عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قالَ قد بيَّنَ اللَّهُ الطَّلاقَ فمن طلَّقَ كما أمرهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فقد بُيِّنَ لهُ ومن لبَّسَ جعلَ اللَّهُ ما بهِ لبسَهُ واللَّهِ لا تلبسونَ على أنفسِكم ونتحمَّلُهُ عنكم هوَ كما تقولونَ
سأَل رجُلٌ ابنَ مسعودٍ، فقال: طلَّقْتُ امرأتي ثمانيَ تطليقاتٍ، فقال ابنُ مسعودٍ: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لي: إنَّها قد بانت منكَ، قال ابنُ مسعودٍ: أجَلْ، مَن طلَّق كما أمَره اللهُ فقد بيَّن اللهُ له، ومَن لبَس على نفسِهِ لَبْسًا، جعَلْنا لَبْسَهُ به، لا تَلبِسوا على أنفُسِكم ونتحمَّلُهُ عنكم، هو كما تقولون.
الراوي : علقمة بن قيس المحدث : شعيب الأرناووط المصدر : تخريج شرح السنة الصفحة أو الرقم: 9 / 214 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه مالك (2022) واللفظ له جاءَت هذه الشَّريعةُ ببَيانِ جَميعِ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالزَّواجِ وما يَتبَعُ ذلك مِن أحكامٍ، ومِن ذلك أحكامُ الطَّلاقِ؛ فقد جَعَلَ الشَّرعُ للرَّجُلِ ثَلاثَ تَطليقاتٍ، فمَتى استَوفاها بانَت مِنه زَوجَتُه ولا تَحِلُّ له، وكَذا إن تَعَدَّى في طَلاقِه فطَلَّقَ أكثَرَ مِن ثَلاثٍ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ رَجُلًا سَألَ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه، فقال: طَلَّقتُ امرَأتي ثَمانيَ تَطليقاتٍ، أي: إنِّي قد طَلَّقتُ زَوجَتي ثَماني تطليقاتٍ في كَلِمةٍ، بأن قُلتُ لها: أنتِ طالِقٌ ثَمانيَ تَطليقاتٍ، فماذا عليَّ أو فما حُكمُ ذلك؟ فقال له ابنُ مَسعودٍ: فماذا قيلَ لَكَ؟ أي: بماذا أُفتيتَ في هذه المَسألةِ، ويُحتَمَلُ أنَّه سَألَه عَن ذلك ليَرى أقوالَ النَّاسِ في ذلك ويَعلَمَ اتِّفاقَهُم مِنَ اختِلافِهِم، ورُبَّما يَسألُ المُفتي عَن ذلك ليَنظُرَ فإن وجَدَ العُلَماءَ قد خالَفوا ما ظَهَرَ إلَيه حَمَلَه ذلك على إعادةِ النَّظَرِ، والزِّيادةِ في الِاجتِهادِ، والتَّثَبُّتِ، وإن رَأى الفُقَهاءَ قد وافَقوا رَأيَه قَويَ في نَفسِه وظَهَرَ إلَيه وشَكَرَ اللهَ تَعالى على ما أعانَه عليه، وأظهَرَ الموافَقةَ والتَّصحيحَ لقَولِ العُلَماءِ.
فقال الرَّجُلُ: قيلَ لي: إنَّها قد بانَت مِنكَ، أي: أنَّها أصبَحَت بائِنةً فلا يَصِحُّ له رَجعَتُها حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَه، فقال له ابنُ مَسعودٍ: أجَل، أي: نَعَم، هذا هو الحُكمُ عليكَ، فقد بانَت مِنكَ زَوجَتُكَ، ثُمَّ قال: مَن طَلَّقَ كما أمَرَه اللهُ فقد بَيَّنَ اللهُ له، أي: أنَّ سُنَنَ الطَّلاقِ بَيِّنةٌ قد بَيَّنَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كِتابِه لا يَحتاجُ العامِلُ بها ولا المُفتي فيها إلى بَحثٍ ولا نَظَرٍ ولا اجتِهادٍ، فمَن أطاعَ اللهَ تَعالى في طَلاقِه وأوقَعَه على حَسَبِ ما أمَرَه به فهو بَيِّنٌ واضِحٌ إن كانَ مِمَّن يَقرَأُ القُرآنَ بانَ له مِن نَصِّه، وإن كانَ مِمَّن لا يَقرَأُ أو لا يَفهَمُه سَألَ عَن ذلك فأُخبِرَ عَن أمرٍ واضِحٍ بَيِّنٍ لا يَحتَمِلُ الزِّيادةَ ولا النَّقصَ، ومَن لَبَسَ على نَفسِه لَبسًا، جَعَلنا لُبسَه به، أي: أنَّه مَن تَعَدَّى الواضِحَ مِن أمرِ اللهِ تَعالى في الطَّلاقِ فقد لَبَسَ على نَفسِه ودَخَلَ في أمرٍ مُلتَبِسٍ مُشتَبهٍ يَحتاجُ المُفتي فيه إلى البَحثِ والِاجتِهادِ، ولا يَتَّضِحُ له مَعَ ذلك الحُكمُ كَوُضوحِ المَنصوصِ عليه، فيَرجِعُ لُبسُه إلَيه ويُغَلَّظُ عليه.
ثُمَّ قال ابنُ مَسعودٍ: لا تَلبِسوا على أنفُسِكُم، أي: لا تَخلِطوا على أنفُسِكُم، فتَتَعَدَّوا ما أُمِرتُم به في الطَّلاقِ ونَتَحَمَّلُه عَنكُم، أي: أنَّ المُفتيَ لا يَتَحَمَّلُ له ما اشتَبَهَ عليه.
هو كما تَقولونَ، أي: يَلزَمُكُم ويَقَعُ الطَّلاقُ وإن كُنتُم قد تَعَدَّيتُم فطَلَّقتُم بغَيرِ الطَّلاقِ الذي أمَرَ اللهُ به.
وفي حُكمِ الطَّلاقِ بأكثَرَ مِن تَطليقةٍ في مَجلِسٍ واحِدٍ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.وفي الحَديثِ أنَّ تَطليقَ الزَّوجِ لزَوجَتِه أكثَرَ مِن ثَلاثٍ يَجعَلُها بائِنةً مِنهُ.وفيه تَغليظُ العالِمِ على السَّائِلِ إذا رَآه تَجاوزَ وتَعَدَّى الأمرَ الشَّرعيَّ.وفيه خُطورةُ الفَتوى ومَوقِعُها لَدى المُفتي [14] ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي (1/361) ، المنتقى للباجي (4/5) ، شرح الزرقاني على الموطأ (3/253) ، الفقه الميسر (5/ 104) .
.