- إنَّ نبيَّ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ دخلَ نخلًا لبني النَّجَّارِ، فسمعَ صوتًا ففزعَ، فقالَ: مَن أصحابُ هذِهِ القبورِ ؟ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ناسٌ ماتوا في الجاهليَّةِ، فقالَ: تعوَّذوا باللَّهِ من عذابِ النَّارِ، ومِن فتنةِ الدَّجَّالِ قالوا: وممَّ ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ: إنَّ المؤمنَ إذا وُضعَ في قبرِهِ أتاهُ ملَكٌ فيقولُ لَهُ: ما كُنتَ تعبدُ ؟ فإنِ اللَّهُ هداهُ قالَ: كنتُ أعبدُ اللَّهَ، فيقالُ لَهُ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ ؟ فَيقولُ هوَ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، فما يَسألُ عَن شيءٍ، غيرِها، فينطَلقُ بِهِ إلى بيتٍ كانَ لَهُ في النَّارِ فيقالُ لَهُ: هذا بيتُكَ كانَ لَكَ في النَّارِ، ولَكنَّ اللَّهَ عَصمَكَ ورحمَكَ، فأبدلَكَ بِهِ بيتًا في الجنَّةِ، فيقولُ: دَعوني حتَّى أذْهبَ فأبشِّرَ أَهلي، فيقالُ لَهُ: اسْكُنْ، وإنَّ الْكافرَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ أتاهُ ملَكٌ فينتَهرُهُ فيقولُ لَهُ: ما كنتَ تعبدُ ؟ فيقولُ: لا أدري، فيقالُ لَهُ: لا دَريتَ ولا تَلَيتَ ، فيقالُ لَهُ: فما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ ؟ فيقولُ: كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيضربُهُ بمِطراقٍ من حَديدٍ بينَ أذنيْهِ، فيصيحُ صيحةً يسمعُها الخلقُ غيرُ الثَّقلينِ
أخرجه أبو داود (4751)، وأحمد (13447) واللفظ لهما، والبخاري (1338) بنحوه.
بيْنَما النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ علَى بَغْلَةٍ له وَنَحْنُ معهُ، إذْ حَادَتْ به فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وإذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ -قالَ: كَذَا كانَ يقولُ الجُرَيْرِيُّ- فَقالَ: مَن يَعْرِفُ أَصْحَابَ هذِه الأقْبُرِ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أَنَا، قالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قالَ: مَاتُوا في الإشْرَاكِ، فَقالَ: إنَّ هذِه الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِن عَذَابِ القَبْرِ الَّذي أَسْمَعُ منه.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ، قالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ، ما ظَهَرَ منها وَما بَطَنَ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وَما بَطَنَ، قالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
الراوي : زيد بن ثابت المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2867 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه عبد بن حميد (254)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5203)، وابن الأعرابي في ((معجم الشيوخ)) (35)، والطبراني (4784) (5/ 114) واللفظ لهم جميعا.
أخْبَرَنا القرآنُ الكريمُ والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بكثيرٍ مِن الغَيْبِياتِ، مِثلُ الجنَّةِ ونَعيمِها، وعَذابِ القبرِ والنَّارِ والدَّجَّالِ، ويَجِبُ الإيمانُ بكلِّ هذا مع العملِ بما أمَرَنا به؛ للفوزِ بنَعيمِ اللهِ، والنَّجاةِ مِن عَذابِه.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي زَيدُ بنُ ثابتٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان ذاتَ مرَّةٍ في بُستانٍ، وكان يَركَبُ على بغلةٍ له، وكان معه بعض الصحابة رَضيَ اللهُ عنهم، فمالَت البَغلةُ ونفرَتْ به، فكادَتْ تُلقيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ظَهرِها مِن شِدَّةِ نُفورِها مِن شَيءٍ خافتْ منه ولم يَعرِفوه، فبيْنما هُم على تلكَ الحالِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ظهرَتْ لهم قبورٌ مَعدودةٌ إمَّا أربعةٌ، أو خمسةٌ، أو سِتَّةٌ، فَسَألَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن يَعرِفُ أصحابَ هذه الأقْبُرِ؟ فأجابَ رجلٌ: أنا أعرِفُهم، فسَألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَتى ماتَ هؤلاء؟» أي: أفي الجاهليَّةِ أو بعدَها، وهلْ ماتوا مُشركينَ أو مؤمنينَ؟ فأجابَ الرَّجلُ بأنَّهم ماتُوا على الإشراكِ وفي الجاهليَّةِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلى» أي: تُمتَحَنُ وتُختبَرُ في القبرِ، ثُمَّ تُنعَّمُ أو تُعذَّبُ، فلوْلا أنِّي أخْشى ألَّا تَدفنُوا مَوتاكم، لَدعوْتُ اللهَ أنْ يَجعَلَ في أُذنِكم القُدرةَ على سَماعِ أصواتِ المعذَّبِين في القبرِ الَّذي أسْمعُه مِنَ القبرِ الآنَ، وعليه، فالمعنى: لوْلا الخوفُ والفزع الَّذي سيَقعُ في قُلوبِكم مِن سَماعِ الصُّراخِ ونحوهِ -وهو الَّذي يَترتَّبُ عليه الخوفُ مِن الدَّفنِ-؛ لتَركْتُم مَيَّتَكم غيرَ مَدفونٍ خَشيةً عليه مِن هذا العذابِ.
ثُمَّ التَفَت النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى مَن معه وجَعَلهم في قُبالةِ وَجهِه الشَّريفِ؛ ليَكونَ أسمَعَ وأبلَغَ في الموعظةِ، وأمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَستعِيذوا باللهِ مِن عَذابِ النَّارِ، فاسْتَجابوا لأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالوا: «نَعوذُ بِاللهِ مِن عَذابِ النَّارِ»، ثمَّ أمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَستعِيذوا بِاللهِ مِن عذابِ القبرِ، فقالوا: «نَعوذُ بِاللهِ مِن عذابِ القبرِ»، وقدَّمَ عَذابَ النَّارِ في الذِّكْرِ مع أنَّ عذابَ القبرِ مُقدَّمٌ في الوجودِ؛ لِكونِه أشدَّ وأبقى وأعظَمَ وأقوى، ثُمَّ أمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَستعِيذوا بِاللهِ مِنَ «الفتنِ» جمعُ فِتنةٍ، وهي الامتحانُ، وتُستعمَلُ في المكْرِ والبلاءِ، «ما ظهَرَ منها» كالقتلِ والعذابِ، «وما بطنَ» كالعداوةِ والبَغضاءِ والحسَدِ، فاسْتَجابوا وقالوا: نَعوذُ بِاللهِ مِنَ الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ، ثمَّ أمَرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَسْتعِيذوا بِاللهِ مِن «فتنةِ الدَّجَّالِ» مِن الدَّجلِ، وهو التَّغطيةُ، سُمِّي به؛ لأنَّه يُغطِّي الحَقَّ بباطِلِه، وهو شَخصٌ مِن بَني آدَمَ، يَدَّعي الأُلوهيَّةَ، وظُهورُه مِن العلاماتِ الكُبرى ليَومِ القِيامةِ، يَبتَلي اللهُ به عِبادَه، وأَقْدَره على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ تعالَى: مِن إحياءِ الميِّتِ الَّذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْهِ، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ؛ فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ اللهِ تعالَى ومَشيئتِه، وسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لأنَّه مَمْسوحُ العَيْنِ مَطْموسُها، فهو أَعْوَرُ، وقيل غيرُ ذلك.
وخصَّ فِتنةَ الدَّجَّالِ بالذِّكرِ؛ لأنَّها مِن أكبرِ الفتنِ حيثُ يُجرُّ إلى الكفْرِ الْمُفضِي إلى العذابِ الْمُخلَّدِ، فاستجابَ الصَّحابةُ الموجُودونَ وقالوا: نَعوذُ بِاللهِ مِن فتنةِ الدَّجَّالِ.
وفي الحديثِ: ثُبوتُ سَماعِ البهائمِ لِأصواتِ المعذَّبِينَ في القبورِ.
وفيه: الأمرُ بِالاستعاذةِ مِن النَّارِ وعذابِ القبرِ والفتنِ والنَّارِ وفتنةِ الدَّجَّالِ.
وفيه: ثُبوتُ عذابِ القبر.
وفيه: بَيانُ فَضلِ اللهِ العظيمِ؛ فقدْ حَجَب الثَّقلينِ عن سَماعِ ما يَلْقاه المَوتى في قُبورِهم.
وفيه: بَيانُ كَمالِ شَفقةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأُمَّتِه؛ فقدْ تَرَك دُعاءَ ربِّه بأنْ تَسمَعَ الأُمَّةُ عَذابَ القبرِ؛ لئلَّا يَترُكوا التَّدافُنَ.
سنن أبي داود (4/ 238) 4751 - حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبو نصر، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك ، قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا ففزع، فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدجال قالوا: ومم ذاك يا رسول الله؟ قال: " إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء، غيرها، فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك، فأبدلك به بيتا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين "
[مسند أحمد] (21/ 119) 13447 - حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا ففزع، فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا نبي الله: ناس ماتوا في الجاهلية، قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة الدجال قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك، فسأله: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه، قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فيقول هو عبد الله ورسوله، قال: فما يسأل عن شيء غيرها، فينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله عصمك ورحمك، فأبدلك به بيتا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن.
وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة فيسمعها الخلق غير الثقلين "
[صحيح البخاري] (2/ 90) 1338 - حدثنا عياش، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، قال: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العبد إذا وضع في قبره، وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فيراهما جميعا، وأما الكافر - أو المنافق - فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين