المعنى: أنَّ النَّاسَ قالوا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا رسولَ اللهِ، هل نَرى رَبَّنا عزَّ وجلَّ يَومَ القِيامَةِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هل تُضارُّون في القَمَرِ لَيلةَ البَدْرِ؟ قالوا: لا يا رسولَ اللهِ.
قال: فهل تُضارُّون في الشَّمسِ ليس دونَها سَحابٌ؟ قالوا: لا.
قال: فإنَّكم تَرَوْنه كذلك، يَجمَعُ اللهُ النَّاسَ يَومَ القِيامَةِ، فيُقالُ: مَن كان يَعبُدُ شَيئًا فليَتبَعْه، فيَتبَعُ مَن يَعبُدُ الشَّمسَ الشَّمسَ، ويَتبَعُ مَن يَعبُدُ القَمرَ القَمرَ، ويَتبَعُ مَن يَعبُدُ الطَّواغيتَ الطَّواغيتَ، وتَبقى هذه الأُمَّةُ فيها شافِعوها، أو مُنافِقوها -قال أبو كامِلٍ: شَكَّ إبراهيمُ- فيَأتيهم اللهُ عزَّ وجلَّ في صورَةٍ غَيرِ صورَتِه الَّتي يَعرِفون، فيَقولُ: أنا رَبُّكم.
فيَقولون: نَعوذُ باللهِ مِنك، هذا مَكانُنا حتى يَأتِيَنا رَبُّنا، فإذا جاء رَبُّنا عَرَفْناه.
فيَأتيهم اللهُ عزَّ وجلَّ في صورَتِه الَّتي يَعرِفون، فيَقولُ: أنا رَبُّكم.
فيَقولون: أنت رَبُّنا.
فيَتبَعونه.
ويُضرَبُ الصِّراطُ بيْنَ ظَهرَيْ جَهنَّمَ، فأَكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّلَ مَن يَجوزُه، ولا يتكَلَّمُ يَومَئذٍ إلَّا الرُّسلُ، ودَعوى الرُّسلِ يَومَئذٍ: اللَّهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
وفي جَهنَّمَ كَلاليبُ مِثلُ شَوكِ السَّعْدانِ، هل رأَيتُم السَّعْدانَ؟ قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ.
قال: فإنَّها مِثلُ شَوكِ السَّعْدانِ، غَيرَ أنَّه لا يَعلَمُ قَدرَ عِظَمِها إلَّا اللهُ تَعالى، تَخطَفُ النَّاسَ بأَعمالِهم، فمِنهم الموبَقُ بِعَملِه -أو قال: الموثَقُ بِعَملِه أو المُخَردَلُ-، ومنهم المُجازى -قال أبو كامِلٍ في حَديثِهِ: شَكَّ إبراهيمُ- ومنهم المُخَردَلُ أو المُجازى ثم يتجَلَّى، حتى إذا فرَغَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِن القَضاءِ بيْنَ العِبادِ، وأرادَ أنْ يُخرِجَ برَحمَتِه مَن أرادَ مِن أَهلِ النَّارِ أمَرَ الملائكةَ أنْ يُخرِجوا مِن النَّارِ مَن كان لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، ممَّن أرادَ اللهُ أنْ يَرحَمَه، ممَّن يَقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فيَعرِفونَهم في النَّارِ، يَعرِفونَهم بأَثَرِ السُّجودِ، تَأكُلُ النَّارُ ابنَ آدَمَ إلَّا أَثَرَ السُّجودِ، وحرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ على النَّارِ أنْ تَأكُلَ أَثَرَ السُّجودِ، فيَخرُجون مِن النَّارِ قد امتُحِشوا فيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ، فيَنبُتون كما تَنبُتُ الحبَّةُ -وقال أبو كامِلٍ: الحبَّةُ، أَيضًا- في حَميلِ السَّيلِ.
ويَبقى رَجُلٌ مُقبِلٌ بوَجهِه على النَّارِ، وهو آخِرُ أَهلِ الجنَّةِ دُخولًا، فيَقولُ: أَيْ رَبِّ، اصرِفْ وَجهي عن النَّارِ؛ فإنَّه قد قشَبَني رِيحُها، وأحرَقَني دُخَانُها، فيَدعو اللهَ ما شاءَ أنْ يَدعُوَه، ثم يَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: هل عسَيْتَ إنْ فُعِلَ ذلك بك أنْ تَسأَلَ غَيرَه؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُ غَيرَه.
ويُعطي رَبَّه عزَّ وجلَّ مِن عُهودٍ ومَواثيقَ ما شاءَ، فيَصرِفُ اللهُ عزَّ وجلَّ وَجهَه عن النَّارِ، فإذا أقبَلَ على الجنَّةِ ورآها؛ سكَتَ ما شاء اللهُ أنْ يَسكُتَ، ثم يَقولُ: أَي رَبِّ، قَرِّبْني إلى بابِ الجنَّةِ، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ له: أَلستَ قد أعطَيْتَ عُهودَك ومَواثيقَك أَلَّا تَسأَلَني غَيرَ ما أعطَيتُكَ؟ وَيْلَكَ يا ابنَ آدَمَ، ما أَغدَرَكَ! فيَقولُ: أَيْ رَبِّ، فيَدعو اللهَ، حتى يَقولَ له: فهل عسَيْتَ إنْ أُعطيتَ ذلك أنْ تَسأَلَ غَيرَه؟ فيَقولُ: لا وَعِزَّتِكَ لا أَسأَلُ غَيرَه.
فيُعطي رَبَّه عزَّ وجلَّ ما شاء مِن عُهودٍ ومَواثيقَ، فيُقَدِّمُه إلى بابِ الجنَّةِ، فإذا قام على باب الجنَّةِ انفهَقَتْ له الجنَّةُ، فرأى ما فيها مِن الحِبَرَةِ والسُّرورِ، فيَسكُتُ ما شاء اللهُ أنْ يَسكُتَ، ثم يَقولُ: أَي رَبِّ، أَدخِلْني الجنَّةَ.
فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ له: أليس قد أعطَيْتَ عُهودَك ومَواثيقَك أَلَّا تَسأَلَني غَيرَ ما أعطَيتُكَ؟ وَيْلَك يا ابنَ آدَمَ، ما أَغدَرَك! فيَقولُ: أَيْ رَبِّ، لا أَكونُ أَشقى خَلقِكَ، فلا يَزالُ يَدعو اللهَ، حتى يَضحَكَ اللهُ منه، فإذا ضحِكَ اللهُ عزَّ وجلَّ منه قال: ادخُلِ الجنَّةَ.
فإذا دخَلَها قال اللهُ عزَّ وجلَّ له: تَمَنَّه.
فيَسأَلُ رَبَّه عزَّ وجلَّ ويتمَنَّى، حتى إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليُذَكِّرُه، يَقولُ: مِن كذا وكذا، حتى إذا انقطَعَتْ به الأَمانِيُّ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ له: لك ذلك ومِثلُه معه.
قال عطاءُ بنُ يَزيدَ: وأبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ مع أبي هُريرةَ، لا يَرُدُّ عليه مِن حَديثِه شَيئًا، حتى إذا حدَّثَ أبو هُريرةَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال لذلك الرَّجُلِ: ومِثلُه معه.
قال أبو سعيدٍ: وعَشَرةُ أَمثالِه معه يا أبا هُريرةَ.
قال أبو هُريرةَ: ما حفِظْتُ إلَّا قَولَه: ذلك لك ومِثلُه معه.
قال أبو سعيدٍ: أَشهَدُ أنِّي حفِظْتُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَولَه في ذلك الرَّجُلِ: لك عَشَرةُ أَمثالِه.
قال أبو هُريرةَ: وذلك الرَّجُلُ آخِرُ أَهلِ الجنَّةِ دُخولًا.
أخرجه البخاري (7437)، ومسلم (182) باختلاف يسير
أنَّ أُنَاسًا في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَمْ، هلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ ليسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قالوا: لَا، قَالَ: وهلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوْءٌ ليسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قالوا: لَا، قَالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما تُضَارُونَ في رُؤْيَةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ يَومَ القِيَامَةِ إلَّا كما تُضَارُونَ في رُؤْيَةِ أحَدِهِمَا؛ إذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كَانَتْ تَعْبُدُ، فلا يَبْقَى مَن كانَ يَعْبُدُ غيرَ اللَّهِ مِنَ الأصْنَامِ والأنْصَابِ إلَّا يَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ، حتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أوْ فَاجِرٌ، وغُبَّرَاتُ أهْلِ الكِتَابِ، فيُدْعَى اليَهُودُ فيُقَالُ لهمْ: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فيُقَالُ لهمْ: كَذَبْتُمْ؛ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صَاحِبَةٍ ولَا ولَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقالوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فيُشَارُ ألَا تَرِدُونَ، فيُحْشَرُونَ إلى النَّارِ كَأنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فيُقَالُ لهمْ: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فيُقَالُ لهمْ: كَذَبْتُمْ، ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صَاحِبَةٍ ولَا ولَدٍ، فيُقَالُ لهمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذلكَ مِثْلَ الأوَّلِ، حتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِن بَرٍّ أوْ فَاجِرٍ، أتَاهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ في أدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتي رَأَوْهُ فِيهَا، فيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كَانَتْ تَعْبُدُ، قالوا: فَارَقْنَا النَّاسَ في الدُّنْيَا علَى أفْقَرِ ما كُنَّا إليهِم ولَمْ نُصَاحِبْهُمْ، ونَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الذي كُنَّا نَعْبُدُ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: لا نُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا.
الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4581 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (183) مطولاً باختلاف يسير قضى اللهُ عزَّ وجَلَّ ألَّا يَرَاه خَلْقُه في الحياةِ الدُّنيا، وسيُنعِمُ على عبادِه الصَّادِقين برُؤيتِه سُبحانَه في الآخِرةِ، وهذا من أكمَلِ النِّعَمِ التي ينالها المؤمِنُ في الآخِرةِ.
وفي هذا الحديثِ يُخبرُ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ أُناسًا من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم سَأَلوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن رؤيتِهم للهِ عزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ، فأجابَهُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «نعَمْ»، وأكَّدَ لهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجوابَ بتصويرٍ يُظهِرُ فيه مدى تحقُّقِ وتبايُنِ تلك الرُّؤيةِ، فسألهم: «هلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ ليسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» أي: هل يحدُثُ لكم ضَرَرٌ أثناءَ رُؤيتِكم للشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ؛ من نَحوِ مُنازَعةٍ، أو مجادَلةٍ، أو مُضايَقةٍ، أو مُزاحَمةٍ مِن أحَدٍ؟ فقال الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم: لَا.
وأكَّد لهم الأمرَ بسُؤالٍ آخَرَ حَولَ رُؤيَتِهم للقَمَرِ؛ قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وهلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوْءٌ ليسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» قالوا: لَا.
والمعنى: أنَّكم سترون اللهَ عزَّ وجَلَّ في وضوحٍ تامٍّ ودونَ مُزاحمةٍ لا تَضُرُّونَ أحدًا، ولا يَضُرُّكم أحدٌ بمنازعةٍ أو نحوِها، كما تَرَون الشَّمسَ في وَضَحِ النَّهارِ مُضيئةً في وَقتِ الظَّهيرةِ، ليس بينكم وبينها سحابٌ، وكما تَرَونَ القَمَرَ باللَّيلِ ليلةَ اكتِمالِه بَدرًا مُضيئًا في وُضوحٍ تامٍّ.
والتشبيهُ الواقِعُ هنا إنما هو في الوُضوحِ وزَوالِ الشَّكِّ لا في المقابَلةِ والجِهةِ وسائِرِ الأُمورِ العادِيَّةِ عندَ رُؤيةِ المحْدَثاتِ؛ فالرؤيةُ له تعالى حقيقةٌ، لكِنَّا لا نكَيِّفُها، بل نَكِلُ كُنْهَ معرفَتِها إلى عِلْمِه تعالى.
قيل: هذه رُؤيةُ الامتحانِ الممَيِّزةِ بين مَن عبدَ اللهَ وبينَ مَن عَبدَ غَيرَه، لا رؤيةُ الكرامةِ التي هي ثوابُ أوليائِه في الجنَّةِ.
وذكر صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه إذا كان يومُ القيامةِ يُنادي منادٍ من قِبَل اللهِ عزَّ وجَلَّ: أن تَلحَقَ كُلُّ أمَّةٍ ما كانت تَعبُدُ في الدُّنيا، فيَتبَعُ كُلُّ من كان يعبُدُ شيئًا من دونِ اللهِ ما كان يَعبُدُه، فيتساقطون جميعًا في النَّارِ، فلا يبقى أحدٌ ممن كان يعبدُ الأصنامَ -جمعُ صَنَمٍ، وهو ما عُبِد من دونِ اللهِ- والأنصابَ -جمعُ نُصُبٍ، وهو حَجَرٌ كان يُنصَبُ ويُذبَحُ عليه، فيحمَرُّ بالدَّمِ ويُعبَدُ-.
كلُّ هؤلاء يتساقطون في النَّارِ، حتى إذا لم يَبْقَ إلَّا من كان عابدًا لله عزَّ وجَلَّ -سواءٌ أكان مطيعًا لله، أو فاجِرًا مُنهَمِكًا في المعاصي-، وكذا بقايا من أهلِ الكِتابِ –وهم اليَهودُ والنَّصارى-، فيُدعى اليهودُ ويُسأَلون، فيُقالُ لَهُم: مَن كُنتُم تَعبُدونَ؟ فَيُجيبونَ: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ ابنَ اللَّهِ، فَيُقالُ لَهُم: كَذَبتُمْ، فحاشاه سُبحانَه أن يكونَ له زَوجةٌ أو وَلَدٌ، فالتكذيبُ هنا لنَفيِ أن يكونَ لله سُبحانَه وَلَدٌ، ويلزَمُ منه نَفيُ عِبادةِ غَيرِه سُبحانَه، ثمَّ يُسألون: ماذا تَطلُبونَ؟ «فَقالوا: عَطِشْنا رَبَّنا، فاسْقِنا، فَيُشارُ إلَيهِم: ألَا تَرِدُونَ؟ فَيُحشَرونَ إلى النَّارِ كأنَّها سَرابٌ»، وهو الَّذي يُرَى نِصفَ النَّهارِ في الأرضِ القَفْرِ، والقاعِ المُستَوي في الحَرِّ الشَّديدِ، لامِعًا مِثلَ الماءِ يَحسَبُه الظَّمآنُ ماءً، حتَّى إذا جاءَه لَم يَجِدْهُ شَيئًا، والنَّار حالَ كَونِها يَكسِرُ بَعضُها بَعضًا؛ لشِدَّةِ اتِّقادِها وتَلاطُمِ أَمْواجِ لَهَبِها، فَيَتَساقَطونَ في النَّارِ.
ثمَّ يُدعَى النَّصارَى فيُقالُ لَهُم: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ المَسيحَ ابنَ اللهِ، فَيُقالُ لَهُم: كَذَبْتُمْ؛ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن زَوجةٍ وَلا وَلَدٍ، ثم يُسأَلونَ فَيُقالُ لَهُم: ماذا تَطلُبون؟ فيقولون كما قالت اليهودُ: عَطِشْنا رَبَّنا، فاسْقِنا، إلى آخِرِ ما قالهُ اليَهودُ، ويُفعَلُ بهم كما فُعِلَ باليَهودِ، حتى يتساقَطونَ جميعًا في النَّارِ.
وذكر صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه بعد أن يَدخُلَ كُلُّ مَن يَعبُدُ غيرَ اللهِ النَّارَ، ولم يَبْقَ إِلَّا مَن كانَ يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ طائعٍ للهِ حالَ حياتِه في الدُّنيا، أو فاجِرٍ -وهو العاصي المنهَمِكِ في المعصِيَةِ- جاءهمْ ربُّ العالَمينَ، وأَشْهَدَهُم رُؤيَتَهُ سُبحانَه، من غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ «في أقْرَبِ صِفةٍ مِنَ الَّتي» عَرَفوهُ فيها سُبحانَه وتعالى، فَيُقالُ: «ماذا تَنتَظِرونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَت تَعبُدُ، قالوا: فارَقْنا النَّاسَ» الَّذينَ زاغوا في الدُّنيا عَن الطَّاعةِ في الدُّنيا وابتعَدْنا عن مُتابَعَتِهم «عَلَى أفقَرِ» أي: أَحوَجِ «ما كُنَّا إِلَيهِم» في مَعايِشِنا وَمَصالِح دُنيانا، «وَلَم نُصاحِبْهُم» بَلْ قاطَعناهُم، «وَنَحنُ نَنتَظِرُ رَبَّنا الَّذي كُنَّا نَعبُدُ في الدُّنيا، فَيَقولُ: أنا رَبُّكُم، فَيَقولونَ: لا نَشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا»، وإِنَّما قالوا ذلك؛ لأنَّهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى تَجَلَّى لَهُم بِصِفةٍ لَم يَعرِفوه.
قيل: إنما حجَبَهم عن تحقيقِ الرُّؤيةِ في هذه المرَّةِ مِن أجْل مَن معهم مِن المنافِقين الذين لا يَستَحِقُّونَ الرُّؤيةَ، وهم عن رَبِّهم محجوبون، فإذا تميَّزوا عنهم رُفِعَت الحُجُب، فيقولون عندما يَرَونَه: أنت رَبُّنا.
وفي الحَديثِ: رُؤيةُ المؤمنينَ للهِ تَبارَك وتعالَى يومَ القِيامَةِ كما يَشاءُ سُبحانَه.