قعدَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي اللَّه عنه في مقعدِكَ الذي أنتَ فيهِ فقالَ لاَ أخرجُ حتَّى أقسِمَ مالَ الْكعبةِ.
قالَ قلتُ ما أنتَ بفاعلٍ.
قالَ بلي لأفعلنَّ.
قالَ قلتُ ما أنتَ بفاعلٍ.
قالَ لمَ قلتُ لأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلم- قد رأى مَكانَهُ وأبو بَكرٍ - رضي اللَّه عنه - وَهما أحوجُ منْكَ إلي المالِ فلم يخرجاه فقامَ فخرج.
أخرجه أبو داود (2031)، وابن ماجه (3116) وفي أوله قصة، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (3702) جميعًا بلفظه، وأخرجه البخاري (1594)، وأحمد (15382) كلاهما بنحوه .
بعثَ رجلٌ مَعيَ بدراهمَ هديَّةً إلى البيتِ، قالَ: فدَخلتُ البيتَ وشَيبةُ جالسٌ علَى كرسيٍّ، فَناولتُهُ إيَّاها، فقالَ له: ألَكَ هذِهِ؟ قلتُ: لا، ولو كانت لي، لم آتِكَ بِها، قالَ: أما لئن قُلتَ ذلِكَ، لقد جلسَ عمرُ بنُ الخطَّابِ مجلسَكَ الَّذي جَلستَ فيهِ، فقالَ: لا أخرجُ، حتَّى أقسِمَ مالَ الكعبةِ بينَ فقراءِ المسلمين قلتُ: ما أنتَ فاعلٌ، قالَ: لأفعَلنَّ، قالَ: ولمَ ذاكَ؟ قلتُ: لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قد رأى مَكانَهُ، وأبو بَكْرٍ وَهُما أحوَجُ منكَ إلى المالِ، فلم يُحرِّكاهُ، فقامَ كما هوَ، فخَرجَ الراوي : شيبة بن عثمان المحدث : الألباني المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 2546 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه ابن ماجه (3116) بلفظه، وأبو داود (2031)، والطبراني (7/ 300)، (7195) كلاهما باختلاف يسير.
الكَعْبةُ المشرَّفَةُ لها مَكانةٌ عَظيمَةٌ في نُفوسِ المسلِمين، وقد جعَلها اللهُ مقدَّسةً، وكان النَّاسُ يُهْدون إليها الأموالَ والنُّذورَ، فيَجتمِعُ في الكَعْبةِ شيءٌ عَظيمٌ مِن الأموالِ.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ أبو وائلٍ شَقيقُ بنُ سلَمَةَ: "بعَث رجُلٌ مَعي بدراهِمَ هديَّةً إلى البيْتِ"، أي: يُهْديها إلى الكَعْبةِ المشرَّفَةِ، قال: "فدخَلْتُ البيْتَ وشَيبةُ جالِسٌ على كُرسيٍّ"، يعني: شَيْبَةَ بنَ عُثمانَ بنِ طلْحَةَ العبدَريَّ رَضي اللهُ عنه الحَجَبيَّ نِسبةً إلى حِجابَةِ الكَعْبةِ، يُكنى أبا عُثمانَ، "فناوَلْتُه إيَّاها"، أي: فأَعطَيتُ الدَّراهِمَ لِشَيْبةَ، فقال له شَيبةُ رَضي اللهُ عنه: "ألَكَ هذه؟"، يَقصِدُ المالَ الَّذي أتَى به للكعبَةِ، قال شَقيقٌ: "لا، ولو كانت لي لم آتِكَ بها"، أي: إنَّ هذا المالَ مُهْدًى إلى الكَعْبةِ، ولو كنتُ أَملِكُه لأنفَقْتُه وتصدَّقتُ به؛ لأنَّ الكَعْبةَ مُستغنِيَةٌ عن المالِ؛ فالتَّصدُّقُ به أفضَلُ، فقال شَيبةُ رَضي اللهُ عنه: "أمَا لَئِنْ قُلتَ ذلك، لقد جلَس عُمَرُ بنُ الخطَّابِ مجلِسَك الَّذي جلَسْتَ فيه، فقال: لا أخرُجُ، حتَّى أقسِمَ مالَ الكَعْبةِ بين فُقراءِ المسلِمينَ"، ومالُ الكَعْبةِ هو ما يُهْدى إليها أو يُنذَرُ لها، وكانوا في الجاهليَّةِ يُهْدونَ إلى الكَعْبةِ المالَ؛ تعظيمًا لها، فيَجتمِعُ فيها، فأراد عُمرُ بنُ الخطَّابِ قِسْمتَه بينَ الفُقراءِ وفي مَنافِعِ المسلمين وعدمَ ترْكِه هكذا.
فقال شَيبةُ لعُمرَ رَضي اللهُ عنهما: "ما أنت فاعِلٌ"، أي: ليس لكَ ذلِك، فقال عُمرُ رَضي اللهُ عنه: "لأفعَلَنَّ"، "قال: ولم ذاك؟"، وفي رِوايةِ أبي داودَ: قال شَيبةُ: "قلتُ: ما أنت بفاعِلٍ، قال: لم؟"، أي: يَسأَلُ عُمرُ شيْبَةَ عن حُجَّةِ مَنْعِه مِن إنفاقِ مالِ الكَعْبةِ، فقال شَيبةُ رَضي اللهُ عنه: "لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قد رأى مَكانَه، وأبو بَكرٍ وهما أحوَجُ منك إلى المالِ، فلم يُحرِّكاه"، أي: تَركا مالَ الكَعْبةِ ولَم يُنفِقاه وهما مُحتاجان إليه أكثرَ مِن عُمرَ الَّذي كثُرَ المالُ في عهْدِه، "فقام كما هو، فخرَج"، أي: خرَج عُمرُ وأعرَض عن فِكرةِ قِسمةِ مالِ الكَعْبةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم هو وأبو بَكرٍ الصِّديقُ لم يُقسِّما مالَ الكَعْبةِ، كأنَّه استدلَّ بترْكِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وترْكِ أبي بَكرٍ رَضي اللهُ عنه لِمالِ الكَعْبةِ مع عِلمِهما به وحاجَتِهما إليه على أنَّه لا يَجوزُ إخراجُه والتَّعرُّضُ له، ووافَقه عُمرُ رضي الله تعالى عنه على ذلك، ومقصِدُ عرْضُ هذه القصَّةِ مِن شَيبةَ لأبي وائلٍ شَقيقِ بنِ سلَمَةَ أنَّه لو كان التَّصدُّقُ أفضَلَ لأخرَجها النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وأبو بَكرٍ، وكذلك عُمرُ، إلَّا أنَّه آثَر ترْكَ المالِ؛ لتَرْكِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وأبي بَكرٍ له.
قيل: وإنَّما ترَك النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وأبو بَكرٍ ذلك؛ لأنَّ ما جُعِل في الكَعْبةِ وسُبِّلَ لها يَجري مَجرى الأوقافِ؛ فلا يَجوزُ تَغييرُه عن وَجْهِه، وفي ذلك تَعظيمُ الإسلامِ وترْهيبُ العَدوِّ.
وقيل: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كان يُراعي حَداثةَ عهْدِ أهْلِ مكَّةَ بالجاهليَّةِ، وأبو بَكْرٍ لم يَفرُغْ لأمثالِ هذه الأمورِ، ومِثلُ ذلك ترْكُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بِناءَ الكَعْبةِ على قواعِدِ إبراهيمَ، ويُؤيِّدُه ما وقَع عند مسلِمٍ في بعضِ طرُقِ حديثِ عائشةَ رَضي اللهُ عنها في بِناءِ الكَعْبةِ: "لأنفقْتُ كنْزَ الكَعْبةِ"، وأصْلُه عند البُخاريِّ، ولفظُه: "لولا أنَّ قومَكِ حديثو عهْدٍ بكفْرٍ لأنفقتُ كَنزَ الكَعْبةِ في سَبيلِ اللهِ، ولجَعلتُ بابَها بالأرضِ"، وعلى هذا فإنفاقُه جائزٌ كما جاز لابنِ الزُّبيرِ بناؤُها على قواعِدِ إبراهيمَ لِزوالِ سبَبِ الامتِناعِ، ولولا قولُه في الحديثِ: "في سَبيلِ اللهِ" لأمكَن أنْ يُحمَلَ الإنفاقُ على ما يتعلَّقُ بها؛ فيَرجِعُ إلى أنَّ حُكمَه حُكمُ التَّحبيسِ، ويمكنُ أن يُحمَلَ قولُه: "في سَبيلِ اللهِ" على ذلك؛ لأنَّ عِمارَةَ الكَعْبةِ يَصدُقُ عليها أنَّه في سَبيلِ اللهِ، وعُلِم مِن هذا أنَّه لا يجوزُ صَرْفُ ذلك في فُقراءِ المسلمين؛ بَل يَصرِفُه القَيِّمُ في الجِهَةِ المنذورَةِ، وربَّما تَهدَّم البيْتُ أو تعَطَّلَت بعضُ آلاتِه، فيُصرَفُ ذلك فيه.
سنن أبي داود (2/ 164 ط مع عون المعبود) :
2031 - حدثنا أحمد بن حنبل ، نا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن الشيباني ، عن واصل الأحدب ، عن شقيق ، عن شيبة يعني ابن عثمان قال: قعد عمر بن الخطاب في مقعدك الذي أنت فيه، فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة قال: قلت: ما أنت بفاعل قال: بلى لأفعلن قال: قلت: ما أنت بفاعل قال: لم؟ قلت: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام، فخرج.
[سنن ابن ماجه] (2/ 1040 ) :
3116 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا المحاربي، عن الشيباني، عن واصل الأحدب، عن شقيق، قال: بعث رجل معي بدراهم هدية إلى البيت، قال: فدخلت البيت وشيبة جالس على كرسي، فناولته إياها، فقال: ألك هذه؟ قلت: لا، ولو كانت لي، لم آتك بها، قال: أما لئن قلت ذلك، لقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذي جلست فيه، فقال: لا أخرج، حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين قلت: ما أنت فاعل، قال: لأفعلن، قال: ولم ذاك؟ قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه، وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام كما هو، فخرج
معرفة الصحابة لأبي نعيم (3/ 1462) :
3702 - حدثنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان، ثنا موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وخلاد بن أسلم، قالا: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن واصل، عن شقيق، قال: بعث معي رجل بدراهم هديا إلى الكعبة، وقال ابن أبي شيبة: إلى البيت قال: فدخلت البيت وشيبة جالس على كرسي فناولته إياها فقال: لك هذه؟ قلت: لو كانت لي لم آتك بها قال: لئن قلت ذاك، فقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذي أنت فيه، فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل قال: بلى لأفعلن، ولم ذاك؟ قال: قلت: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قد رأيا مكانه، فلم يحركاه وهما أحوج إلى المال منك قال: فقام فخرج " قال موسى: لفظ بعضهما في بعض رواه أبو نعيم، عن حفص بن غياث، عن الشيباني مثله، ورواه سفيان بن عيينة، وقبيصة جميعا عن سفيان الثوري، عن واصل، مثله
[صحيح البخاري] (2/ 149) :
1594 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب: حدثنا خالد بن الحارث: حدثنا سفيان: حدثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: جئت إلى شيبة وحدثنا قبيصة: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته.
قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما.
[مسند أحمد] (24/ 102 ط الرسالة) :
15382 - حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، قال: جلست إلى شيبة بن عثمان ، فقال: جلس عمر بن الخطاب في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين الناس.
قال: قلت: ليس ذلك لك، قد سبقك صاحباك لم يفعلا ذلك، فقال: هما المرآن يقتدى بهما.