أنَّه سمِعَ أبا الدَّرداءِ، وهوَ في آخرِ صلاتِه، وقد فَرغَ من التَّشهُّدِ، يتعوَّذُ باللهِ من الِّنفاقِ.
فأكْثرَ التَّعوُّذَ منهُ فقال جُبيْرٌ: وما لكَ يا أبا الدَّرداءِ أنتَ والنِّفاقَ، فقالَ دَعْنا عَنكَ دَعْنا عَنكَ.
فوا للهِ إنَّ الرَّجلَ لَيُقلَبُ عَن دينِه في السَّاعِةِ الواحِدةِ فيُخلَعَ منهُ.
أخرجه الفريابي في ((صفة النفاق)) (68)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (831)، وابن عساكر (47/ 181) واللفظ لهم جميعا.
النِّفاقُ مِن أخطَرِ أنواعِ الذُّنوبِ وأشَدِّها عُقوبةً في الآخِرةِ، ولَم يَتَوعَّدِ اللهُ أحَدًا مِثلَما تَوعَّدَ المُنافِقينَ؛ وذلك لشِدَّةِ جُرمِهِم وخَطَرِهِم، وحَقيقَتُه إظهارُ الإسلامِ والدِّينِ وإبطانُ الكُفرِ والبُغضِ للدِّينِ، وقد كانَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم يَخافونَ على أنفُسِهِم مِنَ النِّفاقِ أشَدَّ الخَوفِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جُبَيرُ بنُ نُفَيرٍ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه سَمِعَ أبا الدَّرداءِ رَضيَ اللهُ عنه، وهو في آخِرِ صَلاتِه وقد فرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ، أي: يَقولُ في نِهايةِ الصَّلاةِ بَعدَ أنِ انتَهى مِنَ التَّشَهُّدِ، يَتَعَوَّذُ باللهِ مِنَ النِّفاقِ.
فأكثَرَ التَّعَوُّذَ مِنه، أي: يَدعو اللهَ وكانَ في دُعائِه يَسألُ اللهَ أن يَعصِمَه مِنَ النِّفاقِ، ويُكثِرُ مِن هذا الدُّعاءِ ويُكَرِّرُه.
فقال له جُبَيرٌ بَعدَما انتَهى أبو الدَّرداءِ مِن صَلاتِهِ: وما لَكَ يا أبا الدَّرداءِ أنتَ والنِّفاقَ؟! أي: كَأنَّه يَقولُ له: لماذا تُكثِرُ الدُّعاءَ بهذا وأنتَ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فأنتَ بَعيدٌ عَنِ النِّفاقِ وعَنِ الِاتِّصافِ بصِفةِ المُنافِقينَ! وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: ما شَأنُكَ وما شَأنُ النِّفاقِ؟ فقال له أبو الدَّرداءِ: دَعنا عَنكَ! دَعنا عَنكَ.
أيِ: اترُكنا مِن كَلامِكَ هذا وتَزكيَتِكَ لَنا، فواللهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَقَلَّبُ عَن دينِه في السَّاعةِ الواحِدةِ فيُخلَعُ مِنهُ.
أي: إنَّ الرَّجُلَ لَيَرجِعُ عَنِ الدِّينِ ويُفتَنُ في خِلالِ ساعةٍ واحِدةٍ فيَترُكُ الدِّينَ! فلِهذا أنا أُكثِرُ مِنَ الدُّعاءِ حَتَّى لا أنقَلِبَ عَن ديني، وفي رِوايةٍ أُخرى موضِّحةٍ أنَّه قال: واللهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيُفتَنُ في ساعةٍ واحِدةٍ فيَنقَلِبُ عَن دينِهِ.وفي الحَديثِ بَيانُ شِدَّةِ خَوفِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم مِنَ النِّفاقِ.وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ بَعدَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ.وفيه سُؤالُ الطَّالِبِ لشَيخِه عَمَّا قد يَستَشكِلُه مِن حالِ شَيخِه.وفيه عَدَمُ اغتِرارِ المَرءِ بما هو عليه مِنَ الإيمانِ أوِ العَمَلِ الصَّالِحِ أو غَيرِ ذلك [47] ينظر: صفة النفاق للفريابي (ص 113 - 11 4)، شعب الإيمان (2/258) .
.
صفة النفاق وذم المنافقين للفريابي (ص113) :
68 - حدثنا عمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني صفوان بن عمرو، قال: حدثني سليم بن عامر، حدثني جبير بن نفير، أنه سمع أبا الدرداء ، وهو في آخر صلاته وقد فرغ من التشهد يتعوذ بالله من النفاق فأكثر من التعوذ منه قال: فقال جبير: وما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: دعنا عنك فوالله إن الرجل ليتقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه
شعب الإيمان (2/ 258 ط الرشد) :
831 - أخبرنا أبو عبد الله بن عبد الله البيهقي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الخسروجردي، حدثنا داود بن الحسين، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق فلما انصرف قلت: غفر الله لك يا أبا الدرداء ما أنت والنفاق؟ قال: " اللهم غفرا - ثلاثا - من يأمن البلاء؟ من يأمن البلاء؟ والله إن الرجل ليفتتن في ساعة فينقلب عن دينه "
[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (47/ 181) :
حدثنا أبو منصور بن خيرون لفظا وأبو طاهر يحيى بن محمد بن أحمد وأبو محمد علي بن عبد القاهر بن الخضر وأبو خازم محمد بن محمد بن الحسين وأبو بكر محمد بن الحسين وأبو الفرج هبة الله بن محمد بن علي بن الحسن بن علي المكبر وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي الفتح الطرائفي وسارة بنت محمد بن عبد الوهاب وابنتها مهنار بنت يانس العالي وأم أبيها فاطمة بنت علي بن الحسين قراءة قالوا أنا أبو جعفر بن المسلمة أنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري أنا جعفر بن محمد الفريابي حدثني عمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي نا بقية بن الوليد حدثني صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر حدثني جبير بن نفير أنه سمع أبا الدرداء وهو في آخر صلاته وقد فرغ من التشهد يتعوذ بالله من النفاق فأكثر التفوذ منه قال فقال له جبير ما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق قال دعنا عنك دعنا عنك فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه.