حديثُ أنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشفعُ يومَ القيامةِ لكثيرٍ من العصاةِ من أمتِه الذين دخلوا النارَ بذنوبِهم، عدَّةَ شفاعاتٍ، فيحدُّ اللهُ له حدًّا في كلِّ شفاعةٍ، فيخرجُهُم من النارِ، وتشفعُ الملائكةُ، والأنبياءُ والصالحون والأفراطُ بعد إذنِه سبحانه لهم ويبقى في النارِ بقيةٌ من العصاةِ لم تشملْهُم الشَّفاعةُ، فيخرجُهم اللهُ سبحانه من النَّارِ بفضلِه ورحمتِه، ولا يبقى في النَّارِ إلا الكفَّارُ [يعني حديث: أنَّ ناسًا في زَمَنِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هلْ نَرَى رَبَّنا يَومَ القِيامَةِ؟ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: نَعَمْ قالَ: هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بالظَّهِيرَةِ صَحْوًا ليسَ معها سَحابٌ؟ وهلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ صَحْوًا ليسَ فيها سَحابٌ؟ قالوا: لا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالَى يَومَ القِيامَةِ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ أحَدِهِما، إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، فلا يَبْقَى أحَدٌ كانَ يَعْبُدُ غيرَ اللهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ والأنْصابِ إلَّا يَتَساقَطُونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِن بَرٍّ وفاجِرٍ وغُبَّرِ أهْلِ الكِتابِ، فيُدْعَى اليَهُودُ، فيُقالُ لهمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فَماذا تَبْغُونَ؟ قالوا: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى النَّارِ كَأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَتَساقَطُونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصارَى، فيُقالُ لهمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فيُقالُ لهمْ، كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فيُقالُ لهمْ: ماذا تَبْغُونَ؟ فيَقولونَ: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، قالَ: فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ كَأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَتَساقَطُونَ في النَّارِ حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالَى مِن بَرٍّ وفاجِرٍ أتاهُمْ رَبُّ العالَمِينَ سُبْحانَهُ وتَعالَى في أدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتي رَأَوْهُ فيها قالَ: فَما تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، قالوا: يا رَبَّنا، فارَقْنا النَّاسَ في الدُّنْيا أفْقَرَ ما كُنَّا إليهِم، ولَمْ نُصاحِبْهُمْ، فيَقولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ لا نُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا مَرَّتَيْنِ، أوْ ثَلاثًا، حتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكادُ أنْ يَنْقَلِبَ، فيَقولُ: هلْ بيْنَكُمْ وبيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بها؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُكْشَفُ عن ساقٍ فلا يَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلَّا أذِنَ اللَّهُ له بالسُّجُودِ، ولا يَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ اتِّقاءً ورِياءً إلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً، كُلَّما أرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ علَى قَفاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وقدْ تَحَوَّلَ في صُورَتِهِ الَّتي رَأَوْهُ فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فقالَ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنا، ثُمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ علَى جَهَنَّمَ، وتَحِلُّ الشَّفاعَةُ ، ويقولونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما الجِسْرُ؟ قالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ، فيه خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ وحَسَكٌ تَكُونُ بنَجْدٍ فيها شُوَيْكَةٌ يُقالُ لها السَّعْدانُ، فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وكالْبَرْقِ، وكالرِّيحِ، وكالطَّيْرِ، وكَأَجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى إذا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأَشَدَّ مُناشَدَةً لِلَّهِ في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيامَةِ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانُوا يَصُومُونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهمْ: أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ علَى النَّارِ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصْفِ ساقَيْهِ، وإلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا به، فيَقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها أحَدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتَنا أحَدًا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا.

وَكانَ أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يقولُ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بهذا الحَديثِ فاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قدْ عادُوا حُمَمًا ، فيُلْقِيهِمْ في نَهَرٍ في أفْواهِ الجَنَّةِ يُقالُ له: نَهَرُ الحَياةِ، فَيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ ، ألا تَرَوْنَها تَكُونُ إلى الحَجَرِ، أوْ إلى الشَّجَرِ، ما يَكونُ إلى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وأُخَيْضِرُ، وما يَكونُ مِنْها إلى الظِّلِّ يَكونُ أبْيَضَ؟ فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، كَأنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بالبادِيَةِ، قالَ: فَيَخْرُجُونَ كاللُّؤْلُؤِ في رِقابِهِمُ الخَواتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ عُتَقاءُ اللهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، ولا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يقولُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَما رَأَيْتُمُوهُ فَهو لَكُمْ، فيَقولونَ: رَبَّنا، أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فيَقولُ: لَكُمْ عِندِي أفْضَلُ مِن هذا، فيَقولونَ: يا رَبَّنا، أيُّ شيءٍ أفْضَلُ مِن هذا؟ فيَقولُ: رِضايَ، فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا.]

الدلالات الموضوعية:# قيامة - الشفاعة# استغفار - مغفرة الله تعالى للذنوب العظام وسعة رحمته# جهنم - ذكر من يخرج من النار من أهل التوحيد# جهنم - من يدخلها وبمن وكلت
المصدر: مجموع فتاوى ابن باز
الراوي: [ أبو سعيد الخدري]
المحدث: ابن باز
الحكم:ثابت

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6573)، ومسلم (182)، وأحمد (11127) بنحوه.

الشرح والتوضيح

إذا خلُص المؤمنون من النَّارِ وأمِنوا ، ف [ والَّذي نفسي بيدِه ] ما مجادَلةُ أحدِكم لصاحبِه في الحقِّ يكونُ له في الدُّنيا بأشدَّ من مجادلةِ المؤمنين لربَّهم في إخوانِهم الَّذين أُدخِلوا النَّارَ .

قال : يقولون : ربَّنا ! إخوانُنا كانوا يُصلُّون معنا ، ويصومون معنا ، ويحُجُّون معنا ، [ ويجاهدون معنا ] ، فأدخلتهم النَّارَ ! قال : فيقولُ : اذهبوا ، فأخرِجوا من عرفتم منهم .

فيأتونهم ؛ فيعرِفونهم بصوَرِهم ، لا تأكُلُ النَّارُ صورَهم ، [ لم تغْشَ الوجهَ ] فمنهم من أخذته النَّارُ إلى أنصافِ ساقَيْه ، ومنهم من أخذته إلى كعبَيْه ، [ فيُخرِجون منها بشَرًا كثيرًا ] فيقولون : ربَّنا ! قد أخرجنا من أمرتَنا .

قال : ثمَّ [ يعودون فيتكلَّمون ف ] يقولُ : أخرِجوا من كان في قلبِه مثقالُ دينارٍ من الإيمانِ .

[ فيُخرِجون خلقًا كثيرًا ] ثمَّ [ يقولون : ربَّنا ! لم نذَرْ فيها أحدًا ممَّن أمرتَنا ثمَّ يقولُ : ارجِعوا ، ف ] من كان في قلبِه وزنُ نصفِ دينارٍ [ فأخرِجوه ، فيُخرِجون خلقًا كثيرًا ، ثمَّ يقولون : ربَّنا لم نذَرْ فيها ممَّن أمرتَنا .

.

.

] .

.

حتَّى يقولَ : أخرِجوا من كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ [ فيُخرِجون خَلقًا كثيرًا ] قال أبو سعيدٍ : فمن لم يُصدِّقْ بهذا الحديثِ فليقرَأْ هذه الآيةَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا قال : فيقولون : ربَّنا قد أخرجنا من أمرتنا ، فلم يبقَ في النَّارِ أحدٌ فيه خيرٌ ! قال : ثمَّ يقولُ اللهُ : شفَعت الملائكةُ ، وشفَعت الأنبياءُ ، وشفَع المؤمنون ، وبقي أرحمُ الرَّاحمين .

قال : فيقبضُ قبضةً من النَّارِ _ أو قال : قبضتَيْن _ ناسًا لم يعمَلوا للهِ خيرًا قطُّ ، قد احتُرِقوا حتَّى صاروا حِمَمًا .

قال : فيُؤتَى بهم إلى ماءٍ يُقالُ له : ( الحياةُ ) فيُصبُّ عليهم فينبُتون كما تنبُتُ الحبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ ، [ قد رأيتموها إلى جانبِ الصَّخرةِ ، وإلى جانبِ الشَّجرةِ ، فما كان إلى الشَّمسِ منها كان أخضرَ ، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيضَ ] .

قال : فيخرُجون من أجسادِهم مثلُ اللُّؤلؤِ ، وفي أعناقِهم الخاتمُ ، ( وفي روايةٍ : الخواتمُ ) عُتَقاءُ اللهِ .

قال : فيُقالُ لهم : ادخُلوا الجنَّة ؛ فما تمنَّيتم ورأيتم من شيءٍ فهو لكم [ ومثلُه معه ] ، [ فيقولُ أهلُ الجنَّةِ : هؤلاء عُتَقاءُ الرَّحمنِ ، أدخلهم الجنَّةَ بغيرِ عملٍ عمِلوه ، ولا خيرٍ قدَّموه ] قال : فيقولون : ربَّنا ! أعطيْتَنا ما لم تُعطِ أحدًا من العالمين ! قال : فيقولُ : فإنَّ لكم عندي أفضلَ منه ! فيقولون : ربَّنا ! وما أفضلُ من ذلك ؟ [ قال : ] فيقولُ : رضائي عنكم ، فلا أسخَطُ عليكم أبدًا الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : الألباني المصدر : حكم تارك الصلاة الصفحة أو الرقم: 27 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح على شرط الشيخين التخريج : أخرجه النسائي (5010)، وابن ماجه (60)، وأحمد (11917)، وابن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (276) بنحوه.

مِن رَحمةِ اللهِ بعِبادِه في الآخِرةِ: أنَّه جعَلَ الشَّفاعةَ رَحمةً منه لِمَن يشاءُ، وفي هذا الحديثِ بَيانٌ لشَفاعةِ الصَّالحينَ مِن المُؤمنينَ في إخوانِهم الَّذين في النَّارِ، وهم الَّذين خلَطوا عمَلًا صالحًا وآخَرَ سيِّئًا، فدخَلوا النَّارَ تَطْهيرًا لهم، ثمَّ يُخْرِجُهم اللهُ برَحمتِه؛ حيثُ يَقولُ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رضِيَ اللهُ عنه: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إذا خلَصَ المُؤمنونَ مِن النَّارِ وأمِنُوا"، أي: إذا نجَّاهم اللهُ عزَّ وجَلَّ بإبعادِهم منها، وأمِنُوا مِن الدُّخولِ فيها بعدَ المُناقَشةِ والحِسابِ وتَعريفِ كلِّ واحدٍ بما كان منه، "فوالَّذي نفْسي بيَدِه"، وهذا قَسمٌ باللهِ الَّذي يَملِكُ النُّفوسَ والأرواحَ، "ما مُجادَلةُ"، أي: مُناقَشةُ ومُحاوَرةُ، "أحدِكم لِصاحِبِه في الحقِّ يكونُ له في الدُّنيا، بأشدَّ مِن مُجادَلةِ المُؤمنينَ لِربِّهم في إخوانِهم الَّذين أُدْخِلوا النَّارَ"، والمعنى: أنَّ مُجادَلةَ النَّاسِ بَعضِهم بَعضًا في الدُّنيا بسبَبِ حقٍّ يَثبُتُ لهم، لا تكونُ أشدَّ مِن مُجادَلةِ المُؤمنينَ لربِّهم سُبحانَه وتعالى في الآخِرةِ، حين يُؤْذَنُ لهم بدُخولِ الجنَّةِ، وقد أُدْخِلَ إخوانُهم النَّارَ بسبَبِ سيِّئاتِهم، فيُناشِدونَ اللهَ سُبحانَه وتعالى أنْ يُخْرِجَ إخوانَهم مِن النَّارِ، فيَدخُلوا معهم الجنَّةَ، قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "يقولونَ: ربَّنا، إخوانُنا كانوا يُصلُّونَ معنا، ويَصومونَ معنا، ويَحجُّونَ معنا، ويُجاهِدون معنا، فأدْخَلْتَهم النَّارَ"، والمعنى: أنَّهم يَشْفَعونَ في إخوانِهم مِن المُوحِّدينَ الَّذين عَمِلوا أعمالَ الإسلامِ، ولكنَّهم خَلَطوا معها أعمالًا سيِّئةً، فيَطلُبونَ مِن اللهِ أنْ يُشَفِّعَهم فيهم، فيَرْضى اللهُ ويُشَفِّعُهم، "فيقولُ: اذْهَبوا فأَخْرِجوا مَن عرَفْتُم منهم"، أي: إخوانَكم المَوصوفينَ بما ذكَرْتُم، "فيأْتونُهم، فيَعرِفونَهم بصُوَرِهم"، يعني: وُجوهِهم، والصُّورةُ تُطْلَقُ على الوجْهِ، وتُطْلَقُ على الجِسمِ، "لا تأكُلُ النَّارُ صُوَرَهم"، [لم تَغْشَ الوَجْهَ]، والمُرادُ هنا مَن بِهم آثارُ السُّجودِ، وآثارُها تكونُ في الأعضاءِ السَّبعةِ الَّتي يُسجَدُ بها، كما في الصَّحيحينِ: "حرَّمَ اللهُ تعالى على النَّارِ أنْ تأكُلَ أثَرَ السُّجودِ"، قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فمنهم مَن أخَذَتْه النَّارُ إلى أنصافِ ساقَيْه، ومنهم مَن أخَذَتْه إلى كَعبَيْه"، أي: إنَّ العذابَ يكونُ على حسَبِ المعاصي، بخِلافِ الكَفَرةِ؛ فإنَّ النَّارَ تَغمُرُهم مِن جميعِ الجِهاتِ، كما قال تعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف:41]، فوُجوهُهم وغيرُها سواءٌ؛ لأنَّهم لم يَسجُدوا للهِ، وفي رِوايةِ المُستخرَجِ لأبي عَوانةَ: "فيُخرِجون منها بَشرًا كثيرًا"، أي: مِن النَّارِ، قال: "فيَقولونَ: ربَّنا، أخْرَجْنا مَن قد أمَرْتَنا"، أي: أخْرَجْنا مِن النَّارِ مَن أذِنْتَ لنا في إخراجِهم، وفي رِوايةِ المُستخرَجِ لأبي عَوانةَ: "ثمَّ يَعودون فيَتكلَّمون، فيقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ لِملائكتِه: أخْرِجوا مَن كان في قلْبِه مِثقالُ دِينارٍ مِن الإيمانِ، فيُخرِجون خلْقًا كثيرًا، ثمَّ يقولون: ربَّنا، لم نَذَرْ فيها أحدًا ممَّن أمَرْتَنا، ثمَّ يقولُ: ارْجِعوا، فمَن كان في قلْبِه وزْنُ نِصفِ دِينارٍ، فأخْرِجوه، فيُخرِجون خلْقًا كثيرًا، ثمَّ يقولون: ربَّنا، لم نَذَرْ فيها ممَّن أمَرْتَنا، حتَّى يقولَ: أخْرِجوا مَن كان في قلْبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ، فيُخرِجون خلْقًا كثيرًا"، وهذا مِن عَظيمِ فضْلِ اللهِ على المُؤمنينَ؛ إذْ يُنَجِّيهم بإيمانِهم، وإنْ كان يُحاسِبُهم على أعمالِهم أوَّلًا، ثمَّ يُدْخِلُهم الجنَّةَ بفَضْلِه ورَحمتِه، وهذه الشَّفاعةُ للعُصاةِ مُشترِكةٌ بيْن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وغيرِه؛ فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَشفَعُ، وفي كلِّ مرَّةٍ يحُدُّ اللهُ له حَدًّا، والأنبياءُ يشْفَعونَ، والملائكةُ يشْفَعونَ، والمُؤمنونَ يشْفَعونَ، وتَبقَى بقيَّةٌ لا تَنالُهم الشَّفاعةُ، فيُخْرِجُهم ربُّ العالَمينَ برَحمتِه.

قال أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رضِيَ اللهُ عنه: "فمَن لم يُصَدِّقْ هذا الحديثَ، فلْيقْرَأْ قولَه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] ؛ فهذه الشَّفاعةُ مِن رَحمةِ اللهِ وفضْلِه.

"قال: فيَقولون: ربَّنا، قد أخْرَجْنا مَن أمَرْتَنا، فلم يَبْقَ في النَّارِ أحدٌ فيه خيرٌ، قال: ثمَّ يقولُ اللهُ: شفَعَتِ الملائكةُ، وشفَعَتِ الأنبياءُ، وشفَعَ المُؤمِنون، وبقِيَ أرحَمُ الرَّاحمينَ، قال: فيَقبِضُ قبْضةً مِن النَّارِ- أو قال: قَبْضتينِ- ناسًا لم يَعمَلوا للهِ خيرًا قطُّ، قدِ احْتَرَقوا حتَّى صاروا حُمَمًا"، أي: أصْبَحوا فَحمًا مُحترِقًا، "قال: فيُؤتى بهم إلى ماءٍ يُقالُ له: الحياةُ"، أي: اسْمُه: الحياةُ، "فيُصَبُّ عليهم، فيَنْبُتون كما تَنبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ"، وهو ما يَحمِلُه السَّيلُ مِن تُربةٍ ضَعيفةٍ، فيَنبُتُ نَباتُها في سُرعةٍ مع ضَعفٍ، فتَخرُجُ هذه النَّباتاتُ- لِضَعفِها- صَفراءَ مُلتويةً، ثمَّ تَشتَدُّ قُوَّتُهم بعدَ ذلك، "قد رأيْتُموها إلى جانبِ الصَّخرةِ، وإلى جانبِ الشَّجرةِ؛ فما كان إلى الشَّمسِ منها كان أخضَرَ، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيضَ، "قال: فيُخرِجون مِن أجسادِهم مِثْلَ اللُّؤلؤِ، وفي أعناقِهم الخاتمُ- وفي رِوايةٍ: الخواتمُ-: عُتقاءُ اللهِ"، أي: هؤلاء عُتقاءُ اللهِ مِن النَّارِ، "قال: فيُقالُ لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فما تَمنَّيْتُم ورأيْتُم مِن شَيءٍ، فهو لكم ومِثْلُه معه، فيقولُ أهْلُ الجنَّةِ: هؤلاء عُتقاءُ الرَّحمنِ، أدخَلَهُم الجنَّةَ بغَيرِ عمَلٍ عمِلُوه ولا خيرٍ قدَّموهُ، قال: فيَقولون: ربَّنا، أعْطَيتنا ما لم تُعطِ أحدًا مِن العالمينَ!" وهذا ظَنُّهم؛ مِن عظيمِ ما أعطاهُم اللهُ، "قال: فيقولُ: فإنَّ لكم عندي أفضَلَ منه، فيقولون: ربَّنا، وما أفضَلُ مِن ذلك؟ قال: فيقولُ: رِضائي عنكم، فلا أسخَطُ عليكم أبدًا"، وهذا مِن فضْلِ الله عليهم، وبسَببِه يكونون في نَعيمٍ دائمٍ.

وفي الحديثِ: إثباتُ شَفاعةِ المَلائكةِ والأنبياءِ، ثمَّ شفاعةِ الصَّالحينَ مِن المُؤمنينَ، وإلْحاحِهم إلى اللهِ تعالى لإخراجِ إخوانِهم مِن النَّارِ.

وفيه: بَيانُ سَعَةِ رَحمةِ اللهِ وفضْلِه على عِبادِه.

وفيه: أنَّ عُصاةَ المُسلمينَ إنْ عُذِّبوا على قَدْرِ مَعاصيهم، يُخْرِجُهم اللهُ مِن النَّارِ بفَضْلِه، ثمَّ بشَفاعةِ الشَّافعينَ.

الأصول والأحكام

صحيح البخاري (8/ 117) 6573 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سعيد، وعطاء بن يزيد، أن أبا هريرة ، أخبرهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم، ح وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله، قال: " فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم.

وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل، ثم ينجو حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل منهم مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة، ثم يقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له: تمن من كذا، فيتمنى، ثم يقال له: تمن من كذا، فيتمنى، حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك ومثله معه " قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا

6574 - قال عطاء، وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئا من حديثه، حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا لك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة: حفظت مثله معه

صحيح مسلم (1/ 163) 299 - (182) حدثني زهير بن حرب، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة ، أخبره أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: " فإنكم ترونه، كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم، سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله قال: " فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة، فيقول: أي رب، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدمني إلى باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك، ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك فيقول: أي رب، يدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة، فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟، ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك، فيقول: أي رب، لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله تبارك وتعالى منه، فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه، فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه "، قال عطاء بن يزيد، وأبو سعيد الخدري، مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: ومثله معه، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه، يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ذلك لك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة.

مسند أحمد (17/ 202) 11127 - حدثنا ربعي بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قال: قلنا: لا.

قال: فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قال: قلنا: لا.

قال: فإنكم ترون ربكم كذلك يوم القيامة يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد قال: " فيقال: من كان يعبد شيئا فليتبعه " قال: فيتبع الذين كانوا يعبدون الشمس الشمس، فيتساقطون في النار، ويتبع الذين كانوا يعبدون القمر القمر، فيتساقطون في النار، ويتبع الذين كانوا يعبدون الأوثان الأوثان، والذين كانوا يعبدون الأصنام الأصنام فيتساقطون في النار قال: وكل من كان يعبد من دون الله حتى يتساقطون في النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيبقى المؤمنون ومنافقوهم بين ظهريهم، وبقايا أهل الكتاب وقللهم بيده، قال: " فيأتيهم الله عز وجل فيقول: ألا تتبعون ما كنتم تعبدون؟ " قال: " فيقولون: كنا نعبد الله ولم نر الله فيكشف عن ساق، فلا يبقى أحد كان يسجد لله إلا وقع ساجدا، ولا يبقى أحد كان يسجد رياء وسمعة إلا وقع على قفاه " قال: " ثم يوضع الصراط بين ظهري جهنم، والأنبياء بناحيتيه قولهم: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم، وإنه لدحض مزلة، وإنه لكلاليب وخطاطيف " قال عبد الرحمن: ولا أدري لعله قد قال: " تخطف الناس، وحسكة تنبت بنجد يقال لها: السعدان " قال: ونعتها لهم، قال: فأكون أنا وأمتي لأول من مر - أو أول من يجيز - قال: " فيمرون عليه مثل البرق، ومثل الريح، ومثل أجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مكلم، ومكدوس في النار، فإذا قطعوه - أو فإذا جاوزوه - فما أحدكم في حق يعلم أنه حق له بأشد مناشدة منهم في إخوانهم الذين سقطوا في النار، يقولون: أي رب كنا نغزو جميعا، ونحج جميعا، ونعتمر جميعا، فيم نجونا اليوم وهلكوا؟ " قال: " فيقول الله عز وجل: انظروا من كان في قلبه زنة دينار من إيمان فأخرجوه "، قال: فيخرجون قال: " ثم يقول: من كان في قلبه زنة قيراط من إيمان فأخرجوه "، قال: فيخرجون ، قال: " ثم يقول: من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه "، قال: فيخرجون ، قال: ثم يقول أبو سعيد: بيني وبينكم كتاب الله.

قال عبد الرحمن: وأظنه - يعني قوله: {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [[الأنبياء: 47]] قال: " فيخرجون من النار فيطرحون في نهر يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحب في حميل السيل، ألا ترون ما يكون من النبت إلى الشمس يكون أخضر، وما يكون إلى الظل يكون أصفر "، قالوا: يا رسول الله كأنك كنت قد رعيت الغنم؟ قال: أجل قد رعيت الغنم

أحاديث ذات صلة