غَزَوْنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ هَوازِنَ، فبَينَما نحن كذلك إذْ جاءَ رَجُلٌ على جَمَلٍ أحمَرَ، فانتَزَعَ شَيئًا مِن حَقَبِ البَعيرِ، فقَيَّدَ به البَعيرَ، ثم جاءَ يَمشي حتى قعَدَ معنا يتَغَدَّى، قال: فنظَرَ في القَومِ، فإذا ظَهرُهم فيه قِلَّةٌ، وأكثَرُهم مُشاةٌ، فلمَّا نظَرَ إلى القَومِ خرَجَ يَعْدو، قال: فأتى بَعيرَهُ، فقعَدَ عليه، قال: فخرَجَ يَركُضُهُ وهو طَليعةٌ لِلكُفَّارِ، فاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَّا مِن أسلَمَ على ناقةٍ له ورْقاءَ، قال إياسٌ: قال أبي: فاتَّبَعتُهُ أعدو على رِجلَيَّ، قال: ورَأسُ النَّاقةِ عِندَ ورِكِ الجَمَلِ، قال: ولَحِقتُهُ، فكنتُ عِندَ ورِكِ النَّاقةِ، وتقَدَّمتُ حتى كنتُ عِندَ ورِكِ الجَمَلِ، ثم تقَدَّمتُ حتى أخَذتُ بِخِطامِ الجَمَلِ، فقُلتُ له: أَخْ.
فلمَّا وضَعَ رُكبَتَهُ الجَمَلُ إلى الأرضِ، اختَرَطتُ سَيفي فضَرَبتُ رَأسَهُ، فنَدَرَ، ثم جِئتُ بِراحِلَتِهِ أقودُها، فاستَقبَلَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ مع النَّاسِ، قال: مَن قتَلَ هذا الرَّجُلَ؟ قالوا: ابنُ الأكْوَعِ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: له سَلَبُهُ أجمَعُ.
أخرجه البخاري (3051) مختصراً بنحوه، ومسلم (1754) باختلاف يسير
غَزَوْنَا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ هَوَازِنَ، فَبيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذْ جَاءَ رَجُلٌ علَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فأنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِن حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ به الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مع القَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ في الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فأتَى جَمَلَهُ، فأطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ، وَقَعَدَ عليه، فأثَارَهُ فَاشْتَدَّ به الجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ علَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ.
قالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حتَّى أَخَذْتُ بخِطَامِ الجَمَلِ فأنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ في الأرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بالجَمَلِ أَقُودُهُ عليه رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَالنَّاسُ معهُ، فَقالَ: مَن قَتَلَ الرَّجُلَ؟ قالوا: ابنُ الأكْوَعِ، قالَ: له سَلَبُهُ أَجْمَعُ.
الراوي : سلمة بن الأكوع المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1754 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3051) مختصرا بنحوه و أبو داود (2654) وأحمد (16523) باختلاف يسير كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم يَرْوُون مِن مَواقفِهم مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَحرِصون في ذلك على إبرازِ ما تَرتَّبَ على تلك المواقفِ مِن أحكامٍ وتَشريعاتٍ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم غَزُوا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «هَوَازِنَ»، وهي قَبِيلةٌ مِن قَبائلِ العَرَبِ كانتْ تَسكُنُ الطائِفَ وما حولَها، وكانت حربُهم في غزوةِ حُنَيْنٍ في السَّنةِ الثَّامنةِ مِن الهجرةِ.
قال سَلَمةُ رَضيَ اللهُ عنه: «فبَيْنَا نحن نَتضَحَّى»، أي: نستريحُ ساعةَ الضُّحَى ونأكُل مَعَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذ جاء رجلٌ على جَمَلٍ أَحْمَرَ، «فأنَاخَه»، أي: أَنَامَ جملَه وأرقَدَه، «ثُمَّ انتَزَع طَلَقًا مِن حَقَبِه فقيَّد به الجَمَلَ» أي: انتَزَع حبلًا مِن على بطنِ البعيرِ ثُمَّ قيَّده به.
«ثُمَّ تقدَّم يتغدَّى» أي: يَأكُلُ مع القومِ، «وجَعَل يَنظُر»، وكأنَّه يَستطلِعُ أمورَ المسلمين المحارِبِين، وظاهرُه أنَّه دخَلَ في جَيشِ المسْلِمين كأنَّه واحدٌ منهم يَتجسَّسُ عليهم ويَعرِفُ أُمورَهم وعَتادَهم، وفي رِوايةِ البُخاريِّ: «أتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَينٌ مِن المشْرِكين»، وكان في جَيشِ المسْلِمين بعضُ الضُّعفاءِ «ورِقَّةٌ في الظَّهْرِ»، وهذا كنايةٌ عن أنَّ الدَّوابَّ قَليلةٌ وضَعيفةٌ، وكان بعضُهم يَمْشي ليْس له دابَّةٌ يَركَبُها، فانصَرَفَ الرَّجلُ المشْرِكُ «يَشتدُّ»، أي: يُسرِعُ في مَشيِه، «فأتَى جَمَلَه فأَطْلَق قَيْدَه، ثُمَّ أَنَاخَ وقَعَد عليه، فأثارَه» والإثارةُ: إقامةُ الجَملِ مِن مَكانِه، «فاشتدَّ به الجملُ» أي: أسرَعَ لِيَهرَبَ مِن مُعسكَرِ المسْلِمين، فاتَّبعَه رجلٌ على ناقةٍ وَرْقَاءَ، والوَرْقاءُ: هي النَّاقَةُ البيضاءُ.
قال سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعُ -وكان رَضيَ اللهُ عنه مِن أسرَعِ النَّاسِ عَدْوًا وجَرْيًا-: «وخرجتُ أشتدُّ، فكنتُ عندَ وَرِكِ النَّاقةِ» يُريدُ: أنَّه مِن سُرعتِه رَضيَ اللهُ عنه دونَ أنْ يَركَبَ شيئًا لَحِقَ بالنَّاقةِ الَّتي عليها الرَّجلُ الَّذي يَلحَقُ بالمشْرِكِ، «ثُمَّ تقدَّمتُ حتَّى كنتُ عندَ وَرِكِ الجَمَلِ» أي: إنَّه سَبَق تلك النَّاقةَ حتَّى لَحِقَ بالمشْركِ وهو على جَملِه، «ثُمَّ تَقدَّمتُ حتَّى أخذتُ بِخِطَامِ الجَملِ فأَنَخْتُه»، والخِطامُ: هو الحَبْلُ الَّذِي يكونُ في أَنْفِ الجَملِ لِيُشَدَّ مِنه ويُقادَ به، «فلمَّا وضَع» الجَملُ «رُكبَتَه في الأرضِ اخْتَرَطْتُ سَيفِي»، أي: سَحَبْتُ سَيفي مِن غِمْدِه وأَمْسَكتُ به، «فضَرَبتُ رأسَ الرَّجُلِ فنَدَر»، أي: فطَار رأسُ الرَّجُلِ وانفصَل عن جَسدِه، ثُمَّ جئتُ بالجَمَلِ أَقُودُه، عليه رَحْلُه وسِلاحُه، فاسْتقبَلنِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسُ معَه، فسَأل صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن قَتَل الرجُلَ؟ قال: ابنُ الأَكْوَعِ، قال: له سَلَبُه أَجْمَعُ»، والسَّلَبُ: مَتاعُ المحارِبِ وما يكونُ معه مِن سِلاحٍ وعُدَّةٍ.
وفي الحديثِ: أخْذُ المُجاهِدِ مَتاعَ مَن يَقتُله مِن الكُفَّار بعدَ إذنِ القائدِ.
وفيه: قَتلُ الجاسوسِ في الحربِ.
وفيه: بيانُ فَضلِ سَلَمةَ بنِ الأكْوعِ رَضيَ اللهُ عنه وسُرعتِه وقُوَّتِه.