دخلتُ أنا وخالِدُ بنُ الوَليدِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مَيمونةَ بِنتِ الحارِثِ، فقالتْ: ألَا نُطعِمُكم مِن هَديَّةٍ أهدَتْها لنا أُمُّ عُفَيقٍ؟ قال: فجيءَ بِضَبَّيْنِ مَشوِيَّيْنِ، فتبَزَّقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له خالِدٌ: كأنَّكَ تَقذَرُهُ؟ قال: أجَلْ.

قالتْ: ألَا أسقيكم مِن لَبَنٍ أهدَتْهُ لنا؟ فقال: بلى.

قال: فجِيءَ بإناءٍ مِن لَبَنٍ، فشرِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنا عن يَمينِهِ وخالِدٌ عن شِمالِهِ، فقال لي: الشَّربةُ لكَ، وإنْ شِئتَ آثَرتَ بها خالِدًا.

فقلتُ: ما كُنتُ لِأُوثِرَ بِسُؤرِكَ علَيَّ أحَدًا.

فقال: مَن أطعَمَهُ اللهُ طَعامًا، فلْيَقُلِ: اللَّهمَّ بارِكْ لنا فيه، وأطعِمْنا خَيرًا منه، ومَن سَقاهُ اللهُ لَبَنًا، فلْيَقُلِ: اللَّهمَّ بارِكْ لنا فيه، وزِدْنا منه؛ فإنَّهُ ليس شَيءٌ يُجزِئُ مَكانَ الطَّعامِ والشَّرابِ غَيرَ اللَّبَنِ.

الدلالات الموضوعية:# أشربة - اللبن# آداب عامة - التيمن والبدء بجهة اليمين# أطعمة - ما يكره من الأطعمة# أطعمة - أكل الضب# أطعمة - ما يقول إذا فرغ من الطعام
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه من طرق أبو داود (3730) بنحوه، والترمذي (3455) باختلاف يسير، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10118)، وابن ماجه (3322، 3426) مفرقاً، وأحمد (1978) واللفظ له

الشرح والتوضيح

عن يزيد بن الأصم.

قال: دعانا رجلٌ فأتى بخَوَانٍ عليهِ ثلاثةَ عشرَ ضَبًّا قال : وذاكَ عشاءٌ فآكلٌ وتاركٌ فلمَّا أصبحنا غدونا على ابنِ عباسٍ فسألتُهُ فأكثرَ في ذلك جلساؤُهُ حتى قال بعضهم : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لا آكلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ قال : فقال ابنُ عباسٍ : بئسما قلتم إنما بُعِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُحِلًّا ومُحَرِّمًا ثم قال : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ميمونةَ وعندَهُ الفضلُ بنُ عباسٍ وخالدُ بنُ الوليدِ وامرأةٌ فأتي بخَوَانٍ عليهِ خبزٌ ولحمُ ضَبٍّ قال : فلمَّا ذهب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتناولُ قالت لهُ ميمونةُ : إنَّهُ يا رسولَ اللهِ لحمُ ضَبٍّ فكفَّ يدَهُ وقال : إنَّهُ لحمٌ لم آكلُهُ ولكن كُلُوا قال : فأكلَ الفضلُ بنُ عباسٍ وخالدُ بنُ الوليدِ والمرأةُ ، قال : وقالت ميمونةُ : لا آكُلُ من طعامٍ لم يأكلْ منهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الراوي : عبدالله بن عباس.

المحدث : أحمد شاكر المصدر : تخريج المسند لشاكر الصفحة أو الرقم: 4/238 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه مسلم (1948)، وابن أبي شيبة (24348)، وأبو عوانة (8149) واللفظ لهم.

أحَلَّ اللهُ سُبحانَه للنَّاسِ الطَّيِّباتِ وحَرَّمَ عليهمُ الخَبائِثَ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعافُ أكْلَ الضَّبِّ، ولكِنَّه لم يُحرِّمْه.

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ يَزيدُ بنُ الأصَمِّ أنَّه قدْ دَعاهم رَجلٌ مع جَماعةٍ مِن النَّاسِ للطَّعامِ، فأتى «بخِوانٍ» وهو مائدةٌ مُرتفِعةٌ عنِ الأرضِ ولها أرْجُلٌ، وعليه طَعامٌ ثَلاثةَ عَشَرَ ضبًّا، والضَّبُّ حَيوانٌ مِن جِنسِ الزَّواحِفِ يَكثُرُ في الصَّحارِي العَربيَّةِ، وهو مَعروفٌ عندَ العَربِ واعْتادوا أكْلَه، وكان هذا الطَّعامُ عَشاءً، فانقسَمَ النَّاسُ بيْنَ آكِلٍ مِن الطَّعامِ، وبيْن تارِكٍ للأكْلِ منه.

فلمَّا أصْبَحوا ذَهَبوا إلى عبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهم، ثمَّ سَألَه يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن حُكمِ أكْلِ الضَّبِّ، وأكثَرَ جُلساؤُه مِن النَّاسِ الكَلامَ في حُكمِه، حتَّى قال بَعضُهم: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا آكُلُه ولا أُحرِّمُه»، يُريدونَ بذلك أنَّ عدَمَ أكلِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للضَّبِّ أنَّ نَفْسَه تَعَافُه، لا مِن أجْلِ أنَّه حَرامٌ، وهنا تَكلَّمَ ابنُ عبَّاسٍ فذَمَّ كلامَهم وقال: «بِئسَما قُلتم؛ إنَّما بُعِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُحلًّا ومُحرِّمًا»، فيُحِلُّ ما أحَلَّه اللهُ، ويُحرِّمُ ما حرَّمَه اللهُ، وليْس ذلك كلُّه مِن عندِ نَفْسِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ثمَّ أخبَرَهمُ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قِصَّةَ ذلك، وأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان عندَ زَوجتِه مَيمونةَ بنتِ الحارِثِ رَضيَ اللهُ عنها، وعندَه الفَضلُ بنُ عبَّاسٍ، وخالدُ بنُ الوَليدِ، وتَكونُ مَيمونةُ خالَتَهما، وكانت معَهمُ امرأةٌ أُخْرى، فأُتيَ بخِوانٍ عليه خُبزٌ ولَحمُ ضَبٍّ، وكان قدْ أُهديَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولم يكُنْ يَعرِفْ أنَّه لحْمُ ضَبٍّ، فلمَّا ذهَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الطَّعامِ، وأرادَ أنْ يَأخُذَ منه لِيَأكُلَ، قالت له مَيمونةُ رَضِي اللهُ عنها: إنَّه -يا رسولَ اللهِ- لَحمُ ضَبٍّ، فأعْلَمَتْه حَقيقةَ اللَّحمِ، فكَفَّ يدَه، وأبْعَدَها عنِ الطَّعامِ، وقال: «إنَّه لَحمٌ لم آكُلْه» أي: لم آكُلْه مِن قبْلُ، ولم أتَعوَّدْ عليه، فامتَنَعَ عنه؛ لِكَراهيةِ نَفْسِه له، لا لِكَراهيةِ الشَّرعِ، وقال لهم: «كُلوا»، فسَمَح لهم بالأكْلِ منه أمامَه؛ لأنَّهم مُعتادونَ عليه، فأكَل الفَضلُ بنُ عبَّاسٍ، وخالدُ بنُ الوَليدِ، والمَرأةُ.

ولكنَّ مَيمونةَ بنتَ الحارِثِ رَضِي اللهُ عنها قالت: «لا آكُلُ مِن طَعامٍ لم يَأكُلْ منه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، وهذا مِن حُبِّها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحُبِّها لاتِّباعِه في عاداتِه، ولا يَعْني أنَّه حرامٌ؛ لأنَّه أُكِلَ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعلى مائدَتِه.

وهذا مِن رَحمتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالنَّاسِ؛ لأنَّ الضَّبَّ هو طَعامُ عامَّةِ الرِّعاءِ الَّذين يَرعَوْنَ الأنْعامَ في الصَّحْراءِ؛ لأنَّهم يَصْطادونَه ويَأكُلونَه.

وفي الحَديثِ: بَيانُ أدَبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الطَّعامِ، وأنَّه كان إذا كَرِهَ طَعامًا تَرَكَه ولم يَعِبْه.

وفيه: أنَّ مِن الأطْعمةِ المُباحةِ غيْرِ المُحرَّمةِ: ما عافَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنِفَتْ منه نَفْسُه مِن أنْواعِ الطَّعامِ بسَبَبِ عَدَمِ اعْتيادِه عليه.

الأصول والأحكام

[سنن أبي داود] (3/ 339) 3730- حدثنا مسدد، حدثنا حماد يعني ابن زيد، ح وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمر بن حرملة، عن ابن عباس ، قال: كنت في بيت ميمونة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه خالد بن الوليد فجاءوا بضبين مشويين على ثمامتين، فتبزق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد: إخالك تقذره يا رسول الله، قال ((أجل)) ثم أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقي لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن)) قال أبو داود: ((هذا لفظ مسدد))

[سنن الترمذي] (5/ 506 ت شاكر) 3455- حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا علي بن زيد، عن عمر وهو ابن أبي حرملة، عن ابن عباس ، قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه وخالد على شماله، فقال لي: ((الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدا))، فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحدا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أطعمه الله الطعام فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه)).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن)): ((هذا حديث حسن)) وقد روى بعضهم هذا الحديث عن علي بن زيد، فقال: عن عمر بن حرملة، وقال بعضهم: عمرو بن حرملة، ولا يصح

[السنن الكبرى للنسائي- العلمية] (6/ 79) 10118- أخبرنا أحمد بن ناصح قال: حدثنا ابن علية قال: حدثنا علي بن زيد قال: حدثني عمر بن أبي حرملة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أطعمه الله تعالى طعاما فليقل: اللهم أطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام ‌والشراب ‌غير ‌اللبن))

[سنن ابن ماجه] (2/ 1103 ) 3322- حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أطعمه الله طعاما، فليقل اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا، فليقل اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب، إلا اللبن))

3426- حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلبن، وعن يمينه ابن عباس، وعن يساره خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لابن عباس، ((أتأذن لي أن أسقي خالدا)) قال ابن عباس: ما أحب أن أوثر، بسؤر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على نفسي أحدا، فأخذ ابن عباس، فشرب، وشرب خالد‌‌

[مسند أحمد] (3/ 439 ط الرسالة) ((1978- حدثنا إسماعيل، أخبرنا علي بن زيد، قال: حدثني عمر بن أبي حرملة، عن ابن عباس ، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ميمونة بنت الحارث، فقالت: ألا نطعمكم من هدية أهدتها لنا أم عفيق؟ قال: فجيء بضبين مشويين، فتبزق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له خالد: كأنك تقذره؟ قال: (( أجل))، قالت: ألا أسقيكم من لبن أهدته لنا؟ فقال: بلى، قال: فجيء بإناء من لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا عن يمينه، وخالد عن شماله، فقال لي: (( الشربة لك وإن شئت آثرت بها خالدا)) فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك علي أحدا، فقال: (( من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن))

أحاديث ذات صلة