إنَّا لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ.

الدلالات الموضوعية:# أنبياء - خصائص وفضائل# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - خصائصه صلى الله عليه وسلم# فرائض ومواريث - لا نورث ما تركنا صدقة
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح على شرط الشيخين

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (3094)، ومسلم (1757)، وأبو داود (2963)، والترمذي (1610)، والنسائي (4148) مطولاً، وأحمد (336) واللفظ له

الشرح والتوضيح

عن عائشة أنَّ فاطِمَةَ عليها السَّلامُ بنْتَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أرْسَلَتْ إلى أبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيراثَها مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ممَّا أفاءَ اللَّهُ عليه بالمَدِينَةِ، وفَدَكٍ، وما بَقِيَ مِن خُمُسِ خَيْبَرَ، فقالَ أبو بَكْرٍ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ، إنَّما يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في هذا المالِ، وإنِّي واللَّهِ لا أُغَيِّرُ شيئًا مِن صَدَقَةِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن حالِها الَّتي كانَ عليها في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَأَعْمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

فأبَى أبو بَكْرٍ أنْ يَدْفَعَ إلى فاطِمَةَ مِنْها شيئًا، فَوَجَدَتْ فاطِمَةُ علَى أبِي بَكْرٍ في ذلكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حتَّى تُوُفِّيَتْ، وعاشَتْ بَعْدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَها زَوْجُها عَلِيٌّ لَيْلًا، ولَمْ يُؤْذِنْ بها أبا بَكْرٍ وصَلَّى عليها، وكانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَياةَ فاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فالْتَمَسَ مُصالَحَةَ أبِي بَكْرٍ ومُبايَعَتَهُ، ولَمْ يَكُنْ يُبايِعُ تِلكَ الأشْهُرَ، فأرْسَلَ إلى أبِي بَكْرٍ: أنِ ائْتِنا، ولا يَأْتِنا أحَدٌ معكَ؛ كَراهيةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فقالَ عُمَرُ: لا واللَّهِ لا تَدْخُلُ عليهم وحْدَكَ، فقالَ أبو بَكْرٍ: وما عَسَيْتَهُمْ أنْ يَفْعَلُوا بي؟! واللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عليهم أبو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فقالَ: إنَّا قدْ عَرَفْنا فَضْلَكَ وما أعْطاكَ اللَّهُ، ولَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا ساقَهُ اللَّهُ إلَيْكَ، ولَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عليْنا بالأمْرِ، وكُنَّا نَرَى لِقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَصِيبًا.

حتَّى فاضَتْ عَيْنَا أبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أبو بَكْرٍ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَقَرابَةُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ أصِلَ مِن قَرابَتِي، وأَمَّا الذي شَجَرَ بَيْنِي وبيْنَكُمْ مِن هذِه الأمْوالِ، فَلَمْ آلُ فيها عَنِ الخَيْرِ، ولَمْ أتْرُكْ أمْرًا رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصْنَعُهُ فيها إلَّا صَنَعْتُهُ، فقالَ عَلِيٌّ لأبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أبو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ علَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وعُذْرَهُ بالَّذِي اعْتَذَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أبِي بَكْرٍ، وحَدَّثَ: أنَّه لَمْ يَحْمِلْهُ علَى الذي صَنَعَ نَفاسَةً علَى أبِي بَكْرٍ، ولا إنْكارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ به، ولَكِنَّا نَرَى لنا في هذا الأمْرِ نَصِيبًا، فاسْتَبَدَّ عَلَيْنا، فَوَجَدْنا في أنْفُسِنا.

فَسُرَّ بذلكَ المُسْلِمُونَ، وقالوا: أصَبْتَ، وكانَ المُسْلِمُونَ إلى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ راجَعَ الأمْرَ المَعْرُوفَ.

الراوي : أبو بكر الصديق المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4240 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1759) باختلاف يسير الأنْبياءُ والمُرسَلونَ لهم بَعضُ الخَصائصِ الَّتي ميَّزَهمُ اللهُ بها عن بَقيَّةِ أُمَمِهم، ومِن هذا: أنَّهم لا يُورَثونَ، وإنْ تَرَكوا مالًا فهو صَدَقةٌ في سَبيلِ اللهِ؛ لأنَّهم إنَّما يُوَرِّثونَ مَن وَراءَهم مِن ذُرِّيَّةٍ أو أتْباعٍ العِلمَ والدَّعْوةَ.

وفي هذا الحَديثِ تَحْكي أمُّ المؤمِنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها بِنتَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أرسَلَتْ إلى أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه بعْدَما تَولَّى الخلافةَ، تَسألُه عن مِيراثِها مِن أبيها رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مِمَّا أعْطاه اللهُ مِن مالِ الكُفَّارِ مِن غَيرِ حَربٍ، وَلا جِهادٍ بالمَدينةِ، نحْوَ أرضِ يَهودِ بَني النَّضيرِ حِينَ أجْلاهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في السَّنةِ الثَّالثةِ مِن الهِجْرةِ، وقيلَ: في رَبيعٍ الأوَّلِ منَ السَّنةِ الرَّابعةِ مِن الهِجْرةِ، وكانوا يَسكُنونَ جَنوبَ المَدينةِ المُنوَّرةِ، وأرضُ فَدَكَ مِمَّا صالَحَ أهلَها على نِصفِ أرْضِها، وفَدَكُ: قَرْيةٌ بخَيْبرَ، وقيلَ: بناحيةِ الحِجازِ، فيها عَينٌ ونَخلٌ، وما بَقيَ مِن خُمُسِ خَيْبرَ، وهي قَرْيةٌ كانت يَسكُنُها اليَهودُ، وكانت ذاتَ حُصونٍ ومَزارِعَ، وتَبعُدُ نحوَ 170 كم تَقْريبًا مِن المَدينةِ إلى جِهةِ الشَّامِ، وقد غَزاها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمسلمون، وفتَحَها اللهُ لهم في السَّنةِ السَّابعةِ منَ الهِجْرةِ.

فرفَضَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه ذلك، وذكَرَ لها أنَّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَ أنَّ الأنْبياءَ لا يُورَثُون، وما تَرَكوه مِن مالٍ فهو صَدَقةٌ على الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ويُوزِّعُها وَليُّ الأمْرِ مِن بَعدِهم، وليس لوَرَثَتِه إلَّا ما يَكْفيهم مِن قُوتٍ وطَعامٍ، ويُقيمُ حَياتَهم.

قال أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: وإنِّي واللهِ لا أُغيِّرُ شَيئًا مِن صَدَقةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَن حالِها الَّتي كانت عليها في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولأَعمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

فغَضِبَت فاطِمةُ رَضيَ اللهُ عنها على أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه وهجَرَتْه، ولم تُكلِّمْه حتَّى توُفِّيَتْ، وكان هَجْرَ انْقِباضٍ عن لِقاءِ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه، لا القَطيعةَ، والهُجْرانَ المُحرَّمَ، ولعلَّها تَمادَت في الهَجرِ طِيلةَ هذه المدَّةِ لاشْتِغالِها بشُؤونِها، ثمَّ بمَرضِها رَضيَ اللهُ عنها، وقدْ عاشَتْ بعْدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ستَّةَ أشهُرٍ، فلمَّا توُفِّيَت دَفَنَها زَوجُها عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه لَيلًا؛ قيلَ: كان هذا بوَصيَّةٍ منها رَضيَ اللهُ عنها؛ لزيادةِ التَّستُّرِ، ولم يُعلِمْ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه بها أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ لأنَّه ظَنَّ أنَّ ذلك لا يَخْفى عنه، وليس فيه ما يدُلُّ على أنَّ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه لم يَعلَمْ بمَوتِها ولا صَلَّى عليها، وصلَّى عليها عَلِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه، وكان النَّاسُ يَحتَرِمونَه حَياةَ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها إكْرامًا لها، فلمَّا تُوفِّيَتْ رَأى عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه في وُجوهِ النَّاسِ تَغيُّرًا لا يُعجِبُه، حيث قَصَروا عن ذلك الاحْتِرامِ الَّذي كان يَراه طيلةَ حَياةِ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها؛ لاستِمرارِه على عدَمِ مُبايَعتِه أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وكانوا يَعذِرونَه أيَّامَ حَياةِ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها عن تأخُّرِه عن ذلك باشْتِغالِه بها، وتَسْليةِ خاطِرِها، فالْتمَسَ عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه مُصالَحةَ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه ومُبايَعتَه، ولم يكُنْ بايَعَ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه تلك الأشهُرَ السِّتَّةَ، ولعَلَّ ذلك إمَّا لاشْتِغالِه بفاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها، أو اكْتِفاءً بمَن بايَعَه، فأرسَلَ عَليٌّ إلى أبي بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنهما أنِ ائْتِنا، ولا يَأْتِنا أحَدٌ معَكَ؛ وذلك حتَّى لا يَأتِيَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه معه؛ وذلك لمَا عَرَفوه مِن قُوَّةِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، وصَلابَتِه في القَولِ والفِعلِ، فربَّما تَصدُرُ منه مُعاتَبةٌ تُفْضي إلى خِلافِ ما قَصَدوه مِن المُصافاةِ.

فقالَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه لأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه لمَّا بلَغَه ذلك: لا واللهِ، لا تَدخُلُ عليهم وَحدَكَ، وكأنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه خاف أنْ يَترُكوا مِن تَعْظيمِ أبي بَكرٍ وتَوْقيرِه ما يجِبُ له، ولكنَّ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه قال له: وما تظُنُّ أنْ يَفعَلَ بي عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه ومَن معَه؟! واللهِ لآتيَنَّهم، فدخَلَ عليهم أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فتَشهَّدَ عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه، فقال: إنَّا قد عرَفْنا فَضلَكَ، وما أعْطاكَ اللهُ، ولم نَحسُدْكَ على الخِلافةِ، ولكِنَّكَ استَبدَدْتَ علينا بالأمْرِ، ولم تُشاوِرْنا في أمْرِ الخِلافةِ، وكُنَّا نَرى -لقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- نَصيبًا مِنَ المُشاوَرةِ، ولم يزَلْ عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه يَذكُرُ له ذلك حتَّى فاضَت عَيْنا أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه مِن الرِّقَّةِ.

وهنا رَدَّ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فحلَفَ أنَّ قَرابةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَبُّ إليه مِن أنْ يَصِلَ رَحِمَه، وأنَّ ما وقَعَ مِن التَّنازُعِ في الأمْوالِ الَّتي ترَكَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لمْ يُقصِّرْ فيها، ولم يَترُكْ أمْرًا رَأى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصنَعُه فيها إلَّا صَنَعَه.

فاتَّفَقوا على البَيْعةِ بعدَ الزَّوالِ -بعدَ صَلاةِ الظُّهرِ-، فلمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه الظُّهرَ عَلا المِنبَرَ، فتشَهَّدَ، وذكَرَ شأْنَ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، وتخَلُّفَه عنِ البَيْعةِ، وأنَّه قبِلَ عُذْرَه بالَّذي اعتَذَرَ إليه، ثمَّ استَغفَرَ.

ثمَّ تشَهَّدَ عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه، فعَظَّمَ حَقَّ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وذكَرَ فَضلَه وسابِقتَه في الإسْلامِ، ثمَّ مَضى إلى أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فبايَعَه، وحدَّثَ أنَّه لم يَحمِلْه على الَّذي صنَعَ مِن التَّأخُّرِ حسَدٌ، ولا إنْكارٌ للَّذي فَضَّلَه اللهُ به، ولكنْ كانوا يَرَون أنَّ لهم في أمْرِ الخِلافةِ نَصيبًا، فاستَبَدَّ عليهم، فغَضِبوا في أنفُسِهم.

ففَرِحَ بذلك المُسلِمونَ، وقالوا: أصَبْتَ.

وكانَ وُدُّ المُسلِمينَ إلى عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه قَريبًا حينَ راجَعَ الأمرَ بالمَعْروفِ، وهو الدُّخولُ فيما دخَلَ النَّاسُ فيه مِنَ المُبايَعةِ على خِلافةِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه.

وفي الحَديثِ: أنَّ أمْوالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يتَصرَّفُ فيها خَليفتُه في مَصالِحِ المُسلِمينَ.

وفيه: أنَّه يَلزَمُ العالِمَ أنْ يُظهِرَ ما عندَه مِن العِلمِ وَقْتَ الحاجةِ، ولا يَكْتُمَه، ولا يَخافَ في الحقِّ لَوْمةَ لائمٍ.

وفيه: فَضيلةُ أبي بَكرٍ وعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما، وحُسنُ تَدْبيرِهما للأُمورِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (4/ 79) ‌3094- حدثنا إسحاق بن محمد الفروي حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، وكان محمد بن جبير ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى أدخل على مالك بن أوس، فسألته عن ذلك الحديث، فقال مالك: ((بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر، فإذا هو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلمت عليه ثم جلست، فقال: يا، مال إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفا، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفا يسيرا، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير، فقال الرهط، عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، قال عمر: تيدكم، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس، فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: {وما أفاء الله على رسوله منهم} إلى قوله {قدير} فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموه وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس، أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يعلم: إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم: إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يريد عليا يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه: لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال فتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، فإني أكفيكماها)).

[صحيح مسلم] (3/ 1377 ) ((49- (‌1757) وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي.

حدثنا جويرية عن مالك، عن الزهري؛ أن مالك بن أوس حدثه.

قال أرسل إلي عمر بن الخطاب .

فجئته حين تعالى النهار.

قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير.

مفضيا إلى رماله.

متكئا على وسادة من أدم.

فقال لي: يا مال! إنه قد دف أهل أبيات من قومك.

وقد أمرت فيهم برضخ.

فخذه فاقسمه بينهم.

قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟ قال: خذه.

يا مال! قال: فجاء يرفا.

فقال: هل لك، يا أمير المؤمنين! في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم.

فأذن لهم.

فدخلوا.

ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم.

فأذن لهما.

فقال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن.

فقال القوم: أجل.

يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وأرحهم.

(فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) فقال عمر: اتئدا.

أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا نورث.

ما تركنا صدقة) قالوا: نعم.

ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث.

ما تركناه صدقة) قالا: نعم.

فقال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسولهل صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره.

قال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول [59 /الحشر /7] (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) قال: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير.

فوالله! ما استأثر عليكم.

ولا أخذها دونكم.

حتى بقي هذا المال.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة.

ثم يجعل ما بقي أسوة المال.

ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم.

ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم.

قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فجتئما، تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها.

فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما نورث.

ما تركنا صدقة) فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق.

ثم توفي أبو بكر.

وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبا بكر.

فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا.

والله يعلم إني بار راشد تابع للحق.

فوليتها.

ثم جئتني أنت وهذا.

وأنتما جميع وأمركما واحد.

فقلتما: ادفعها إلينا.

فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأخذتماها بذلك.

قال: أكذلك؟ قالا: نعم.

قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما.

ولا، والله! لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة.

فإن عجزتما عنها فرداها إلي))

[سنن أبي داود] (3/ 139) 2963- حدثنا الحسن بن علي، ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى، قالا: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: أرسل إلي عمر حين تعالى النهار، فجئته فوجدته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله، فقال: حين دخلت عليه: يا مال، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وإني قد أمرت فيهم بشيء فأقسم فيهم، قلت: لو أمرت غيري بذلك، فقال: خذه فجاءه يرفأ، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، قال: نعم، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفأ، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في العباس، وعلي، قال: نعم، فأذن لهم فدخلوا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا- يعني عليا- فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرحهما- قال مالك بن أوس: خيل إلي أنهما قدما أولئك النفر لذلك- فقال عمر رحمه الله: اتئدا، ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة))، قالوا: نعم، ثم أقبل على علي والعباس رضي الله عنهما، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) فقالا: نعم، قال: فإن الله خص رسوله صلى الله عليه وسلم، بخاصة لم يخص بها أحدا من الناس، فقال الله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل، ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} [الحشر: 6] وكان الله أفاء على رسوله بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم، ولا أخذها دونكم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منها نفقة سنة،- أو نفقته ونفقة أهله سنة- ويجعل ما بقي أسوة المال، ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون ذلك، قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس، وعلي رضي الله عنهما، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر رحمه الله، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نورث ما تركنا صدقة))، والله يعلم إنه لصادق بار، راشد تابع للحق، فوليها أبو بكر، فلما توفي أبو بكر، قلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي أبي بكر، فوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا وأنتما جميع، وأمركما واحد، فسألتمانيها، فقلت: إن شئتما أن أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يليها فأخذتماها مني على ذلك، ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، والله لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إلي قال أبو داود: إنما سألاه أن يكون يصيره بينهما نصفين، لا أنهما جهلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب، فقال عمر: لا أوقع عليه اسم القسم أدعه على ما هو عليه

[سنن الترمذي] (4/ 158) 1610- حدثنا الحسن بن علي الخلال قال: أخبرنا بشر بن عمر قال: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: دخلت على عمر بن الخطاب ، ودخل عليه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ثم جاء علي، والعباس يختصمان، فقال عمر لهم: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث، ما تركناه صدقة))؟ قالوا: نعم، قال عمر فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث، ما تركناه صدقة))، والله يعلم إنه صادق بار راشد تابع للحق: وفي الحديث قصة طويلة، وهذا حديث حسن صحيح غريب من حديث مالك بن أنس

[سنن النسائي] (7/ 135) 4148- أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، يعني ابن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: ((جاء العباس وعلي إلى عمر يختصمان، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا، فقال الناس: افصل بينهما، فقال عمر : لا أفصل بينهما، قد علما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة.

قال: فقال الزهري: وليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ منها قوت أهله، وجعل سائره سبيله سبيل المال، ثم وليها أبو بكر بعده، ثم وليتها بعد أبي بكر، فصنعت فيها الذي كان يصنع، ثم أتياني فسألاني أن أدفعها إليهما على أن يلياها بالذي وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي وليها به أبو بكر والذي وليتها به، فدفعتها إليهما وأخذت على ذلك عهودهما، ثم أتياني يقول هذا: اقسم لي بنصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: اقسم لي بنصيبي من امرأتي، وإن شاءا أن أدفعها إليهما على أن يلياها بالذي وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي وليها به أبو بكر والذي وليتها به دفعتها إليهما، وإن أبيا كفيا ذلك، ثم قال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}.

هذا لهؤلاء، {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله}، هذه لهؤلاء {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب}.

قال الزهري: هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قرى عربية فدك كذا وكذا فـ {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}.

و: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم * والذين جاءوا من بعدهم} فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له في هذا ال

أحاديث ذات صلة