمَلَ) سُتْرةً له في صَلاتِه بيْنَه وبيْنَ القِبْلةِ، وكانتْ صَلاتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في رُجوعِهم مِن غَزْوِهم، فلمَّا قَضَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلاتَه، «فتَناوَلَ وَبَرةً بيْنَ أَنْمُلَتَيْه»؛ أي: أخَذَ شَعَرةً مِن صُوفِ الإبِلِ وشَعَرِه، وأمسَكَها بأَنامِلِإصبَعَيْه، فقال: «إنَّ هذه مِن غَنائمِكُم»؛ والإشارةُ إلى تلكَ الوَبَرةِ؛ للتَّقليلِ والتَّشديدِ في شأْنِ مالِ الغَنيمةِ؛ مَهْما بلَغَ مِن صِغَرِه، أو دَناءةِ قِيمتِه، وأنَّ هذا القَدْرَ القليلَ مِن شَعَرِ الإبلِ يُعتَبرُ مِنَ الغنائمَ الَّتي يَنبَغي أنْ تُؤدَّى، ولا يَتهاوَنَ بها أحَدٌ في أخْذِها قبْلَ القِسْمةِ.

ويُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه ليْسَ له الحقُّ فيما يَتصرَّفُ في هذا الجُزءِ مِنَ الغَنيمةِ قبْلَ قِسْمتِها حتَّى يُستخرَجَ منها الخُمُسُ، الذي هو حَقُّ اللهِ ورَسولِه، «والخُمُسُ مَرْدودٌ عليكم»؛ أي: يَأخُذُ منه نفَقتَه وحاجتَه، والباقي يَصرِفُه في مَصالِحِ المُسلِمينَ ومَصالِحِ الدِّينِ؛ مِنَ السِّلاحِ، والخَيلِ، والعُدَّةِ، كما في قَولِه تَعالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] .

ثُمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فأَدُّوا الخَيْطَ»؛ أي: اجْمَعوا مِثلَ هذا القَدْرِ، ورُدُّوه في الغَنيمةِ، ولا يَغُرَّنَّكم قِلَّةُ قَدْرِها.

«والمِخْيَطَ»: الإبرةَ والآلةَ الَّتي تُستعمَلُ في الخِياطةِ.

«وأكبَرَ مِن ذلكَ وأصغَرَ» وهذا كِنايةٌ عَن أنَّ قَليلَ ما يُغنَمُ وكَثيرَه مَقسومٌ بيْنَ مَن شَهِدَ الوَقْعةَ، ولِمَن حدَّدَهم اللهُ، ليسَ لأحَدٍ أنْ يَستبِدَّ مِنه بشَيءٍ وإنْ قَلَّ، ثُمَّ نَهَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ الغُلولِ، وهو ما سُرِقَ وأُخِذَ مِنَ الغَنيمةَ قبْلَ أنْ تُقسَمَ.

«نارٌ وعارٌ على أَصْحابِهِ في الدُّنْيا والآخِرةِ»؛ والمعْنى: أنَّ الخِيانةَ والغُلولَ عَيبٌ في الدُّنيا، وفَضيحةٌ وتَشويهٌ على رُؤوسِ الأشْهادِ في العُقْبى يَومَ القِيامةِ، وجَزاؤُه العذابُ في النَّارِ.

ثُمَّ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالجِهادِ والغَزْوِ لرفْعِ كَلِمةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، ونشْرِ دَعْوةِ الإسلام ِ في القَريبِ والبَعيدِ.

ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ بهما: القُرْبُ والبُعْدُ في النَّسَبِ، أو القوَّةِ والضَّعفِ.

وأمَرَهم ألَّا يَخافوا في ذاتِ اللهِ أحدًا، ولا يَصُدَّهم ويَمنَعْهم أحَدٌ عن العمَلِ بما أمَرَ اللهُ به مِن قِتالِ عَدُوِّهم، أو أنْ يكونَ عندَهُمُ اعتبارٌ لِلَومِ أحَدٍ.

وقدْ كرَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الأمْرَ بالجهادِ في نِهايةِ الحَديثِ؛ تَأكيدًا على فضْلِه، وأهَمِّيَّتِه للإسلامِ والمُسلِمينَ، وهو طَريقٌ مُوصِلٌ للجَنَّةِ لِمَن بلَغَتْه الشَّهادةُ، أوِ اشتَغلَ به خالِصًا لِوَجْهِ اللهِ.

«يُذهِبُ اللهُ بِهِ الهَمَّ والغَمَّ»؛ أي: يُزيلُ اللهُ به الحُزنَ والكَمَدَ عمَّن جاهَدَ في سَبيلِه لإعلاءِ كَلمتِه وعن صُدورِ المُؤمِنينَ؛ لأنَّ إعلاءَ كَلِمةِ اللهِ تُزيلُ عنِ القَلْبِ هُمومَه، وغُمومَه، وأحزانَه؛ فالجهادُ مِن أَدْويةِ الغَمِّ والهَمِّ، وإنَّ الشَّقِيَّ حقًّا مَن ترَكَ الجِهادَ بأنْواعِه كلِّها معَ قُدرتِه عليها، ومالَ إلى الدُّنْيا، فتُصِيبُه بآلامِها وأحْزانِها، ويَشقَى بها.

ثُمَّ أمَرَالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإقامةِ الحُدودِ في الحضَرِ والسَّفَرِ.

والحدُّ هو العُقوبةُ الَّتي حدَّدَها الشَّرعُ على فِعلِ مَعصيةٍ مُعيَّنةٍ؛ مِثلُ حدِّ القتْلِ، وحدِّ الزِّنا، وحدِّ السَّرِقةِ؛ والمعنى: أَقيموا حُدودَ اللهِ في كلِّ النَّاسِ دونَ تَمييزٍ بيْنَ غَنِيٍّ وفَقيرٍ، وقَوِيٍّ وضَعيفٍ؛ فلا يُعطَّلُ تَنفيذُ حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ أيًّا كان مُرتكِبُه، وأيًّا كان مَوضِعُه، في حضَرٍ كان، أو سفَرٍ؛ وذلك لأنَّ في إقامتِها زَجْرًا للخلْقِ عنِ المعاصي والذُّنوبِ، وعمَّا يَتضرَّرُ به العِبادُ، وصِيانةً لدارِ الإسلامِ عنِ الفَسادِ، وسَببًا لفتْحِ أبْوابِ السَّماءِ، وإرخاءِ خَيرِها؛ ولأنَّ في التَّهاوُنِ بها انْهِماكَ النَّاسِ في المعاصي.وقدِ احتَجَّ بحَديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رضِيَ اللهُ عنه أغلَبُ أهْلِ العِلمِعلى إقامةِ الحدِّ في السَّفَرِ والحضَرِ.

وفي الحَديثِ: التَّحذيرُ مِنَ الغُلولِ، وبَيانُ أثَرِه على صاحِبِه في الدُّنْيا والآخِرةِ.

وفيه: الأمْرُ بالجهادِ في سَبيلِ اللهِ تعالَى، وبَيانٌ لفضْلِه الكبيرِ.

وفيه: بَيانُ أنَّ الإسلامَ دِينُ العدلِ، والقِسطِ، وعَدمِ المُحاباةِ لأحَدٍ على حِسابِ أحَدٍ.

وفيه: الأمْرُ بإقامةِ حُدودِ اللهِ عزَّ وجَلَّ في الأرْضِ.

الأصول والأحكام

[سنن ابن ماجه] (2/ 950 ) 2850- حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي سنان عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، عن عبادة بن الصامت ، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، إلى جنب بعير من المقاسم، ثم تناول شيئا من البعير، فأخذ منه قردة، يعني وبرة، فجعل بين إصبعيه، ثم قال: ((يا أيها الناس إن هذا من غنائمكم، أدوا الخيط، والمخيط، فما فوق ذلك، وما دون ذلك، فإن الغلول عار، على أهله يوم القيامة، وشنار ونار))

[مسند أحمد] (37/ 455) 22795- حدثنا عبد الله، حدثني عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج وكان ثقة، حدثنا عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم فيقول: (( ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم منه، إياكم والغلول؛ فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط، وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد في الحضر والسفر؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم))

أحاديث ذات صلة