ما أرى عليَّ جناحًا، أن لا أطَّوَّفَ بينَ الصَّفا والمروَةِ، قالَت: " إنَّ اللَّهَ يقولُ: إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ، أَوِ اعْتَمَرَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ولو كانَ كما تقولُ: لَكانَ فلا جناحَ عليْهِ أن، لا يطَّوَّفَ بِهما، إنَّما أنزلَ هذا في ناسٍ منَ الأنصار، كانوا إذا أَهلُّوا، أَهلُّوا لمناةَ، فلا يحلُّ لَهم أن يطَّوَّفوا بينَ الصَّفا والمروةِ، فلمَّا قدِموا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ في الحجِّ، ذَكروا ذلِكَ لَه، فأنزلَها اللَّهُ، فلَعَمري ما أتَمَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، حجَّ، من لم يطُف بينَ الصَّفا، والمروةِ
أخرجه البخاري (1643)، ومسلم (1277)، وأبو داود (1901)، وابن ماجه (2986) واللفظ لهم جميعا.
سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] ، فَوَاللَّهِ ما علَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لا يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ، قالَتْ: بئْسَ ما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي! إنَّ هذِه لو كَانَتْ كما أَوَّلْتَهَا عليه، كَانَتْ: لا جُنَاحَ عليه أَنْ لا يَتَطَوَّفَ بهِمَا، ولَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ في الأنْصَارِ؛ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكانَ مَن أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا، سَأَلُوا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلكَ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] الآيَةَ.
قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وقدْ سَنَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الطَّوَافَ بيْنَهُمَا، فليسَ لأحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بيْنَهُمَا، ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بنَ عبدِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: إنَّ هذا لَعِلْمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ، ولقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِن أَهْلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ: أنَّ النَّاسَ -إلَّا مَن ذَكَرَتْ عَائِشَةُ- مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بمَنَاةَ، كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بالصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا والمَرْوَةَ في القُرْآنِ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كُنَّا نَطُوفُ بالصَّفَا والمَرْوَةِ وإنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بالبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا، فَهلْ عَلَيْنَا مِن حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ؟ فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] الآيَةَ.
قالَ أَبُو بَكْرٍ: فأسْمَعُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا؛ في الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بالجَاهِلِيَّةِ بالصَّفَا والمَرْوَةِ، والذينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بهِما في الإسْلَامِ؛ مِن أَجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بالطَّوَافِ بالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حتَّى ذَكَرَ ذلكَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوَافَ بالبَيْتِ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1643 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه ابن حبان (3840) باختلاف يسير، ومسلم (1277)، والنسائي في ((الكبرى)) (3946) بنحوه.
الحَجُّ عِبادةٌ تَوقيفيَّةٌ، عَلَّمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَه إيَّاها بالفِعلِ وبالقَولِ، وقد نَقَلوا لنا صِفةَ هذه العِبادةِ كما رَأوْها وأدَّوْها معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَضيَ اللهُ عنهم.
وفي هذا الحَديثِ يَروي التَّابِعيُّ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّه سَألَ خالتَه أُمَّ المُؤمِنينَ، عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها، عن مَعنى قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] ؛ حيثُ فَهِمَ منها أنَّ السَّعيَ غَيرُ واجِبٍ على الحاجِّ، فأجابَتْه بأنَّه قد أخطَأ في فَهمِه، وأنَّ الآيةَ أُنزِلَتْ في الأنْصارِ؛ حيثُ كانوا قَبلَ أنْ يُسلِموا يَحُجُّونَ لِصَنمٍ يُسَمَّى مَناةَ، عِندَ المُشَلَّلِ، وهو جَبلٌ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، يُهبَطُ منه إلى قُدَيْدٍ، فكان مَن حَجَّ مِنَ الأنصارِ يَرى في السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ إثمًا عَظيمًا؛ لأنَّهما كان فيهما صَنمانِ يَعبُدُهما غَيرُهم، وهما إسافٌ ونائِلةُ، وكانوا يَكرَهونَهما.
فلَمَّا أسلَموا سَألوا رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن ذلك، فأنزلَ اللهُ تعالَى الآيةَ، فبَيَّنَ لهم أنَّه لا إثمَ عليهم في السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، كما كانوا يَظُنُّونَ؛ لأنَّ السَّعيَ بَينَهما مِن شَعائرِ اللهِ، أيْ: مِن مَناسِكِ الحَجِّ والعُمرةِ.
وقال الزُّهريُّ: ثم أخبَرتُ أبا بَكرِ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بحَديثِ عائِشةَ، فأعجَبَه ذلك، وقال: إنَّ هذا لَعِلْمٌ، أيْ: إنَّ كلامَ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها لَعِلْمٌ ما كُنتُ سَمِعتُه.
ثم بَيَّنَ أنَّه سَمِعَ رِجالًا مِن أهلِ العِلمِ قالوا بغَيرِ الذي قالَتْه عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها؛ فإنَّهم لم يَخُصُّوا سَبَبَ نُزولِ الآيةِ بطائِفةٍ واحِدةٍ، وهي الأنصارُ الذين كانوا يَتحرَّجونَ مِنَ الطَّوافِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، بل ذَكَروا طائِفةً أُخرى عَكْسَها، مِمَّن كان يُهِلُّ بمَناةَ، كانوا يَطوفونَ كُلُّهم بالصَّفا والمَروةِ ولا يَتحرَّجونَ، فلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تعالَى الطَّوافَ بالبَيتِ ولم يَذكُرِ الصَّفا والمَروةَ في القُرآنِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، كنَّا نَطوفُ بالصَّفا والمَروةِ في الجاهليَّةِ، وإنَّ اللهَ أنزَلَ في القُرآنِ الطَّوافَ بالبَيتِ، فلم يَذكُرِ الصَّفا والمَروةَ؛ فهل علينا مِن إثْمٍ أنْ نَطوفَ بالصَّفا والمَروةِ؟ وإنَّما سَألوا عن ذلك بِناءً على ما ظَنُّوه مِن أنَّ التَّطوُّفَ بِهما مِن فِعلِ الجاهليَّةِ، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ، قال أبو بَكرٍ: فأسمَعُ هذه الآيةَ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} نزَلَتْ في الفَريقَيْنِ كِلَيْهما؛ في الأنصارِ الذين كانوا يَتحرَّجونَ، وقَومٍ مِنَ العَربِ الذين كانوا يَطوفونَ ثم تَحرَّجوا أنْ يَطوفوا في الإسلامِ.
وفي الحَديثِ: أهميَّةُ تَدارُسِ العِلمِ بَينَ العُلَماءِ وتَلاميذِهم؛ لِتَصويبِ المَفاهيمِ الخَطَأِ.
[صحيح البخاري] (2/ 157) :
1643 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال عروة: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158].
الآية قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون: أن الناس، - إلا من ذكرت عائشة - ممن كان يهل بمناة، كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] الآية قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك، بعد ما ذكر الطواف بالبيت
[صحيح مسلم] (2/ 928 ) :
259 - (1277) حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ، قال: قلت لها: إني لأظن رجلا، لو لم يطف بين الصفا والمروة، ما ضره، قالت: لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] إلى آخر الآية، فقالت: " ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، قالت: فأنزل الله عز وجل {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] إلى آخرها، قالت: فطافوا "
سنن أبي داود (2/ 181) :
1901 - حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، ح وحدثنا ابن السرح، حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما، قالت عائشة: كلا لو كان كما تقول: كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158]
[سنن ابن ماجه] (2/ 994 ) :
2986 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: قلت لعائشة : ما أرى علي جناحا، أن لا أطوف بين الصفا والمروة، قالت: " إن الله يقول: {إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت، أو اعتمر، فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] ولو كان كما تقول: لكان فلا جناح عليه أن، لا يطوف بهما، إنما أنزل هذا في ناس من الأنصار، كانوا إذا أهلوا، أهلوا لمناة، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، ذكروا ذلك له، فأنزلها الله، فلعمري ما أتم الله عز وجل، حج، من لم يطف بين الصفا، والمروة "