إنَّ هذا المالَ حُلْوٌ خَضِرٌ، فمَن أَخَذَه بحَقِّه، بارَكَ اللهُ عزَّ وجلَّ له فيه، ومَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإيَّاكم والمَدحَ؛ فإنَّه الذَّبحُ.
أخرجه ابن ماجه (221، 3743) مفرقاً مختصراً باختلاف يسير، وقوله: "من يرد الله به خيرا، يفقهه في الدين" أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037)
عن مُعاويةَ، أنَّه كان لا يَكادُ يُحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَيءٍ، وكان لا يَكادُ يَدَعُ هؤلاءِ الكَلِماتِ يومَ الجمُعةِ، يُحدِّثُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: مَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنَّ هذا المالَ حُلوةٌ خَضِرةٌ، فمَن أخَذَها بحَقِّها، بارَكَ اللهُ له فيها، وإيَّاكم والتَّمادُحَ؛ فإنَّه الذَّبحُ.
الراوي : معاوية بن أبي سفيان المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج مشكل الآثار الصفحة أو الرقم: 1687 خلاصة حكم المحدث : رجاله ثقات التخريج : أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (1687) واللفظ له، وأحمد (16846)، والطيالسي (1047) باختلاف يسير.
المالُ مِن فِتَنِ الحَياةِ الدُّنيا، ويَنبَغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نَفْسَه بمَعرِفةِ ما فيه مِن خَيرٍ وشَرٍّ؛ فيَحتَرِزَ مِنَ الوُقوعِ في شَرِّه، ويَعرِفَ حَقَّ اللهِ في المالِ فيُؤدِّيَه.وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التابِعيُّ مَعبَدٌ الجُهَنيُّ عن مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كان قَليلَ الرِّوايةِ، ولا يَكادُ يُحَدِّثُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَيءٍ مِن كَلامِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَعَلَّ هذا مِن بابِ التَّوَرُّعِ الذي كان يَتَّبِعُه أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما عِندَ ابنِ ماجَهْ؛ حيث قال زَيدُ بنُ أرقَمَ رَضِيَ اللهُ عنه: "كَبِرْنا ونَسينا، والحَديثُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَديدٌ".
وكان مُعاويةُ رَضِيَ اللهُ عنه لا يَكادُ يَترُكُ الوَعظَ بهذا الحَديثِ في كُلِّ خُطبةِ جُمُعةٍ بقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "مَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ"، فيُرشِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويُؤَكِّدُ أنَّ أفضَلَ العُلومِ وأنفَعَها التَّفَقُّهُ في دِينِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ مَن أرادَ اللهُ به خَيرًا عَظيمًا ونَفعًا كَثيرًا، مَنَحَه العِلْمَ الشَّرعيَّ، فيُبَصِّرُه ويُعَرِّفُه بأُمورِ دِينِه؛ حتى يَكونَ عارِفًا بالحَقِّ، عامِلًا به، داعيًا إليه على بَصيرةٍ وهُدًى.وخَيريَّةُ العِلْمِ الشَّرعيِّ لا يُدَانِيها خَيريَّةٌ في هذا الوُجودِ؛ في فَضلِه وشَرَفِه، وعُلُوِّ دَرَجَتِه؛ لِأنَّه مِيراثُ الأنبياءِ الذي لم يُوَرِّثوا غَيرَه.ثم أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ المالَ -أوِ الدُّنيا، كما في رِوايةِ مُسلِمٍ مِن حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه- يُشبِهُ الفاكِهةَ الخَضِرةَ في المَنظَرِ، الحُلْوةَ في المَذاقِ؛ ولذلك تَرغَبُ فيه النُّفوسُ، وتَمِيلُ إليه، وتَحرِصُ عليه، وقيلَ: في تَشبيهِه بالخَضِرةِ إشارةٌ إلى سُرعةِ زَوالِه كزَوالِ اخضِرارِ الأرضِ، "فمَن أخَذَها بحَقِّها، بارَكَ اللهُ له فيها"، أيْ: مَن أخَذَ المالَ أو مَتاعَ الدُّنيا بغَيرِ إلحاحٍ في السُّؤالِ، ولا طَمَعٍ، ولا حِرصٍ، ولا إكراهٍ أو إحراجٍ لِلمُعطي؛ كان ذلك سَبَبًا في كَثرَتِه ونَمائِه، وكانَ رِزقًا حَلالًا يَشعُرُ الآخِذُ بلَذَّتِه.ثم حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ التَّمادُحِ، وهو تَبادُلُ المَدحِ الزَّائِدِ بيْن اثنَيْنِ، والتَّحذيرُ مِن هذا المَدحِ المُفرِطِ؛ لِأنَّه يَصنَعُ العُجْبَ والكِبْرَ في شَخصِ المَمدوحِ، فيَرى نَفْسَه أهلًا لِلمَدحِ، سيَّما إذا كان مِن أبناءِ الدُّنيا، ومِنَ الحَريصينَ عليها، ولذلك قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فإنَّه الذَّبحُ"؛ لِأنَّ المَذبوحَ هو الذي يَفتُرُ عنِ العَمَلِ، والمَدحُ يُوجِبُ الفُتورَ، أو لِأنَّ المَدحَ يُوجِبُ العُجْبَ والكِبْرَ، وهو مُهلِكٌ كالذَّبحِ، فالمَدحُ مَذمومٌ، سيَّما إنْ كان فيه مُبالَغةٌ، وبصِفاتٍ ليست في المَمدوحِ، وقد وَرَدَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدحُ المُباحُ؛ ففي الصَّحيحَيْنِ مِن حَديثِ أبي بَكْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: "إذا كان أحَدُكم مادِحًا صاحِبَه لا مَحالةَ، فليَقُلْ: أحسَبُ فُلانًا، واللهُ حَسيبُه، ولا أُزَكِّي على اللهِ أحَدًا، أحسَبُه -إنْ كانَ يَعلَمُ ذاك- كَذا وكَذا".وأمَّا ما مُدِحَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقد أرشَدَ مادحِيهِ إلى ما يَجوزُ مِن ذلك؛ ففي الصَّحيحِ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لا تُطروني، كما أطْرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عَبدُ اللهِ ورَسولُه".وكذلك شُكرُ المُحسِنِ مِن غَيرِ إطراءٍ ولا مُبالَغةٍ؛ فالإنسانُ مَأمورٌ به.وفي الحَديثِ: أنَّ العِلْمَ الشَّرعيَّ أشرَفُ العُلومِ على الإطلاقِ؛ لِعَلاقَتِه باللهِ تَعالى.وفيه: أنَّ الفِقهَ في الدِّينِ مِن عَلاماتِ خَيريَّةِ المُسلِمِ.
وفيه: أنَّ جَمْعَ الإنسانِ المالَ، أو ما يَحتاجُ إليه مِن أغراضِ الدُّنيا بالطُّرُقِ الحَلالِ؛ ليس مُستَهجَنًا إذا اتَّصَفَ في ذلك بحُسْنِ الطَّلَبِ.
[سنن ابن ماجه] (1/ 80 ) 221- حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، أنه حدثه، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان ، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)).
[سنن ابن ماجه] (2/ 1232 ) 3743- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن معبد الجهني، عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إياكم والتمادح فإنه الذبح)).
[صحيح البخاري] (1/ 25) 71- حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)).
[صحيح مسلم] (2/ 718 ) ((98- (1037) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
حدثنا زيد بن الحباب.
أخبرني معاوية بن صالح.
حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن عامر اليحصبي.
قال: سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث.
إلا حديثا كان في عهد عمر.
فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول
((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)).
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس، فيبارك له فيه.
ومن أعطيته عن مسألة وشره، كان كالذي يأكل ولا يشبع)).