غزَونا معَ أبي بَكْرٍ هَوازنَ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فنفَّلَني جاريةً من بَني فزارةَ من أجملِ العربِ، عليها قَشعٌ لَها، فما كشفتُ لَها عن ثَوبٍ، حتَّى أتيتُ المدينةَ، فلقيَني النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في السُّوقِ، فقالَ: للَّهِ أبوكَ هَبها لي فوَهَبتُها لَهُ، فبعثَ بِها، فَفادى بِها أُسارَى من أُسارَى المسلِمينَ كانوا بمَكَّةَ
أخرجه ابن ماجة (2846) واللفظ له، ومسلم (1755)، وأحمد (16502) بنحوه تامًا.
كان النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعْطي المُحاربينَ والمُجاهِدينَ مِن غنائمِ الحُروبِ بما خوَّلَه اللهُ في ذلك، وكان ربَّما استسمَحَ بعضَهم في بعضِ ما أخَذَه؛ ليَفْدِيَ به الأسرى، أو ينفَعَ به المُسلمينَ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ سَلَمَةُ بنُ الأكوعِ رضِيَ اللهُ عنه: "غزَوْنا مع أبي بكرٍ هَوازِنَ على عهْدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، وهوازنُ: قَبيلةٌ من العربِ كانوا قد قاتَلوا النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وادي حُنَينٍ بعدَ فتحِ مكَّةَ، وهو وادٍ وراءَ عرفةَ دونَ الطَّائفِ، وقيل: بينه وبين مكَّةَ ليالٍ، وتُسَمَّى غَزوةَ حُنَينٍ، وكانتِ الغنائمُ فيها من السَّبْيِ والأموالِ أكثرَ من أنْ تُحْصى، "فنفَّلَني"، أي: أعطاني مِن الغنيمةِ زيادةً على سَهْمي، "جاريةً من بَني فَزارةَ مِن أجملِ العربِ، عليها قَشْعٌ لها"، أي: فَرْوٌ قديمٌ خَلَقٌ، "فما كشَفْتُ لها عن ثوبٍ"، أي: لم أُجامِعْها ولم أقْرَبْها، "حتَّى أتيتُ المدينةَ، فلَقِيَني النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في السُّوقِ، فقال: للهِ أبوكَ" هو في حُكمِ القسَمِ؛ كأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عزَمَ عليه، "هَبْهَا لي"، أي: أعْطِني إيَّاها على سبيلِ الهِبَةِ دونَ مُقابلٍ، قال: "فوهَبْتُها له، فبعَثَ بها، ففادَى بها أُسارى مِن أُسارى المُسلمينَ كانوا بمكَّةَ"، أي: جعَلَها النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مُقابِلِ فَكاكِ بعضِ أسرى الحربِ الَّذين كانوا مُحتجَزينَ في مكَّةَ.
وفي الحديثِ: عملُ الإمامِ على فِداءِ أَسرى المسلِمين، والبحثُ عن كلِّ نفيسٍ لدَفْعِه في فِدائِهم وتَخليصِهم من الأَسْرِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ استوهابِ الإمامِ بَعضَ النَّفلِ مِن بعضِ الجُنودِ؛ للمَصلحةِ العامَّة.
[سنن ابن ماجه] (2/ 949) 2846 - حدثنا علي بن محمد، ومحمد بن إسماعيل، قالا حدثنا وكيع، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه ، قال: غزونا مع أبي بكر هوازن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفلني جارية من بني فزارة من أجمل العرب، عليها قشع لها، فما كشفت لها عن ثوب، حتى أتيت المدينة، فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال: لله أبوك هبها لي فوهبتها له، فبعث بها، ففادى بها أسارى من أسارى المسلمين كانوا بمكة "
[صحيح مسلم] (3/ 1375) 46 - (1755) حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة، حدثني أبي ، قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه، وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم - قال: القشع: النطع - معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق، فقال لي: يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك، فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوبا، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة
[مسند أحمد] (27/ 27) 16502 - حدثنا بهز، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، قال: غزونا فزارة فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، قال: فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشنينا الغارة، فقتلنا على الماء من قتلنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل، وأنا أعدو في آثارهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر رضي الله عنه، حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزارة، عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر ابنتها، قال: فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، قال: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال لي: يا سلمة، هب لي المرأة ، قال: فقلت: يا رسول الله، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك ، قال: قلت: يا رسول الله، والله أعجبتني ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال: فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة