دخَلتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجعَل أبي يكلمُه وهو معرضٌ عنه مقبلٌ على رجلٍ فلما خرَج فقال لي أبي: بُنَيَّ أما رأيتَ ابنَ عمِّكَ كيف أكلمُه فلا يُجيبُني ؟ قلتُ: يأبَهْ أما رأيتَ الرجلَ الذي كان عندَه يكلمُه ؟ قال: لا قال: وكان عندَه أحدٌ ؟ قال: نعَم قال: فرجَع فقال: يا رسولَ اللهِ أكان عندَك أحدٌ ؟ قال رأيتَه ؟ قال: أخبَرَني عبدُ اللهِ بذلك قال: فأقبَل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال أرأيتَه ؟ قلتُ: نعَم قال: ذاكَ جبريلُ عليه السلامُ هو الذي شغَلَني عنكَ
أخرجه أحمد (2848)، والطيالسي في ((مسنده)) (2831)، والطبراني (10/291) (10584) باختلاف يسير
كنتَ مع أبي عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعندَه رجلٌ يُناجِيه فكان كالمُعرضِ عن أبي فخرجنا من عندِه فقال لي أبي : أي بُنِّي ألمْ تَرَ إلى ابنُ عمكَ كالمُعرِضِ عني فقلت : يا أبت إنَّه كان عندَه رجلٌ يناجيه قال : فرجَعنا إلى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال أبي : يا رسولَ اللهِ قلتُ لعبدِ اللهِ كذا وكذا فأخبرني أنه كان عندكَ رجلٌ يناجِيك فهلْ كان عندَك أحدٌ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : وهل رأَيْتَه يا عبدَ اللهِ قال : قلت نعم قال : فإنَّ ذاكَ جبريلُ وهو الذي شَغَلني عنكَ الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : أحمد شاكر المصدر : تخريج المسند لشاكر الصفحة أو الرقم: 4/236 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه الطبراني (10/291) (10584)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (4258)، والبيهقي (13726) باختلاف يسير مِن أنواعِ الوحيِ الذي كانَ يَأتي للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَأتيَه المَلَكُ على صورةِ رَجُلٍ فيُكَلِّمَه مِنَ الوحيِ بما أرادَ اللهُ تَعالى، وقد يَكونُ بَعضُ الحاضِرينَ يَرى المَلَكَ في صورةِ رَجُلٍ وبَعضُهُم لا يَراه، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما أنَّه كانَ هو وأبوه العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ عَمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكانَ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ يُناجيه، أي: يُكَلِّمُه ويُخاطِبُه كَلامًا بَينَهُما لا يَطَّلِعُ عليه أحَدٌ، فالمُناجي هو المُخاطِبُ للإنسانِ والمُحَدِّثُ له، يَقولُ ابنُ عَبَّاسٍ: فكانَ رَسولُ اللهِ كالمُعرِضِ عَن أبي، أي: لا يُريدُ أن يُخاطِبَه لانشِغالِه بمُخاطَبةِ الرَّجُلِ الذي عِندَه، فخَرَجنا مِن عِندِ رَسولِ اللهِ، فقال العَبَّاسُ لابنِه عَبدِ اللهِ: أي بُنَيَّ، أي يا بُنَيَّ، ألَم تَرَ إلى ابنِ عَمِّكَ.
يَقصِدُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كالمُعرِضِ عَنِّي، أي: ألَم تُلاحِظْ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ مُعرِضًا عَنِّي لا يُريدُ مُخاطَبَتي، ولَعَلَّ العَبَّاسَ أزعَجَه هذا المَوقِفُ ولَم يُعجِبْه.
فقال عَبدُ اللهِ: يا أبَتِ إنَّه كانَ عِندَه رَجُلٌ يُناجيه، أي: أنَّ سَبَبَ إعراضِه ليس عَن جَفاءٍ بكَ أو تَقصيرٍ في حَقِّكَ، ولَكِن شُغِلَ برَجُلٍ كانَ عِندَه يُخاطِبُه.
يَقولُ ابنُ عَبَّاسٍ: فرَجَعنا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: رَجَعوا مَرَّةً أُخرى للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَعَلَّ الرَّجُلَ كان قدِ انصَرَفَ، فقال العَبَّاسُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلتُ لعَبدِ اللهِ كَذا وكَذا، أي: أنَّكَ كُنتَ مُعرِضًا عَنِّي، فأخبَرَني أنَّه كانَ عِندَكَ رَجُلٌ يُناجيكَ، فهَل كانَ عِندَكَ أحَدٌ، أي: فهَل كَلامُه صَحيحٌ؛ فإنِّي لَم أرَ أحَدًا عِندَك.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وهَل رَأيتَه يا عَبدَ اللهِ، أي: هَل رَأيتَ ذلك الرَّجُلَ يا ابنَ عَبَّاسٍ.
فقال عَبدُ اللهِ: نَعَم رَأيتُه.
فقال رَسولُ اللهِ: فإنَّ ذاكَ جِبريلُ، وهو الذي شَغَلَني عَنكَ، أي: أنَّ ذلك الرَّجُلَ هو جِبريلُ عليه السَّلامُ نَزَلَ بالوحيِ على صورةِ رَجُلٍ فشَغَلَني عَنكَ.وفي الحَديثِ أنَّ جِبريلَ كانَ يَأتي أحيانًا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صورةِ رَجُلٍ.وفيه أنَّ بَعضَ النَّاسِ قد يَرى ما لا يَرى غَيرُه.وفيه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ لا يَشعُرُ بالدُّنيا وبِما حَولَه إذا نَزَلَ عليه الوحيُ.وفيه أدَبُ ابنِ عَبَّاسٍ حَيثُ التَمَسَ العُذرَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.وفيه مَنقَبةٌ وفَضيلةٌ لابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما.وفيه أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَأى جِبريلَ عليه السَّلامُ وهو على صورةِ رَجُلٍ [1] ينظر: دلائل النبوة للبيهقي (7/75) ، السنن الكبرى للبيهقي (7/84) ، فضائل الصحابة (2/959) ، الفتح الرباني (22/294) ، النهاية (5/ 25 ).
.