بَعثَنا عمرُ بنُ الخطَّابِ إلى الكوفةِ وشيَّعَنا ، فمَشى معَنا إلى موضعٍ يقالُ لَهُ صرارٌ ، فقالَ : أتدرونَ لمَ مشيتُ معَكُم ؟ قالَ : قُلنا : لِحَقِّ صُحبةِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولحقِّ الأنصارِ ، قالَ لَكِنِّي مَشيتُ معَكُم لحديثٍ أردتُ أن أحدِّثَكُم بِهِ ، وأردتُ أن تحفَظوهُ لممشايَ معَكُم ، إنَّكم تقدُمونَ على قومٍ للقُرآنِ في صدورِهِم هزيزٌ كَهَزيزِ المِرجلِ ، فإذا رأوكم مدُّوا إليكُم أعناقَهُم ، وقالوا : أصحابُ محمَّدٍ ، فأقلُّوا الرِّوايةَ عَن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأَنا شريكُكُمْ
أخرجه ابن ماجه (28) بلفظه، والدارمي (288)، والحاكم (347) كلاهما بنحوه مطولا.
على الإمامِ ووليِّ الأمرِ أنْ يُوجِّهَ أهلَ العِلمِ في دَعوتِهم للناسِ بأنْ يَعملوا بما يَنفعُهم ويَحتاجُونَه أكثرَ مِن غيرِه، وقد ضرَبَ أميرُ المؤمنِينَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه أروعَ الأمثلةِ في ذلك، كما يقولُ قَرَظَةُ بنُ كعْبٍ رضِيَ اللهُ عنه في هذا الحديثِ: "بعثَنَا عمَرُ بنُ الخطَّابِ إلى الكُوفةِ"، هي المدينةُ المشهورةُ بالعراقِ؛ وكان ذلك لِيُقرئُوا النَّاسَ القُرآنَ، ويُفقِّهوهم في الدِّينِ، "وشيَّعَنا"، أي: خرَجَ معنا للتَّوديعِ، "فمشى" عمَرُ رضِيَ اللهُ عنه، "معنا إلى موضِعٍ، يُقال له: صِرارٌ" وهو موضِعٌ بقُرْبِ المدينةِ على بُعد حوالي (5كم) من المدينةِ على طَريقِ العراقِ منها، وهو ماءٌ مُحْتفَرٌ، جاهليٌّ، على طريقِ العراقِ، وقيل: هو بناءٌ مُرتفِعٌ لِبَنِي عبدِ الأشهَلِ، "فقال لهم عمَرُ: أتدرونَ"، أي: أتعلمونَ، "لِمَ مَشَيْتُ معكم؟ "قُلْنا"، أي: قال المبعوثونَ إلى الكوفةِ: "لِحَقِّ صُحبةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولِحَقِّ الأنصارِ" وهم جماعةُ أهْلِ المدينةِ مِن الصَّحابةِ الَّذين نَصَروا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والمعنى: أنَّك مَشَيْتَ معنا أيضًا للحقِّ الَّذي جعَلَه اللهُ تعالى للأنصارِ؛ مِن وُجوبِ احترامِهم، والقيامِ بمُهِمَّاتِهم؛ لِنَصْرِهمُ الإسلامَ، وإيوائِهم أهْلَه؛ فلهم بذلك حقٌّ على كلِّ مُسلِمٍ.
قال عمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "لكنِّي" وهو استدراكٌ مِن مُقَدَّرٍ، أي: هذا الَّذي ذكَرْتُموه، وإنْ كان ممَّا يُمْشَى مِن أجْلِه، لكنَّه الآن ليس هو وحدَه حاملًا لِمَشْيِي معكم، وإنَّما "مَشَيْتُ معكم لحديثٍ"، أي: لأجْلِ بيانِ حديثٍ "أرَدْتُ أنْ أُحَدِّثَكم به، وأرَدْتُ أنْ تحفَظُوه لِمَمْشَايَ معكم"، أي: إنَّما مَشَيْتُ معكم؛ ليكونَ مَمْشَايَ هذا حاملًا لكم، وباعثًا إيَّاكم على أنْ تحفَظُوا ما أُحَدِّثُكم به؛ لأنَّهم إذا تذكَّروا مَشْيَه معهم مكانًا بعيدًا، مع كِبَرِ سِنِّه، ووجاهَتِه، وكونِه خليفةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ حمَلَهم ذلك كلُّه على أنْ يعْتَنوا بحفْظِ ما يُحَدِّثُهم به، والعمَلِ بمُقْتَضاه، ثمَّ بيَّنَ الحديثَ الَّذي يُرِيدُ أنْ يُحَدِّثَهم به، بقولِه: "إنَّكم تَقْدَمونَ"، أي: تأتون "على قومٍ للقُرآنِ في صُدورِهم هَزِيزٌ كهَزِيزِ المِرْجَلِ"، والهَزِيزُ: هو صوتُ غَلَيَانِ القِدْرِ، وتردُّدُ صوتِ الرَّعدِ.
وفي روايةٍ "قال: إنَّكم تأتونَ أهْلَ قريةٍ لهم دَوِيٌّ بالقُرآنِ كدَوِيِّ النَّحلِ".
قال: "فإذا رَأَوْكم مَدُّوا إليكم أعناقَهم"، أي: للأخْذِ عنكم، وتَسليمًا للأمْرِ إليكم، وتَحكيمًا لكم، "وقالوا: أصحابُ محمَّدٍ"، أي: هؤلاءِ أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أو: جاء أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تقديمًا لهم، ورِفْعةً لعُلُوِّ مَنقبَتِهم، "فأقِلُّوا الرِّوايةَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، أي: لا تُكْثِروا رِوايةَ أحاديثِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهم؛ لئلَّا يُشغَلُوا بذلك عن قِراءةِ القُرآنِ، وهذا هو الَّذي يُؤَيِّدُه السِّياقُ، حيث إنَّ عمَرَ رضِيَ اللهُ عنه قال لهم: "إنَّكم تَقْدَمونَ على قومٍ للقُرآنِ في صُدورِهم هَزِيزٌ...
إلخ"، فإنَّه يدلُّ على أنَّ أمْرَه لهم بالإقلالِ مِن الرِّوايةِ؛ لئلا يَشْغَلَهم كثْرَةُ الحديثِ عن قِراءةِ القُرآنِ.
وقيل: المعنى افْعَلُوا هذا نظَرًا إلى كثْرَةِ طلَبِهم، وشَوقِهم في الأخذِ عنكم؛ تعظيمًا لأمْرِ الرِّوايةِ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وقولُه: "وأنا شَريكُكم"، أي: في الأجْرِ؛ بسبَبِ أنَّه الدَّالُّ لهم على الخيرِ، والباعِثُ لهم عليه؛ لأنَّ الدَّالَّ على الخيرِ كفاعِلِه.
وقد فُهِمَ مِن هذا الحديثِ: أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه إنَّما أَوْصى أصحابَه بالكَفِّ والتَّوقِّي عن قولِ الحديثِ عندَ أهْلِ الكوفةِ؛ وأنَّه لا يَغُرُّهم تقديمُ أهْلِ الكوفةِ لهم، فيحْمِلُهم هذا على الإكثارِ مِن الرِّوايةِ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على الإقلالِ مِن الرِّوايةِ؛ خوفًا مِن الاشتِغالِ به عنِ القُرآنِ، لا خوفًا مِن الزِّيادةِ والنُّقصانِ.
وفيه: بيانُ تواضُعِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، حيث خرَجَ بنفْسِه ليُودِّعَ أهْلَ العلْمِ؛ إذ خَرَجوا لنشْرِ علْمِهم، وتفقيهِ الأُمَّةِ، ودَعوتِها إلى السُّنَّةِ المُطهَّرةِ.
وفيه: الحثُّ على مُلازمةِ القُرآنِ، وعدَمِ الاشتِغالِ بغيرِه، وهذا إذا كان يَخْشى أنْ يَنْساه.
سنن ابن ماجه (1/ 12 ت عبد الباقي) :
28 - حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن قرظة بن كعب، قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيعنا، فمشى معنا إلى موضع يقال له صرار، فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا: لحق صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحق الأنصار، قال " لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنا شريككم
[مسند الدارمي - ت حسين أسد] (1/ 329) :
288 - أخبرنا يزيد بن هارون، أنبأنا أشعث بن سوار، عن الشعبي، عن قرظة بن كعب، قال: بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رهطا من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم، فجعل يمشي معنا حتى أتى صرار - وصرار: ماء في طريق المدينة - فجعل ينفض التراب عن رجليه، ثم قال: " إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث، وثنتان تجزيان ".
ثم قال: " إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن فيقولون: قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث.
فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا شريككم فيه قال قرظة: وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لمن أحفظهم له.
فإذا ذكرت وصية عمر رضي الله عنه سكت.
قال أبو محمد: معناه عندي: الحديث عن أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس السنن والفرائض .
[المستدرك على الصحيحين] (1/ 183) :
347 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، قال: سمعت سفيان بن عيينة، يحدث، عن بيان، عن عامر الشعبي، عن قرظة بن كعب، قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار فتوضأ ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامضوا وأنا شريككم فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا ابن الخطاب هذا حديث صحيح الإسناد، له طرق تجمع ويذاكر بها وقرظة بن كعب الأنصاري صحابي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شرطنا في الصحابة أن لا نطويهم، وأما سائر رواته فقد احتجا به