أُتِيَ عمرُ برجلٍ أقطعَ الزندَ والرجلُ قد سرقَ فأمرَ بهَ عمرَ أن تُقطعَ رجلهُ فقال عليّ : إنما قالَ اللهُ تعالى ( إِنَّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ .
.
) الآية وقد قطعتَ يدَ هذا ورجلهُ فلا ينبغِي أن تقطعَ رجلهُ فتدعهُ ليسَ له قائمةً يمشِي عليها .
إما أن تعزرهُ وإما أن تستودعهُ السجنَ فاستودعهُ السجنَ
أخرجه البيهقي (17729)
اشتَمَلَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ على كُلِّ ما يَحتاجُه المُسلِمُ في أمرِ دينِه ودُنياه، فهذه الشَّريعةُ فيها أحكامُ العَقائِدِ، وأحكامُ العِباداتِ وأحكامُ المُعامَلاتِ والجِناياتِ والعُقوباتِ، ومِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالعُقوباتِ: قَطعُ يَدِ السَّارِقِ، فقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ السَّارِقَ إذا سَرَقَ وثَبَتَ ذلك عليه وعِندَ اجتِماعِ الشُّروطِ؛ فإنَّ حَدَّه أن تُقطَعَ يَدُه، قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] ، وإذا كَرَّرَ السَّرِقةَ فإنَّه تُقطَعُ رِجلُه، ثُمَّ إذا كَرَّرَ السَّرِقةَ بَعدَ ذلك هَل تُقطَعُ يَدُه الأُخرى، أم يُعَزَّرُ ويُحبَسُ؟ اختَلَفَ في ذلك الصَّحابةُ، وفي هذا الحَديثِ أنَّه أُتيَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه برَجُلٍ أقطَعِ الزَّندِ، وهو مَوصِلُ طَرَفِ الذِّراعِ في الكَفِّ والرِّجلِ.
والمَقصودُ أنَّه مَقطوعُ اليَدِ والرِّجلِ كما في الرِّوايةِ الأُخرى، قد سَرَقَ، أي: أنَّه سَرَقَ في المَرَّةِ الأولى فقُطِعَت يَدُه، ثُمَّ سَرَقَ مَرَّةً ثانيةً فقُطِعَت رِجلُه، ثُمَّ سَرَقَ في المَرَّةِ الثَّالِثةِ فأمَرَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه أن تُقطَعَ رِجلُه، أي: رِجلُه الثَّانيةُ.
فقال عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنه لعُمَرَ: إنَّما قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] ، وإنَّه قد قُطِعَت يَدُ هذا الرَّجُلِ ورِجلُه، فلا يَنبَغي أن تُقطَعَ رِجلُه الثَّانيةُ فتَدَعَه ليس له قائِمةٌ، أي: أرجُلٌ يَمشي عليها، وإنَّما تُعَزِّرُه بأن تُعاقِبَه بشَيءٍ آخَرَ غَيرِ القَطعِ، وإمَّا أن تَستَودِعَه السِّجنَ، أي: تَأمُرَ به فيُحبَسَ، فاستَودَعَه السِّجنَ، أي: لَمَّا سَمِعَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه رَأيَ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، فكَأنَّه استَحسَنَه، فعِندَ ذلك أمَرَ بالسَّارِقِ أن يُسجَنَ، والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ السَّارِقَ تُقطَعُ يَدُه في المَرَّةِ الأولى ورِجلُه في المَرَّةِ الثَّانيةِ.وفيه بَيانُ رَأيِ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه في حُكمِ مَن سَرَقَ للمَرَّةِ الثَّالِثةِ.وفيه موافَقةُ عُمَرَ لرَأيِ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنهُما وعَمَلُه بهِ.وفيه مَشروعيَّةُ حَبسِ السَّارِقِ إذا سَرَقَ في المَرَّةِ الثَّالِثةِ بَعدَ قَطعِ يَدِه ورِجلِهِ.وفيه ما كانَ عليه عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه مِن مُشاورَتِه لأهلِ العِلمِ والرُّجوعِ إليهم [1] ينظر: القاموس المحيط (ص 285 )، منار السبيل (2/ 391 - 39 2)، السنن الكبرى للبيهقي (8/ 476 )، المغني (9/ 124 - 126 ).
.