أنَّ ابنَ عمرَ كان يدعو على الصفا : اللهم اعصِمني بدِينك وطواعِيتِك وطواعيةِ رسولِك، اللهم جنِّبْني حدودَك، اللهمَّ اجعلْني ممنْ يحبُّك ويحبُّ ملائكتَكَ ويحبُّ رسلَك ويحبُّ عبادَك الصالحينَ، اللهمَّ يسِّرني لليُسرى، وجنِّبني العُسرى، واغفرْ لي في الآخرةِ والأُولى، واجعلْني من أئمةِ المتقِينَ، اللهمَّ إنك قلتَ : { ادعوني أستجب لكم } وإنك لا تُخلفُ الميعادَ، اللهمَّ إذا هَديتني للإسلامِ فلا تنزعْه مني ولا تنزعْني منه حتى تقبضَني عليهِ، قال : كان يدعو بهذا مع دعاءٍ لهُ طويلٌ على الصفا والمروةِ، وبعرفاتٍ وبجمعٍ، وبين الجمرَتينِ وفي الطوافِ
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (1/ 308) واللفظ له ، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (29861) ، والفاكهي في ((أخبار مكة)) (1411) كلاهما بنحوه .
كان ابنُ عُمرَ إذا انتَهى إلى ذي طُوًى بات به حتى يصبحَ ، ثم يُصلي الغداةَ ويغتسِل ، ويحدثُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يفعلُ ذلك ، ثم يدخلُ مكةَ ضُحًى ، ويأتي البيتَ فيستلمُ الحجَرَ ويقولُ : بسمِ اللهِ اللهُ أكبرُ ، فإذا استَلَم الحجَرَ رمَل ثلاثةَ أطوافٍ يَمشي ما بين الركنينِ ، وإذا أتى على الحجَرِ استَلَمه وكبَّر أربعةَ أطوافٍ مشيًا ، ثم يَأتي المقامَ فيُصلي خَلفه ثم يخرجُ إلى الصفا منَ البابِ الأعظمِ ، فيقومُ عليه ، فيكبرُ سبعَ مراتٍ ثلاثًا ثلاثًا يكبرُ ثم يقولُ : لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ لا إلهَ إلا اللهُ ولا نعبدُ إلا إيَّاه مخلِصينَ له الدينَ ولو كرِه الكافرونَ ، ثم يدعو يقولُ : اللهم اعصِمْني بدينِكَ وطواعيتِكَ وطواعيةِ رسولِكَ ، اللهم جنِّبْني حدودَكَ ، اللهم اجعَلْني ممن يحبُّكَ ويحبُّ ملائكتَكَ ويحبُّ رسلَكَ ، ويحبُّ عبادَكَ الصالحينَ ، اللهم حبِّبْني إليكَ وإلى ملائكتِكَ ، وإلى عبادِكَ الصالحينَ ، اللهم يسِّرْني لليُسرى ، وجنِّبْني العُسرى ، واغفِرْ لي في الآخرةِ والأولى ، واجعَلْني مِن أئمةِ المتقينَ ، واجعَلْني مِن ورثةِ جنةِ النعيمِ ، واغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدينِ ، اللهم إنَّكَ قلت ادعُوني أستجِبْ لكم وإنكَ لا تُخلِفُ الميعادَ ، اللهم إذ هدَيتَني للإسلامِ فلا تَنزِعْه مني ، ولا تَنزِعْني منه حتى توفَّاني وأنا على الإسلامِ ، اللهم لا تُقَدِّمْني لعذابٍ ، ولا تؤخِّرْني لسيئِ الفتنِ ، ويدعو بدعاءٍ كثيرٍ حتى إنه ليملُّنا وإنا لشبابٌ وكان إذا أتى على المَسعى سعى وكبَّر الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : ابن تيمية المصدر : شرح العمدة (المناسك) الصفحة أو الرقم: 2/457 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أبو داود في ((مسائل أبي داود)) (697)، واللفظ له، وأحمد (4628)، إلى قوله: "شيء قدير"، والبيهقي (9323)، مختصرا.
الحَجُّ فريضةٌ مِن فرائِضِ الدِّينِ، شَرَعَها اللهُ لحِكَمٍ عَظيمةٍ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بَيانًا كامِلًا بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، وكان الصَّحابةُ يَتَّبِعونَ هَديَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ أحوالِه، وكان عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما مِن أشَدِّ الصَّحابةِ اجتِهادًا في تَحَرِّي هَديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جَميعِ عِباداتِه، ومِنها الحَجُّ والعُمرةُ، فكان رَضِيَ اللهُ عنه إذا سافرَ للحَجِّ ووصَل إلى مِنطَقةِ ذي طُوًى، وهو مَوضِعٌ بمَكَّةَ داخِلَ الحَرَمِ، وقيل: اسمُ بئرٍ عِندَ مَكَّةَ في طَريقِ أهلِ المَدينةِ، باتَ به حتَّى يُصبحَ، أي: نَزَل في اللَّيلِ ليلةَ قُدومِه، ولا يَدخُلُ مَكَّةَ مُباشَرةً، ومِنَ الحِكمةِ في ذلك التَّقَوِّي بالمَبيتِ على ما يَستَقبِلُه مِنَ العِبادةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الغَداةَ، أي: صَلاةَ الفَجرِ، ويَغتَسِلُ.
وهو اغتِسالٌ لدُخولِ مَكَّةَ، ويُحَدِّثُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُ ذلك، أي: يُخبرُ مَن يَسألُ عن سَبَبِ فِعلِه هذا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُه، ثُمَّ يَدخُلُ مَكَّةَ ضُحًى، أي: يَنطَلقُ إلى مَكَّةَ وقتَ الضُّحى، أي: وقتَ ارتِفاعِ الشَّمسِ، ويَأتي البَيتَ فيَستَلمُ الحَجَرَ، أي: أنَّ أوَّلَ فِعلٍ يَفعَلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا وصَل إلى البَيتِ هو أن يَبدَأَ فيَستَلِمَ الحَجَرَ الأسودَ، ويَقولَ: بسمِ اللهِ، اللهُ أكبَرُ، فإذا استَلمَ الحَجَرَ رَمَل -وأصلُ الرَّمَلِ: الإسراعُ في المَشيِ حتَّى يَهُزَّ مَنكِبَيه، وقيل: هو السُّرعةُ في المَشيِ مَعَ تَقارُبِ الخُطى- ثَلاثةَ أطوافٍ، أي: حَولَ الكَعبةِ، يَمشي ما بَينَ الرُّكنَينِ، أي: الحَجَرِ الأسوَدِ والرُّكنِ اليَمانيِّ، كان يَمشي بَينَهما ولا يَرمُلُ، وإذا أتى على الحَجَرِ، أي: الحَجَرِ الأسوَدِ، استَلمَه وكَبَّرَ، أي: استَلمَ الحَجَرَ الأسودَ بيَدِه وكَبَّرَ قائِلًا: اللهُ أكبَرُ، أربَعةَ أطوافٍ مَشيًا، أي: أنَّ الثَّلاثةَ الأطوافِ الأولى يَرمُلُ فيها، وأمَّا بَقيَّةُ الأربَعةِ فإنَّه يَمشي مَشيًا، فإذا انتَهى مِنَ الطَّوافِ بالبَيتِ أتى المَقامَ، أي: مَقامَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فيُصَلِّي خَلْفَه، أي: يُصَلِّي رَكعَتَينِ كَما كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَفعَلُ، فإذا انتَهى مِنَ الصَّلاةِ خَلفَ المَقامِ خَرَجَ إلى الصَّفا، وهو اسمُ أحَدِ جَبَليِ المَسعى.
والصَّفا في الأصلِ جَمعُ صَفاةٍ، وهيَ الصَّخرةُ والحَجَرُ الأملسُ، وكان خُروجُه للصَّفا مِنَ البابِ الأعظَمِ، أي: الكَبيرِ والواسِعِ، فيَقومُ عليه، أي: على جَبَلِ الصَّفا، فيُكَبِّرُ سَبعَ مَرَّاتٍ، ثَلاثًا ثَلاثًا يُكَبِّرُ.
وهذا يَحتَمِلُ ثَلاثةَ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّه يُكَبِّرُ ثَلاثًا، ثُمَّ يُهَلِّلُ، ثُمَّ يَدعو، يُكَرِّرُ ذلك سَبعَ مَرَّاتٍ.
والثَّاني: أنَّه يُكَبِّرُ سَبعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُهَلِّلُ، ثُمَّ يَدعو فقَط، والثَّالِثُ: أنَّه يُكَبِّرُ ثَلاثًا ثَلاثًا، سَبعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُهَلِّلُ ثُمَّ يَدعو، ثُمَّ يَقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ وهو على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ولا نَعبُدُ إلَّا إيَّاه، مُخلِصينَ له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكافِرونَ، ثُمَّ يَدعو ويَقولُ: اللهُمَّ اعصِمْني بدينِك وطواعيَتِك وطَواعيةِ رَسولِك، أي: احفَظْني بهذا الدِّينِ وبطاعَتي لك ولنَبيِّك، اللهُمَّ جَنِّبْني حُدودَك، أي: أبعِدْني عنِ المُحرَّماتِ، اللهُمَّ اجعَلْني مِمَّن يُحِبُّك ويُحِبُّ ملائِكَتَك ويُحِبُّ رُسُلَك، ويُحِبُّ عِبادَك الصَّالحينَ، اللهُمَّ حَبِّبْني إليك وإلى ملائِكتِك، أي: اجعَلْني مَحبوبًا لك ولملائِكتِك وإلى عِبادِك الصَّالحينَ، اللهُمَّ يَسِّرْني لليُسرى، أي: سَهِّلْ لي كُلَّ خَيرٍ ويَسيرٍ، وجَنِّبْني العُسرى، أي: أبعِدْني مِن كُلِّ ما فيه شِدَّةٌ وضيقٌ، واغفِرْ لي في الآخِرةِ والأولى، أي: جَميعَ ذُنوبي أوَّلَها وآخِرَها، وفي الدُّنيا والآخِرةِ، واجعَلْني مِن أئِمَّةِ المُتَّقينَ، كما قال تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] ، واجعَلْني مِن ورَثةِ جَنَّةِ النَّعيمِ، أي: مِمَّن يَدخُلُها، واغفِرْ لي خَطيئَتي يَومَ الدِّينِ، أي: يَومَ الجَزاءِ والحِسابِ، وهو يَومُ القيامةِ، اللهُمَّ إنَّك قُلتَ: ادعوني أستَجِبْ لكُم، وإنَّك لا تُخلِفُ الميعادَ، اللهُمَّ إذ هَدَيتَني للإسلامِ فلا تَنزِعْه مِنِّي، ولا تَنزِعْني مِنه حتَّى تَوفَّاني وأنا على الإسلامِ، أي: كَما يَسَّرتَ لي نِعمةَ الإسلامِ فلا تَسلُبْه مِنِّي، بَل ثَبِّتْه في قَلبي حتَّى المَوتِ، اللهُمَّ لا تُقدِّمْني لعَذابٍ، أي: للعَذابِ في الآخِرةِ، ولا تُؤَخِّرْني لسَيِّئِ الفِتَنِ، أي: لا تُؤَخِّرْ مَوتي فأتَعَرَّضَ للفِتَنِ.
يَقولُ نافِعٌ، وهو الرَّاوي عن ابنِ عُمَرَ: ثُمَّ يَدعو بدُعاءٍ كَثيرٍ، حتَّى إنَّه لَيُمِلُّنا وإنَّا لشَبابٌ، أي: يُصيبُنا المَلَلُ والسَّآمةُ مِن طولِ دُعائِه ونَحنُ شَبابٌ فلا نَتَحَمَّلُ طولَ هذا الدُّعاءِ، وكان رَضِيَ اللهُ عنه إذا أتى على المَسعى، أي: السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ سَعى وكَبَّرَ، أي: يَسعى فيه وهو يُكَبِّرُ.
وفي الحَديثِ حِرصُ ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما على تَحَرِّي هَديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أُمورِ المَناسِكِ.
وفيه مَشروعيَّةُ النُّزولِ في ذي طُوًى قَبلَ دُخولِ مَكَّةَ لمَن كان مُحرِمًا.
وفيه مَشروعيَّةُ الغُسلِ لدُخولِ مَكَّةَ.
وفيه مَشروعيَّةُ دُخولِ مَكَّةَ ضُحًى.
وفيه أنَّ أوَّلَ فِعلٍ يَعمَلُه المُحرِمُ إذا قَدِمَ مَكَّةَ هو استِلامُ الحَجَرِ ثُمَّ الطَّوافُ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّسميةِ والتَّكبيرِ عِندَ استِلامِ الحَجَرِ الأسودِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الرَّمَلِ في الأشواطِ الثَّلاثةِ حَولَ الكَعبةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الصَّلاةِ خَلفَ المَقامِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّكبيرِ فَوقَ جَبَلِ الصَّفا سَبعَ مَرَّاتٍ.
وفيه بَيانُ الذِّكرِ الذي يُقالُ عِندَ جَبَلِ الصَّفا.
وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ والإطالةِ فيه فوقَ جَبَلِ الصَّفا.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّكبيرِ أثناءَ السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ .
[حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة] (1/ 308) :
حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن يحيى بن المنذر ثنا حفص بن عمر الحوضي ثنا همام بن يحيى عن نافع: أن ابن عمر كان يدعو على الصفا: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبنى حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ويحب رسلك ويحب عبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرنى لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين.
اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد.
اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى تقبضني وأنا عليه.كان يدعو بهذا الدعاء من دعاء له طويل على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وبين الجمرتين وفي الطواف.
مصنف ابن أبي شيبة (6/ 108 ت الحوت) :
29861 - حدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن سوقة، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قدم حاجا أو معتمرا طاف بالبيت وصلى ركعتين، وكان جلوسه فيها أطول من قيامه ثناء على ربه ومسألة، فكان يقول حين يفرغ من ركعتيه وبين الصفا، والمروة: اللهم اعصمني بدينك وطاعتك، وطاعة رسولك صلى الله عليه وسلم، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك، ورسلك، وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك، وإلى ملائكتك، ورسلك، اللهم آتني من خير ما تؤتي عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، اللهم أوزعني أن أوفي بعهدك الذي عاهدتني عليه، اللهم اجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين
أخبار مكة - الفاكهي (2/ 229 ط 4) :
1411 - حدثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن أيوب السختياني، عن نافع، قال: إن ابن عمر -رضي الله عنهما-كان يدعو على الصفا والمروة: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسر لي لليسرى، وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، اللهم اجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، ولا تخزني يوم يبعثون.