كتب إِلَيّ أَبُو قِلَابَةَ أَنْ أَتَعَلَّمَ هَذِهِ الْكَلِمَات وَأَعْلَمَهُنَّ ابنه لا إلهَ إلَّا اللهُ العظيمُ الحليمُ فذكر مِثْلَ رِوَايَةِ الكتابِ وزادَ: سُبحانك يا رَحمنُ، ما شئتَ أن يكونَ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ، أعوذُ بالله الذي يُمسِكُ السَّمَواتِ السَّبعَ ومَن فيهِنَّ أن يَقَعْنَ على الأرضِ إلَّا بإذْنِه، ومِنَ الشَّرِّ كُلِّه في الدُّنيا والآخِرةِ
رَغَّبَ اللهُ تَعالى عِبادَه أن يُكثِروا مِن ذِكرِه، وبَيَّنَ لهُم سُبحانَه ما للذَّاكِرينَ عِندَه مِنَ الجَزاءِ العَظيمِ والأجرِ الكَبيرِ، وفَضائِلُ الذِّكرِ كَثيرةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأنواعُ الأذكارِ الوارِدةِ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السُّنَّةِ مُتَعَدِّدةٌ ومُتَنَوِّعةٌ؛ فمِنها الأذكارُ المُطلَقةُ غَيرُ المُقَيَّدةِ، ومِنها الأذكارُ المُقَيَّدةُ بأحوالٍ مُعَيَّنةٍ وأماكِنَ مُعَيَّنةٍ، ومِن تلك الأذكارِ ما جاءَ في هذا الحَديثِ حَيثُ يَقولُ أيُّوبُ السَّختيانيُّ أحَدُ الأئِمَّةِ: إنَّ أبا قِلابةَ عَبدَ اللهِ الجَرميَّ وهو أحَدُ التَّابِعينَ كَتَبَ له بأن يَتَعَلَّمَ هذا الذِّكرَ، وهو: سُبحانَكَ يا رَحمَنُ.
التَّسبيحُ: التَّنزيهُ، أي: أُنَزِّهُكَ يا رَبِّ عَن جَميعِ العُيوبِ والنَّقائِصِ وأُثبِتُ لك كُلَّ صِفاتِ الكَمالِ.
ما شِئتَ أن يَكونَ كانَ، وما لَم يَشَأْ لَم يَكُنْ، أي: أنَّ جَميعَ الأشياءِ كائِنةٌ وواقِعةٌ بمَشيئةِ اللهِ تَعالى، ولا يَخرُجُ شَيءٌ عَن مَشيئَتِه وإرادَتِه، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى شَيئًا فإنَّه واقِعٌ، وإذا لَم يُرِدْ شَيئًا فإنَّه لا يَقَعُ، ومَشيئةُ العِبادِ تابِعةٌ لمَشيئةِ اللهِ وإرادَتِه كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] ، وكُلُّ شَيءٍ يَجري بتَقديرِه ومَشيئَتِه، ومَشيئَتُه تَنفُذُ، لا مَشيئةَ للعِبادِ إلَّا ما شاءَ لهُم سُبحانَه.
لا حَولَ، أي: لا تَحَوُّلَ ولا انتِقالَ للعَبدِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ولا قوةَ إلَّا باللهِ، أي: ولا قُدرةَ له على ذلك التَّحَوُّلِ والِانتِقالِ إلَّا باللهِ، أي: إلَّا بإرادةِ اللهِ وقُدرَتِه ومَشيئَتِه، فالعَبدُ لا يَملِكُ لنَفسِه ضَرًّا ولا نَفعًا، فهيَ كَلِمةُ استِسلامٍ وتَفويضٍ إلى اللهِ تَعالى وأنَّ العَبدَ لا يَملِكُ مِن أمرِه شَيئًا، ولَيسَ له حيلةٌ في دَفعِ شَرٍّ ولا قوةٌ في جَلبِ خَيرٍ إلَّا بإرادةِ اللهِ تَعالى.
وقيلَ: الحَولُ: الحَرَكةُ والحيلةُ، أي: لا حَرَكةَ ولا استِطاعةَ ولا حيلةَ إلَّا بمَشيئةِ اللهِ تَعالى، وقيلَ: مَعناه لا حَولَ في دَفعِ شَرٍّ ولا قوةَ في تَحصيلِ خَيرٍ إلَّا باللهِ، وقيلَ: لا حَولَ عَن مَعصيةِ اللهِ إلَّا بعِصمَتِه ولا قوَّةَ على طاعَتِه إلَّا بمَعونَتِه.
ثُمَّ قال: أعوذُ باللهِ، أي: أعتَصِمُ وألتَجِئُ إلى اللهِ، الذي يُمسِكُ السَّمَواتِ السَّبعَ ومَن فيهِنَّ أن يَقَعنَ على الأرضِ إلَّا بإذنِهِ، أي: هو وحدَه سُبحانَه القادِرُ على مَسكِ السَّمَواتِ وهيَ بدونِ عَمَدٍ أن تَقَعَ على الأرضِ، كما قال تَعالى: ﴿ويُمسِكُ السَّماءَ أن تَقَعَ على الأرضِ إلَّا بإذنِهِ﴾ [الحَجِّ: 65] .
ومِنَ الشَّرِّ كُلِّه في الدُّنيا والآخِرةِ، أي: طَلَبَ الِاستِعاذةَ باللهِ مِن جَميعِ شُرورِ الدُّنيا والآخِرةِ [7] ينظر: الفتوحات الربانية (4/ 2 -3)، مرقاة المفاتيح (4/1597) ، النهاية (3/ 318 )، شرح الطحاوية (1/ 133 ).
.