كان عمرُ بنُ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ إذا سُئِلَ عن شيءٍ قال : لا آمُرُك ولا أنهاكَ ، ثمَّ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : و اللهِ ما بُعِثَ نبيُّهُ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ إلَّا زاجرًا مُحِلًّا محرِّمًا قال القاسِمُ : فسلَّطَ على ابنِ عبَّاسٍ رجلٌ يسألُه عن الأنفالِ، فقال ابنُ عبَّاسٍ : كانَ الرَّجلُ يُنفَلُ فرسَ الرَّجلِ و سلاحَهُ .
فأعاد عليهِ الرَّجُلُ، فقال لهُ مثلَ ذلك، ثمَّ أعاد عليهِ حتَّى أغضبَه ، فقال ابنُ عبَّاسٍ : أتَدرونَ ما مَثلُ هذا ؟ مثلَ صَبيغٍ الَّذي ضَربَه عمرُ بنُ الخطَّابِ ، حتَّى سالَت الدِّماءُ على عقبيْهِ أو علَى : رِجلَيْهِ فقال الرَّجلُ : أمَّا أنتَ فقَدِ انتَقمَ اللهُ لعُمَرَ منكَ
شَرَعَ اللهُ تَعالى الجِهادَ لإعلاءِ كَلِمَتِه سُبحانَه وحَتَّى يَدخُلَ النَّاسُ في دينِ اللهِ، وأباحَ سُبحانَه ما يَتَرَتَّبُ على الجِهادِ مِمَّا يَأخُذُه المُسلِمونَ مِنَ الغَنائِمِ مِنَ الكُفَّارِ، ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بالغَنائِمِ الأنفالُ، وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما المَقصودَ بالأنفالِ، فيُخبِرُ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه كانَ إذا سُئِلَ عَن شَيءٍ، أي: عَن حُكمِ مَسألةٍ أو واقِعةٍ وقَعَت.
قال للسَّائِلِ: لا آمُرُكَ ولا أنهاكَ، أي: أنا أتَوقَّفُ في حُكمِ هذه المَسألةِ فلا آمُرُكَ بفِعلِها ولا أنهاكَ عَن فِعلِها، ولَعَلَّه لَم يَتَرَجَّح لَدَيه حُكمٌ مُعَيَّنٌ، فتَوقَّفَ فيها.
ثُمَّ قال ابنُ عَبَّاسٍ: واللهِ ما بَعَثَ اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا زاجِرًا مُحِلًّا مُحَرِّمًا، أي: أنَّه ليس في الدِّينِ شَيءٌ يُتَوقَّفُ في حُكمِه، بَل إنَّ الشَّيءَ إمَّا أن يَكونَ حَلالًا وإمَّا أن يَكونَ حَرامًا، فكذلك لَم يَبعَث نَبيَّه إلَّا لتَحليلِ الحَلالِ وتَحريمِ الحَرامِ والكَفِّ عَن تَعَدِّي حُدودِ اللهِ، قال القاسِمُ، وهو القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ أحَدُ التَّابِعينَ راوي الحَديثِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: فسُلِّطَ على ابنِ عَبَّاسٍ رَجُلٌ يَسألُه عَنِ الأنفالِ، أي: جوزيَ ابنُ عَبَّاسٍ باعتِراضِه على عُمَرَ أن جاءَ رَجُلٌ يَسألُه عَن مَعنى الأنفالِ في قَولِه تَعالى ﴿يَسألونَكَ عَنِ الأنفالِ﴾ [الأنفالِ: 1] .
فقال ابنُ عَبَّاسٍ: كانَ الرَّجُلُ، أي: مِنَ المُقاتِلينَ، يُنَفَّلُ فرَسَ الرَّجُلِ وسِلاحَه، أي: يُعطي الإمامُ أحَدَ المُقاتِلينَ فرَسَ مَن قَتَلَه وكَذا سِلاحه الذي عليه، وهو السَّلَبُ، ففَسَّرَ ابنُ عَبَّاسٍ النَّفَلَ بما يُنَفِّلُه الإمامُ لبَعضِ الأشخاصِ مِن سَلَبٍ أو نَحوِه، بَعدَ قَسمِ أصلِ المَغنَمِ.
فأعادَ الرَّجُلُ السُّؤالَ على ابنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً أُخرى، فقال له ابنُ عَبَّاسٍ مِثلَ ذلك، أي: أعادَ عليه نَفسَ الجَوابِ.
ثُمَّ أعادَ عليه الرَّجُلُ السُّؤالَ مَرَّةً ثالِثةً حَتَّى غَضِبَ ابنُ عَبَّاسٍ مِن ذلك وتَكرارِه لهُ.
فقال ابنُ عَبَّاسٍ: أتَدرونَ ما مَثَلُ هذا؟ أي: صِفةُ هذا الرَّجُلِ في تَكرارِه للسُّؤالِ وعَدَمِ قَناعَتِه بالجَوابِ، مَثَلُ صبيغٍ، وهو صبيغُ بنُ عَسَلٍ، الذي ضَرَبَه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، حَتَّى سالَتِ الدِّماءُ على عَقِبَيه.
وهيَ مُؤَخَّرةُ الرَّجُلِ، أو على: رِجلَيه.
وصبيغُ بنُ عَسَلٍ هذا كانَ يَسألُ عَنِ المُتَشابِهاتِ في القُرآنِ ويَعتَرِضُ عليها، فدَعاه عُمَرُ فضَرَبَه على ذلك حَتَّى سالَ الدَّمُ على رِجلَيه.
ومَثَّلَ به ابنُ عَبَّاسٍ لأنَّه رَآه مُتَعَنِّتًا غَيرَ مُصغٍ للعِلمِ، فحَقيقٌ أن يُصنَعَ به مِثلُ صبيغٍ، ويَترُك السُّؤالَ عَمَّا لا يَعنيه.
فقال الرَّجُلُ: أمَّا أنتَ فقدِ انتَقَمَ اللهُ لعُمَرَ مِنكَ.
أي: أنتَ يا ابنَ عَبَّاسٍ قدِ انتَقَمَ اللهُ لعُمَرَ مِنكَ حَيثُ كُنتَ تَستَنكِرُ عليه قَولَه في الشَّيءِ: لا آمُرُكَ ولا أنهاكَ، فسُلِّطَ عليكَ أمثالي.وفي الحَديثِ ما كانَ عليه عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه مِنَ التَّورُّعِ في الفُتيا.وفيه بَيانُ ابنِ عَبَّاسٍ لمَعنى الأنفالِ.وفيه مَشروعيَّةُ زَجرِ العالِمِ لمَن يُكثِرُ الِاعتِراضَ عليهِ.وفيه تَركُ السُّؤالِ عَمَّا لا يَعني [46] ينظر: تفسير ابن كثير (4/6) ، تفسير عبد الرزاق (2/110) ، الاستذكار (5/65-66) ، شرح الزرقاني على الموطأ (3/37) ، المنتقى للباجي (3/194) ، نخب الأفكار (12/274) ، الإبانة الكبرى (1/417) .
.