- كان مَوضِعُ مَسجِدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لبَني النَّجَّارِ، وكان فيه حَرْثٌ ونَخلٌ وقُبورُ المُشركينَ، فقال: يا بَني النَّجَّارِ، ثامِنوني به، فقالوا: لا نَبتَغي به ثَمنًا إلَّا عِندَ اللهِ، قال: فقطَعَ النخلِ، وسَوَّى الحَرْثَ، ونَبَشَ قُبورَ المُشركينَ، قال: وكان نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبْلَ أنْ يَبنيَ المَسجِدَ يُصلِّي حيث أَدرَكَتْه الصَّلاةُ، وفي مَرابِضِ الغنَمِ ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ وهُم يَنقُلونَ الصخرَ لبناءِ المَسجِدِ:
اللَّهمَّ إنَّ الخَيرَ خَيرُ الآخِرَهْ...
فاغفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرَهْ.
أخرجه أبو داود (453)، وابن ماجه (742)، وأحمد (13561) واللفظ لهأخرجه أبو داود (453)، وابن ماجه (742)، وأحمد (13561) واللفظ له
قَدِمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أعْلَى المَدِينَةِ في حَيٍّ يُقَالُ لهمْ بَنُو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فأقَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيهم أرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أرْسَلَ إلى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى رَاحِلَتِهِ، وأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ومَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حتَّى ألْقَى بفِنَاءِ أبِي أيُّوبَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، ويُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ، وأنَّهُ أمَرَ ببِنَاءِ المَسْجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلَإٍ مِن بَنِي النَّجَّارِ فَقالَ: يا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بحَائِطِكُمْ هذا، قالوا: لا واللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إلى اللَّهِ، فَقالَ أنَسٌ: فَكانَ فيه ما أقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وفيهِ خَرِبٌ وفيهِ نَخْلٌ، فأمَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وهُمْ يَرْتَجِزُونَ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معهُمْ، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ.
الراوي : أنس بن مالك المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 428 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (428)، ومسلم (524) كانتِ الهِجرةُ مِن مكَّةَ إلى المدينةِ أمرًا مِن الله لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكانتْ بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ مِن الدَّعوةِ ونَشرِ الإسلامِ.وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا هاجَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المدينةِ نزَلَ وأقام في أعلى المدينةِ، وهي منطقةُ العَوالي والعاليةِ، وهي قُباءٍ وما حَوْلَها، وكانت قُباءٌ مَسكَنَ بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ، وقيل: إنَّ كلَّ ما كان مِن جِهةِ نَجدٍ مِن المدينةِ، مِن قُراها وعَمائرِها إلى تِهامةَ يُسمَّى العاليةَ، وما كان دُونَ ذلك يُسمَّى السافلةَ.
فأقامَ عندَهمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرْبَعَ عَشْرةَ لَيلةً، ثُمَّ أرسَلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى أخوالِه بني النَّجَّارِ، فجاؤوه واضعِينَ السُّيوفَ على مَناكِبِهم، وهذا على عادتِهم عندَ ذهابِهم إلى أحَدٍ مِن عُظَمائِهم، أو جاؤوا بهذه الصُّورةِ؛ خَوفًا على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ اليهودِ، وإظهارًا لِنُصرتِهم لِلنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان مقصودُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يَنتقِلَ مِن العَوالي إلى وسَطِ المدينةِ، وأنْ يتَّخِذَ بها مسكنًا يَسكُنُه، فرَكِبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ناقتَه، وأبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه راكبٌ خلْفَه، وفي ذلك دليلٌ على شرَفِ أبي بكرٍ واختِصاصِه به دُونَ سائرِ أصحابِه، وكان رِجالُ بني النَّجَّارِ وشُجعانُهم وأشرافُهُم مِن حَولِه، وتحرَّكَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى وضَعَ رَحْلَه ومتاعَه وما معه بِفِناءِ دارِ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه، وهو مِن بني النَّجَّارِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحبُّ أنْ يُصلِّيَ حيثُ أدركَتْه الصَّلاةُ؛ لِيُبيِّنَ أنَّ الأرضَ كلَّها جُعلَتْ له مسجدًا وطَهورًا، وكان يُصلِّي في مَرابضِ الغنمِ، وهي حَظائرُها الَّتي تَأْوي إليها للنَّومِ والرَّاحةِ والمَبيتِ، وهذه رُخْصةٌ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالصَّلاةِ في أماكِنِ تَجمُّعِ الغنَمِ؛ لأنَّها مأمونةُ الجانبِ، ولا تُؤذي أحَدًا، وفيها بَرَكةٌ مِن حيثُ هُدوؤُها، ولِينُ جانبِها، وقلَّةُ حرَكتِها، مع ما فيها مِن منافعَ أخرى، فأرادَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبنيَ مَسجدًا موضِعَ بُستانٍ لِبعضِ بني النَّجَّارِ، فأرسَلَ إليهم وقال لهم: ثَامِنوني حائطَكم، فقُولوا لي ثَمنَه؛ كي أشتريَه منكم، فأقسَموا بالله إنَّهم يَبتَغون ثَوابَ ذلك العملِ مِنَ اللهِ سبحانه وتعالى، ولا يُريدون عليه مالًا، وكان في هذا المكان قبورٌ قديمةٌ لِلمُشركينَ، وخِرَبٌ ونخلٌ، فأمَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِنَبشِ قبورِ المشركينَ ونقلِ العِظامِ والرُّفاتِ إلى مكانٍ آخَرَ، وبتَسويةِ الخِرَبِ الَّتي فيها مِثلُ الحُفرِ والأحجارِ والشُّقوقِ ونَحوِها، وقيل: معنَى تَسويةِ الخِربِ: أنَّ البِناءَ الخَرابَ المُستهدمَ يَصيرُ في مَوضِعِه أماكنُ مرتفعةٌ عن الأرضِ، فتَحتاجُ إلى أن تُحفَرَ وتُسَوَّى بالأرضِ، وأمَر بقطْعِ النَّخلِ، ثُمَّ وضَعوا النَّخلَ المقطوعَ تِجاهَ قِبلةِ المسجدِ، وجعَلوا عِضادَتَيْه الحِجارةَ، وأعضادُ كلِّ شَيءٍ ما يَشُدُّه مِن حَوالَيْه مِن البِناءِ، فكأنَّهم جَعَلوا مِن حَولِه الحِجارةَ، وكانوا يَرتَجزون، فيُغَنون الرَّجَزَ، وهو نوعٌ مِن الكلامِ المَوزونِ يُشْبِهُ الشِّعرَ؛ تنشيطًا لِنُفوسِهم؛ لِيَسهُلَ عليهمُ العملُ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَرتَجِزُ معهم ويقولُ: اللَّهمَّ لا خَيْرَ إلَّا خيرُ الآخِرَهْ، ومعناه: أنَّ الخَيرَ الحقيقيَّ في نعيمِ الآخرةِ؛ لأنَّه دائمٌ وغيرُه إلى الزَّوالِ، فاغفِرْ لِلأنصارِ والمُهاجِرَهْ، وهذا دعاءٌ لهم بالمَغفرةِ، والأنصارُ همُ الأَوْسُ والخَزْرَجُ الَّذينَ نصَرُوه على أعدائِه، والمُهاجِرةُ الَّذينَ هاجَروا مِن مكَّةَ إلى المدينةِ.واستُشكِل قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّجَزَ، مع قَولِه تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْر} [يس: 69] ، وأُجيبَ: بأنَّ المُمتنعَ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنشاءُ الشِّعرِ لا إنشادُه، ولم يَكُنْ قولُه عن قَصْدٍ، ولم يَثبُتْ عنه الإِنشاءُ.وفي الحديثِ: إنشادُ الشِّعرِ والارتِجازُ في حالِ العَملِ والجِهادِ، والاستعانةُ بذلك لتَنشيطِ النُّفوسِ، وتَسهيلِ الأعمالِ.وفيه: أنَّ صاحبَ السِّلعةِ أحَقُّ بالسَّومِ.وفيه: دليلٌ على أنَّ المَقبرةَ إذا نُبشَتْ، وأُخرِج ما فيها مِن عِظامِ المَوتى؛ لم تَبْقَ مَقبرةً، وجازَتِ الصَّلاةُ فيها.وفيه: دليلٌ على عدَمِ الصَّلاةِ في المَقبرةِ، ولو كانت قُبورَ المشركين؛ لِما فيه مِن سدِّ الذَّريعةِ إلى اتِّخاذِ القُبورِ مَساجِدَ؛ فإنَّه إذا تَطاوَلَ العهدُ، ولم تُعرَفِ الحالُ، خُشِيَ مِن ذلك الفِتنةُ.وفيه: دَليلٌ على أنَّ قُبورَ المُشركينَ لا حُرمةَ لها، وأنَّه يَجوزُ نَبْشُ عِظامِهم ونَقْلُهم مِن الأرضِ للانتِفاعِ بالأرضِ إذا احْتِيجَ إلى ذلك.وفيه: مَشروعيَّةُ قطْعِ النَّخلِ والأشجارِ للمَصلحةِ العامَّةِ.
[سنن أبي داود] (1/ 123) 453- حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك ، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال: لهم بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم، فقال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فقال: ((يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا)) فقالوا: والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل، قال أنس: وكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول: ((اللهم لا خير إلا خير الآخره فانصر الأنصار والمهاجره)).
[سنن أبي داود] (1/ 124)
454- حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك ، قال: كان موضع المسجد حائطا لبني النجار فيه حرث ونخل، وقبور المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ثامنوني به)) فقالوا: لا نبغي به ثمنا، فقطع النخل وسوى الحرث ونبش قبور المشركين، وساق الحديث، وقال: ((فاغفر)) مكان ((فانصر))، قال موسى: وحدثنا عبد الوارث، بنحوه، وكان عبد الوارث، يقول: خرب، وزعم عبد الوارث، أنه أفاد حمادا هذا الحديث.
[سنن ابن ماجه] (1/ 245 ) 742- حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح الضبعي، عن أنس بن مالك ، قال: كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبني النجار، وكان فيه نخل، ومقابر للمشركين، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ((ثامنوني به)) قالوا: لا نأخذ له ثمنا أبدا، قال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبنيه وهم يناولونه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا إن العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار، والمهاجره)) قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل أن يبني المسجد حيث أدركته الصلاة.
[مسند أحمد] (21/ 185 ط الرسالة) ((13561- حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك قال: كان موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني النجار، وكان فيه حرث ونخل وقبور المشركين، فقال: (( يا بني النجار، ثامنوني به)) فقالوا: لا نبتغي به ثمنا إلا عند الله.
قال: فقطع النخل، وسوى الحرث، ونبش قبور المشركين.
قال: وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبنى المسجد يصلي حيث أدركته الصلاة، وفي مرابض الغنم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهم ينقلون الصخر لبناء المسجد
(( اللهم إن الخير خير الآخره
فاغفر للأنصار والمهاجره)).