بيْنَا نحن عندَ ابنِ عبَّاسٍ إذ جاءَهُ رَجلٌ، فقالَ: مِن أين جئتَ؟ قالَ: مِنَ العراقِ.

قالَ: مِن أيِّهِم؟ قالَ: مِنَ الكوفةِ.

قالَ: فما الخَبَرُ؟ قالَ: تَرَكْتُهم وهم يَتحدَّثونَ أنَّ عَليًّا خارجٌ إليهم، فقالَ: ما تقولُ لا أَبا لكَ؟ لوْ شَعَرْنا ذلك ما أَنْكَحْنا نساءَهُ، ولا قَسَمْنا ميراثَهُ.

ثُمَّ قالَ: أنا سأُحَدِّثُكَ عنْ ذلك، إنَّ الشَّياطينَ كانوا يَسْتَرِقونَ السَّمْعَ، وكان أحَدُهُم يَجيءُ بكلمةِ حقٍّ قد سَمِعَها النَّاسُ، فيَكذِبُ معها سَبْعينَ كِذْبةً، فيُشْرِبَها قُلوبَ النَّاسِ، فأَطْلعَ اللهُ على ذلك سُليمانَ بنَ داودَ، فأَخَذَها فدَفَنَها تحتَ الكُرسيِّ، فلمَّا ماتَ سُليمانُ قامَ شيطانٌ بالطَّريقِ، فقالَ: ألا أَدُلُّكُم على كَنْزِ سُليمانَ الَّذي لا كَنْزَ لأَحَدٍ مِثلُ كَنزِهِ المُمَنَّعِ؟ قالوا: نَعَمْ.

فأَخْرَجوه، فإذا هو سِحْرٌ، فتَناسَخَتْها الأُممُ، فبَقاياها ممَّا يُحدِّثُ بها أهلُ العراقِ، فأَنزلَ اللهُ عُذرَ سُليمانَ، فقالَ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102] الآيةَ.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# أنبياء - سليمان# علم - القصص# أنبياء - عام# تفسير آيات - سورة البقرة# إيمان - الجن والشياطين
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: عمران بن الحارث
المحدث: الحاكم
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

أُمورُ الغَيبِ اختَصَّ اللهُ تَعالى نَفسَه بها، فلا أحَدَ يَعلَمُ الغَيبَ لا مِنَ المَلَكِ ولا مِنَ البَشَرِ ولا الجِنِّ، قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] ، وما قد يَدَّعيه الجِنُّ مِن مَعرِفةِ الغَيبِ ويُلقونَه إلى أوليائِهِم مِنَ السَّحَرةِ والكُهَّانِ هو مِمَّا يَستَرِقونَه مِنَ السَّماءِ مِمَّا يُطلِعُ اللهُ عليه المَلائِكةَ، فيَأتي مُستَرِقُ السَّمعِ فيَسمَعُ الكَلِمةَ ويَكذِبُ مَعَها عِدَّةَ كَذَباتٍ، ويُصَدِّقُ النَّاسُ الكُهَّانَ بذلك، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عِمرانُ بنُ الحارِثِ السُّلَميُّ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّهُم كانوا جُلوسًا مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما، فجاءَ رَجُلٌ إلى ابنِ عَبَّاسٍ، فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: مِن أينَ جِئتَ؟ فقال الرَّجُلُ: مِنَ العِراقِ.

فقال ابنُ عَبَّاسٍ: مِن أيِّهِم؟ أي: مِن أيِّ مَكانٍ في العِراقِ؟ فقال الرَّجُلُ: مِنَ الكوفةِ.

فقال ابنُ عَبَّاسٍ: فما الخَبَرُ؟ أي: أخبِرْنا عَمَّا فيها مِنَ الأحداثِ، وما الحاصِلُ فيها.

فقال الرَّجُلُ: تَرَكتُهُم وهُم يَتَحَدَّثونَ أنَّ عَليًّا خارِجٌ إلَيهِم، أي: أنَّ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنه سَوفَ يَعودُ ويُبعَثُ بَعدَ مَوتِه قَبلَ يَومِ القيامةِ، وهو ما يُسَمِّيه الشِّيعةُ بالرَّجعةِ، فأغلَبُ أهلِ الكوفةِ كانوا مِنَ الشِّيعةِ، وكانوا يَعتَقِدونَ بأنَّ الأئِمَّةَ سَوفَ يُبعَثونَ! فقال ابنُ عَبَّاسٍ: ما تَقولُ لا أبا لَكَ؟ أي: ما هذا الكَلامُ الذي تَقولُه لا أبا لَكَ، وهيَ كَلِمةُ زَجرٍ وتَوبيخٍ، ثُمَّ قال ابنُ عَبَّاسٍ: لَو شَعَرنا ذلك، أي: لَو عَلِمنا أنَّ عَليًّا سَوفَ يُبعَثُ ما أنكَحنا نِساءَه، ولا قَسَمنا ميراثَهُ، أي: لَم نَكُنْ لنَتَزَوَّجَ نِساءَه بَعدَ مَوتِه ولَم نَكُنْ لنَقسِمَ ميراثَه بَعدَ مَوتِه، فإنَّه إذا كانَ سَيَرجِعُ للدُّنيا كانَ لا بُدَّ أن تَنتَظِرَ نِساؤُه وأن يَبقى مالُه كما هو.

لَكِنَّنا نَعلَمُ يَقينًا أنَّه لَن يَرجِعَ للدُّنيا؛ فلِذلك أُنكِحَت نِساؤُه وقُسِمَ مالُهُ.

ثُمَّ قال ابنُ عَبَّاسٍ: أنا سَأُحَدِّثُكَ عَن ذلك، أي: عَن قَولِ مَن قال: إنَّه سَيَرجِعُ للدُّنيا، إنَّ الشَّياطينَ كانوا يَستَرِقونَ السَّمعَ، أي: يَصعَدونَ إلى السَّماءِ الدُّنيا ويَسمَعونَ ما تَقولُه المَلائِكةُ، وكانَ أحَدُهُم، أي: أحَدُ الشَّياطينِ يَجيءُ بكَلِمةِ حَقٍّ قد سَمِعَها النَّاسُ، فيَكذِبُ مَعَها سَبعينَ كَذبةً، فيُشرَبُها قُلوبُ النَّاسِ، أي: تَتَغَلغَلُ تلك الكَلِمةُ في قُلوبِ النَّاسِ ولا يُبالونَ بالكَذَباتِ التي مَعَها، فأطلَعَ اللهُ على ذلك سُلَيمانَ بنَ داوُدَ، أي: بالكَلِمةِ التي مِنَ السَّماءِ، فأخَذَها سُلَيمانُ فدَفَنَها تَحتَ الكُرسيِّ، أي: كُرسيِّ عَرشِه، فلَمَّا ماتَ سُلَيمانُ قامَ شَيطانٌ بالطَّريقِ، فقال لأصحابِهِ: ألا أدُلُّكُم على كَنزِ سُلَيمانَ الذي لا كَنزَ لأحَدٍ مِثلُ كَنزِه المُمَنَّعِ؟ أي: لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يَملِكَ مِثلَه، وكانَ سُلَيمانُ يُسَيطِرُ على الجِنِّ بهِ.

فقالوا: نَعَم.

فأخرَجوهُ، أي: أخرَجوا تلك الكَلِمةَ مِن تَحتِ الكُرسيِّ، فإذا هو سِحرٌ، فتَناسَخَتها الأُمَمُ، أي: كَتَبَتها الأُمَمُ فيما بَينَهُم أُمَّةً بَعدَ أُمَّةٍ، فبَقاياها مِمَّا يُحَدِّثُ بها أهلُ العِراقِ، أي: أنَّ أهلَ العِراقِ يُحَدِّثونَ بما يُحَدِّثونَ به مِنَ الغَيبِ مِن بَقايا وآثارِ تلك الكَلِمةِ، فأنزَلَ اللهُ عُذرَ سُلَيمانَ، فقال: ﴿واتَّبَعوا ما تَتلو الشَّياطينُ على مُلكِ سُلَيمانَ وما كَفَرَ سُلَيمانُ ولَكِنَّ الشَّياطينَ كَفَروا يُعَلِّمونَ النَّاسَ السِّحرَ﴾ [البَقَرةِ: 102] الآيةَ، أي: أنَّ سُلَيمانَ لَم يَكفُرْ ولَم يَتَعَلَّمِ السِّحرَ، ولَكِنَّ الشَّياطينَ هُمُ الذينَ كَفَروا بتَعَلُّمِهِمُ السِّحرَ وفي زَعمِهِم أنَّ سُلَيمانَ إنَّما كانَ يَغلِبُ النَّاسَ بتلك الكَلِمةِ التي أخفاها تَحتَ الكُرسيِّ، فبَرَّأ اللهُ تَعالى نَبيَّه مِن ذلك.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ سُؤالِ القادِمِ عَن مَكانِ قُدومِهِ.وفيه سُؤالُ العالِمِ عَن أحوالِ البُلدانِ الأُخرى وما فيها مِن أحداثٍ.وفيه بَيانُ ما كانَ يَعتَقِدُه بَعضُ أهلِ الكوفةِ مِن أنَّ عَليًّا سَوفَ يَرجِعُ للدُّنيا.وفيه بَيانُ أنَّ الجِنَّ يَكذِبونَ الكَذَباتِ الكَثيرةَ مَعَ الكَلِمةِ الحَقِّ التي يَسمَعونَها مِنَ السَّماءِ.وفيه بَيانُ مَبدَأِ السِّحرِ المَوجودِ عِندَ الأُمَمِ وتَوارُثِهِم لهُ.وفيه تَبرِئةُ اللهِ لنَبيِّه سُلَيمانَ مِنَ السِّحرِ [41] ينظر: تفسير الطبري (2/325)، تفسير ابن كثير (1/347-348) ، المستدرك (2/291) ، العقوبات لابن أبي الدنيا ( ص : 128) ، تفسير السعدي (ص : 61 ).

.

أحاديث ذات صلة