لمَّا نزلَت الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ فَكانت فارسُ يومَ نزَلت هذِهِ الآيةُ قاهرينَ للرُّومِ وَكانَ المسلِمونَ يحبُّونَ ظُهورَ الرُّومِ عليهم لأنَّهم وإيَّاهم أَهْلُ كتابٍ وفي ذلِكَ قولُ اللَّهِ تعالى وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ وكانت قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهورَ فارسَ لأنَّهم وإيَّاهم لَيسوا بأَهْلِ كتابٍ ولا إيمانٍ ببَعثٍ فلمَّا أنزلَ اللَّهُ هذِهِ الآيةَ خرجَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ يصيحُ في نواحي مَكَّةَ الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ قالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لأبي بكرٍ فذلِكَ بينَنا وبينَكُم زَعمَ صاحبُكَ أنَّ الرُّومَ ستَغلِبُ فارسَ في بِضعِ سنينَ أفلا نراهنُكَ علَى ذلِكَ قالَ بلى وذلِكَ قبلَ تحريمِ الرِّهانِ فارتَهَنَ أبو بكرٍ والمشرِكونَ وتواضَعوا الرِّهانَ وقالوا لأبي بكرٍ كم تجعلُ البِضعُ ثلاثُ سنينَ إلى تِسعِ سنينَ فسَمِّ بينَنا وبينَكَ وسطًا تنتَهي إليهِ قالَ فسمَّوا بينَهُم ستَّ سنينَ قالَ فمَضتِ السِّتُّ سنينَ قبلَ أن يَظهروا فأخذَ المشرِكونَ رَهْنَ أبي بكرٍ فلمَّا دخلتِ السَّنةُ السَّابعةُ ظَهَرتِ الرُّومُ علَى فارسَ فعابَ المسلِمونَ علَى أبي بكرٍ تَسميةَ ستِّ سنينَ قال : لأنَّ اللَّهَ تعالى قالَ في بضعِ سنينَ قالَ وأسلمَ عندَ ذلِكَ ناسٌ كثيرٌ
أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (2481)، واللفظ له، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (7/ 442)، بنحوه، وعبدالله بن أحمد في ((السنة)) مختصرا.أخرجه الترمذي (3194)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (2481)، واللفظ لهما، وعبدالله بن أحمد في ((السنة)) مختصرا.
في قولِ اللَّهِ تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قالَ غُلِبَت وغَلَبت كانَ المشرِكونَ يحبُّونَ أن يظْهرَ أَهلُ فارسَ على الرُّومِ لأنَّهم وإيَّاهم أَهلُ الأوثانٍ وَكانَ المسلمونَ يحبُّونَ أن يظْهرَ الرُّومُ على فارسَ لأنَّهم أَهلُ الكتابٍ فذَكروهُ لأبي بَكرٍ فذَكرَهُ أبو بَكرٍ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ أما إنَّهم سيَغلِبونَ فذَكرَهُ أبو بَكرٍ لَهم فقالوا اجعل بينَنا وبينَكَ أجلًا فإن ظَهرنا كانَ لنا كذا وَكذا وإن ظَهرتُم كانَ لَكم كذا وَكذا فجعلَ أجلًا خمسَ سنينَ فلم يظْهَروا فذَكروا ذلِكَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ ألا جعلتَهُ إلى دونَ - قالَ أراهُ العشرَ قال قالَ سعيدٌ والبِضعُ ما دونَ العشرِ - قالَ ثمَّ ظَهرتِ الرُّومُ بعدُ.
قالَ فذلِكَ قولُهُ تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى قولِهِ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ قالَ سفيانُ سمعتُ أنَّهم ظَهروا عليْهم يومَ بدرٍ الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : الألباني المصدر : صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3193 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الترمذي (3193) واللفظ له، وأحمد (2495) باختلاف يسير كانتِ الفُرسُ والرُّومُ أكبرَ دولتينِ في زمانِهما، وكان بينهما من الصِّراعِ والحُروبِ الكثيرُ، وكان النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يحِبُّ النَّصرَ لأتْباعِ الرُّسلِ من أهلِ الكِتابِ وهم الرُّومِ على المُشرِكين وهم الفُرسُ؛ حتَّى يَطمئنَّ المُسلِمون ويثْبُتوا، وحتَّى يغتاظَ الكُفَّارُ، وقد أنزَلَ اللهُ في كتابِه آياتٍ تُعبِّرُ عن هذه الأحداثِ "في قولِ اللهِ تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 1 - 3] ، قال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما في هذا الآياتِ: "غُلِبت وغَلَبت"، أي: غلَبَهم الفُرْسُ أوَّلًا، ثمَّ تغلَّبَ الرُّومُ على الفُرْسِ آخِرًا، "كان المُشرِكون يحِبُّون أنْ يظهَرَ أهلُ فارسَ على الرُّومِ؛ لأنَّهم أهلُ أوثانٍ" حيثُ كان الفُرْسُ يعبدونَ النَّارَ، والمُشرِكون من العربِ يَعبدونَ الأصنامَ والأحجارَ، "وكان المُسلِمون يحِبُّون أنْ يظهَرَ الرُّومُ على فارسَ؛ لأنَّهم أهلُ كتابٍ، "فذكَروه لأبي بَكرٍ"، أي: ذكَرَ المُشرِكون كفَّارُ مكَّةَ لأبى بكرٍ أنَّ كِسرى ملِكَ فارِسَ بعَثَ جيشًا إلى قَيصرَ ملِكِ الرُّومِ، فغلَبَت فارِسُ الرُّومَ، يُشيرون بذلك إلى أنَّهم لو قاتلوا المُسلِمين كقِتالِ فارِسَ للرُّومِ، سيَظْهرون عليهم ويَنتصِرون، "فذكَره أبو بكرٍ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: أمَّا إنَّهم سيغْلِبون"، أي: ستغلِبُ الرُّومُ الفُرْسَ بعدَ هزيمتِهم، "فذكَره أبو بكرٍ لهم"، أي: أخبَرَهم أبو بكرٍ أنَّ الرُّومَ ستهزِمُ الفُرْسَ كما أخبَره به رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال المُشرِكون: "اجْعَلْ بيننا وبينك أجلًا"، أي: موعدًا مُحدَّدًا في المُستقبلِ يَنْتهي فيه قولُك بالنَّصرِ للرُّومِ، "فإنْ ظهَرْنا"، أي: غلبْنا، وقد جعَلَ المُشرِكون أنفُسَهم مع فريقِ الفُرْسِ، مع أنَّ المُشرِكين من أهلِ مكَّة لا يُقاتِلون الرُّومَ؛ لأنَّهم يُحِبُّونهم ويرجون لهم النَّصرَ كما تقدَّمَ، "كان لنا كذا وكذا"، أي: من المالِ، "وإنْ ظهَرْتُم"، أي: وإنِ انتصرْتُم أنتم وفريقُكم من أهلِ الكتابِ، "كان لكم كذا وكذا"، أي: من المالِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: "فجعَلَ أجلًا خمْسَ سِنينَ"، أي: سمَّى أبو بكرٍ لهم مُدَّةَ خمْسِ سنينَ يأتي فيها خبَرُ نصْرِ الرُّومِ على الفُرْسِ، "فلم يظْهروا"، أي: لم تهزِمِ الرُّومُ الفُرْسَ في تلك المُدَّةِ، "فذكروا ذلك للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، أي: أخبَرَه أبو بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه بأجَلِه مع مُشْركي مكَّةَ، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ألَا جعلْتَه إلى دونَ؟"، وفي روايةٍ: "أفلا جَعَلتَه إلى دُونِ العَشْرِ" أيْ: ألَا جعَلْتَ الأجَلَ إلى آخِرِ البِضعِ، وهو تِسعُ سِنينَ؛ ليكونَ أمْكَنَ في تَحديدِ مَوْعِدِ وُقوعِ النَّصْرِ، واحْترازًا مِن تأخُّرِه إلى آخِرِ الوقتِ المحدَّدِ دُونِ العَشْرِ، "قال: أُراهُ العَشْرَ.
قال: قال سعيدٌ" وهو ابنُ جُبيرٍ الرَّاوي عنِ ابنِ عبَّاسٍ: "والبِضْعُ ما دونَ العَشْرِ"، أي: دونَ العَشْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ}، والبِضْعُ من الثَّلاثِ إلى التِّسعِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "ثمَّ ظهرَتِ الرُّومُ بعدُ"، أي: انتصرَتْ بعدَ تلك الخمْسِ سِنينَ، قال: "فذلك قولُه تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1 - 5] ، قال سُفيانُ الثَّوريُّ- من رُواةِ هذا الحديثِ-: "سمِعْتُ أنَّهم ظهَروا عليهم يومَ بدْرٍ"، أي: في غَزوةِ بدْرٍ، ففرِحَ المُسلِمون بنصرِ اللهِ لهم على المُشرِكين، وبنَصْرِه لأهلِ الكِتابِ على الفُرْسِ.
وفي الحديثِ: بَيانُ تأييدِ اللهِ لرَسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَسليتِه بالأحداثِ والعِبَرِ مع غيرِه من الأُمَمِ.
وفيه: دليلٌ من دلائلِ نُبوَّتِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفيه: بيانُ مَنزلةِ أبي بكر رضِي اللهُ عنه في الإسلامِ.
سنن الترمذي (5/ 344) :
3194 - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم الأسلمي ، قال: " لما نزلت {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} [الروم: 2] فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} [الروم: 4] فكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} [الروم: 1] قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك، قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، لأن الله تعالى قال في بضع سنين، قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير ": هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث نيار بن مكرم، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد
التاريخ الكبير للبخاري (8/ 139 ت المعلمي اليماني) :
2481 - نيار بن مكرم الأسلمي نا محمد قال نا اسمعيل ابن أبي أويس قال نا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم قال لما أنزل الله (الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم لأنهم واياهم أهل الكتاب وفي ذلك أنزل الله عزوجل (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكمى) وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة (الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين (فقال ناس من قريش لأبي بكر فذلك بينا وبينكم زعم صاحبكم أن الروم
ستغلب فارسا في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك؟ قال بلى! قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر كيف تجعل البضع؟ فان البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه فسموا ست سنين فمضت الست سنين قبل أن تظهر الروم على فارس وأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المشركون على أبي بكر ست سنين لأن الله قال في بضع سنين
السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 143) :
116 - حدثني أبو معمر، عن سريج بن النعمان، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم ، أن أبا بكر رضي الله عنه: " خاطر قوما من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس فغلبت الروم فنزلت {الم} [الشورى: 9] {غلبت الروم} [الروم: 2] فأتى قريشا فقرأها عليهم فقالوا كلامك هذا أم كلام صاحبك؟ قال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله عز وجل