دَخَلتِ امرأةٌ على النَّبيِّ، فقالت: أيْ بأبي وأُمِّي، إنِّي ابتَعتُ أنا وابني من فُلانٍ ثَمَرَ مالِه، فأحْصَيناهُ، وحَشَدناهُ، لا والذي أكرَمَك بما أكرَمَك به، ما أصَبْنا منه شَيئًا، إلَّا شَيئًا نَأكُلُه في بُطونِنا، أو نُطعِمُه مِسكينًا رجاءَ البَرَكةِ، فنَقَصْنا عليه، فجِئْنا نَستَوضِعُه ما نَقَصْنا، فحَلَفَ باللهِ: لا يَضَعُ لنا شَيئًا، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَألَّى لا أصنَعُ خَيرًا! ثلاثَ مِرارٍ، قال: فبَلَغَ ذلك صاحِبَ الثَّمَرِ، فجاءَه، فقال: أيْ بأبي وأُمِّي، إنْ شِئتَ وَضَعتُ ما نَقَصوا، وإنْ شِئتَ من رأسِ المالِ ما شِئتَ؟ فوَضَعَ ما نَقَصوا، قال أبو عبدِ الرَّحمنِ: وسَمِعتُه أنا من الحَكَمِ.
أخرجه أحمد (24405) واللفظ له، وابن حبان (5032)
جاءَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ بالحَثِّ على التَّسامُحِ والتَّساهُلِ في البَيعِ والشِّراءِ، وبِحُسنِ التَّقاضي، فرَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمحًا إذا باعَ وإذا اشتَرى وإذا اقتَضى، وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ امرَأةً دَخَلَت على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَشكو إلَيه، فقالت له: أيْ بأبي وأُمِّي.
أي: حَرفُ نِداءٍ، والمُنادى مُقدَّرٌ، والمَعنى: يا رَسولَ اللهِ، أنتَ مُفَدًّى بأبي وأُمِّي، إنِّي ابتَعتُ، أي: اشتَرَيتُ أنا وابني مِن فُلانٍ ثَمَرَ مالِهِ، أي: ثَمَرَ بُستانِه، وفي رِوايةٍ أُخرى: ثَمَرةَ أرضِه، فأحصَيناهُ.
أي أحصَيناه بكَيلٍ ونَحوِه، وحَشَدناهُ، أي: جَمَعناه، لا والذي أكرَمَكَ بما أكرَمَكَ به ما أصَبنا مِنه شَيئًا، إلَّا شَيئًا نَأكُلُه في بُطونِنا، أو نُطعِمُه مِسكينًا رَجاءَ البَرَكةِ، أي: تُقسِمُ هذه المَرأةُ باللهِ الذي أكرَمَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنُّبوَّةِ وفَضَّلَه على الخَلقِ أنَّها ما أخَذَت مِنَ البُستانِ إلَّا ما يُؤخَذُ مِنَ الثَّمَرِ عادةً للأكلِ والصَّدَقةِ بقَصدِ التَّبَرُّكِ، فنَقَصنا عليه، فجِئنا نَستَوضِعُه ما نَقَصنا، أي: نَطلُبُ مِنه أن يَترُكَ لَنا شَيئًا مِنَ الثَّمَنِ ويَضَعَه عَنَّا ويَرفُقَ بنا، وذلك لأنَّ الظَّاهِرَ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هذه المَرأةَ اشتَرَت هيَ وابنُها الثَّمَرَ على رُؤوسِ النَّخلِ، ثُمَّ بَعدَ جَمعِه وإحصائِه ظَهَرَ لهُما النَّقصُ على غَيرِ العادةِ؛ لكَونِه أُصيبَ بجائِحةٍ أو نَحوِها، فجاءا يَستَوضِعانِ البائِعَ مِقدارَ النَّقصِ وتَخفيفَ الثَّمَنِ، فحَلَفَ باللهِ لا يَضَعُ لَنا شَيئًا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَألَّى لا أصنَعُ! وفي رِوايةٍ: لا يَصنَعُ خَيرًا! ثَلاثَ مِرارٍ، أي: أنَّه حَلَفَ، والتَّألِّي: المُبالَغةُ في اليَمينِ، والمَعنى: أنَّ هذا الرَّجُلَ حَلَفَ وبالَغَ في يَمينِه أنَّه لا يَفعَلُ خَيرًا، وكَرَّرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا اللّفظَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَأكيدًا للإنكارِ عليهِ.
فبَلَغَ ذلك صاحِبَ الثَّمَرِ، فجاءَهُ، أي: جاءَ صاحِبُ الثَّمَرِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تائِبًا نادِمًا على ما فرَطَ مِنه، فقال: أي بأبي وأُمِّي، إن شِئتَ وضَعتُ ما نَقَصوا، وإن شِئتَ مِن رَأسِ المالِ ما شِئتَ؟ أي: إذا أرَدتَ يا رَسولَ اللهِ أن أضَعَ لهُم مِمَّا نَقَصوه وضَعتُ، وإن شِئتَ أن أضَعَ عَنهُم أكثَرَ مِن ذلك بأن أضَعَ لهُم مِن رَأسِ المالِ الباقي بَعدَ وضعِ مِقدارِ النَّقصِ فعَلتُ ما شِئتَ يا رَسولَ اللهِ، فوضَعَ ما نَقَصوا، أي: أنَّه وضَعَ عَنهُم ما نَقَصوا ولَيسَ مِن رَأسِ المالِ، فلَم يُكَلِّفْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا بوضعِ مِقدارِ النَّقصِ، وهذا هو عَينُ العَدلِ للطَّرَفَينِ.
قال أبو عَبدِ الرَّحمَنِ: والمُرادُ به هُنا عَبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: وسَمِعتُه أنا مِنَ الحَكَمِ.
وهو الحَكَمُ بنُ موسى شَيخُ أحمَدَ، والمَعنى أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ أحمَدَ سَمِعَ هذا الحَديثَ مِنَ الحَكَمِ بنِ موسى، كما سَمِعَه أيضًا أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، فهو راوي الحَديثِ.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الشَّكوى إلى الإمامِ.وفيه مَشروعيَّةُ وضعِ الجَوائِحِ.وفيه مَشروعيَّةُ الصُّلحِ بالتَّغاضي عَن جُزءٍ مِنَ الحَقِّ.وفيه مَشروعيَّةُ الإنكارِ على مَن حَلَفَ ألَّا يَفعَلَ خَيرًا.وفيه ما كانَ عليه الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم مِن سُرعةِ استِجابَتِهِم للخَيرِ والرُّجوعِ للحَقِّ [35] ينظر: الفتح الرباني (15/ 23 - 2 4)، حاشية السندي على المسند (5/ 484 - 48 5)، صحيح ابن حبان (11/408) .
.