لمَّا حجَّ معاويةُ حجَجنا معَهُ ، فلمَّا طافَ بالبيتِ صلَّى عندَ المقامِ رَكْعتَينِ ، ثمَّ مرَّ بزمزمَ وَهوَ خارجٌ إلى الصَّفا فقالَ : انزَعْ لي مِنها دَلوًا يا غلامُ ، قالَ : فنزعَ لَهُ منهُ دَلوًا ، فأُتيَ بِهِ فشرِبَ وصبَّ علَى رأسِهِ وَوجهِهِ ، وَهوَ يقولُ : زمزمُ شِفاءٌ ، وَهيَ لما شُرِبَ لَهُ
أخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (1096)، والسخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (568) واللفظ لهما.
فضَّلَ اللهُ تَعالى بَعضَ الأشخاصِ والأزمانِ والأماكِنِ والأشياءِ على غَيرِها، واختَصَّها بفَضائِلَ لَيسَت لغَيرِها، كما قال سُبحانَه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] ، ومن تلكم الأشياءِ ماءُ زَمزَمَ؛ فهو أشرَفُ المياهِ وأجَلُّها قدرًا وأحَبُّها إلى النُّفوسِ، وجَعَلَ اللهُ فيه البَرَكةَ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا حَجَّ أوِ اعتَمَرَ شَرِبَ مِنه، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنهُما أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ لَمَّا حَجَّ حَجُّوا مَعَه في تلك الحَجَّةِ، يَقولُ ابنُ الزُّبَيرِ: فلَمَّا طافَ مُعاويةُ بالبَيتِ، أي: لَمَّا انتَهى مِنَ الطَّوافِ حَولَ البَيتِ وهو طَوافُ الإفاضةِ، صَلَّى عِندَ المَقامِ رَكعَتَينِ، أي: صَلَّى خَلفَ مَقامِ إبراهيمَ رَكعَتَينِ كما كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَفعَلُ، ثُمَّ مَرَّ بزَمزَمَ، أي: بئرِ زَمزَمَ، وهو خارِجٌ إلى الصَّفا، أي: مَرَّ بزِمامٍ أثناءَ خُروجِه مِنَ الطَّوافِ مُتَّجِهًا إلى جَبَلِ الصَّفا لكَي يَسعى بَينَ الصَّفا والمَروةِ، فقال مُعاويةُ لغُلامِهِ: انزِعْ لي مِنها دَلوًا، أيِ: اغرِفْ لي مِنَ البِئرِ دَلوًا مِنَ الماءِ، فنَزَعَ له الغُلامُ مِنَ البِئرِ دَلوًا مِنَ الماءِ، وأتى به إلى مُعاويةَ، فشَرِبَ مُعاويةُ مِن ماءِ زَمزَمَ وصَبَّ على رَأسِه ووَجهِه، أي: أفرَغَ بَقيَّةَ الماءِ الذي في الدَّلوِ على وجهِه ورَأسِه تَبَرُّكًا بهذا الماءِ المُبارَكِ، وكانَ يَقولُ أثناءَ صَبِّه للماءِ على رَأسِهِ: زَمزَمُ شِفاءٌ، أي: أنَّ ماءَ زَمزَمَ يُعتَبَرُ شِفاءً مِنَ الدَّاءِ والأمراضِ بإذنِ اللهِ، ولا يَتَخَلَّفُ الشِّفاءُ إلَّا لعَدَمِ قابِليَّةِ الشَّارِبِ؛ لضَعفِ نيَّتِه أو نَحوِها، والشِّفاءُ وتَأخُّرُه كُلُّ ذلك بحِكمةِ اللهِ تَعالى، وهيَ لِما شُرِبَ له، أي: لما نَواه الشَّارِبُ وقَصَدَه، فإن كانَ يَقصِدُ بشُربِه الشِّفاءَ شُفيَ، وإن كانَ يَقصِدُ به العِلمَ أُعطيَ عِلمًا، ونَحو ذلك مِنَ المَقاصِدِ الحَسَنةِ التي يُريدُها النَّاسُ في دُنياهُم وآخِرَتِهِم، فهو عامٌّ في كُلِّ ما نَواه شارِبُه لدَفعِه أو جَلبِه، فقد جَعَلَه اللهُ لكُلِّ مَطلوبٍ فهو سُقيا اللهِ وغياثُه لولَدِ خَليلِه إبراهيمَ، فبَقيَ غياثًا لمَن بَعدَه، فمَن شَرِبَه بإخلاصٍ وجَدَ ذلك الغَوثَ، وقد شَرِبَه جَمعٌ مِنَ العُلَماءِ والصَّالِحينَ لمَطالِبَ فنالوها.وفي الحَديثِ فضلُ ماءِ زَمزَمَ، وأنَّه ماءٌ مُبارَكٌ.وفيه مَشروعيَّةُ الحَجِّ مَعَ الأميرِ.وفيه حِرصُ النَّاسِ على مَعرِفةِ أفعالِ الأميرِ في الحَجِّ وغَيرِها.وفيه مَشروعيَّةُ الِاستِعانةِ بالغَيرِ في شُربِ الماءِ.وفيه مَشروعيَّةُ شُربِ ماءِ زَمزَمَ بَعدَ الطَّوافِ.وفيه مَشروعيَّةُ صَبِّ ماءِ زَمزَمَ على الوجهِ والرَّأسِ.وفيه أنَّ ماءَ زَمزَمَ شِفاءٌ.وفيه استِجابةُ الدُّعاءِ وتَحَقُّقُ المَطالِبِ عِندَ شُربِ ماءِ زَمزَمَ [37] ينظر: أخبار مكة للفاكهي (2/35) ، سبل الهدى والرشاد (1/182) ، التنوير شرح الجامع الصغير (9/319) (9/317) ، فيض القدير (5/404) ، مرعاة المفاتيح (9/47).
.
أخبار مكة للفاكهي (2/ 35) 1096 - حدثنا محمد بن إسحاق الصيني قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حج معاوية رضي الله عنه حججنا معه، فلما طاف بالبيت، وصلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: " انزع لي منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منها دلوا، فأتى به فشرب منه وصب على وجهه ورأسه، وهو يقول: " زمزم شفاء، هي لما شرب له "
المقاصد الحسنة (ص568) :
وأحسن من هذا كله عند شيخنا ما أخرجه الفاكهي من رواية ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: نزع لي منها دلو يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب وصب على وجهه ورأسه وهو يقول: زمزم شفاء، وهي لما شرب له، بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفا، وأفرد فيه جزءا، واستشهد له في موضع آخر بحديث أبي ذر رفعه: إنها طعام طعم وشفاء سقم، وأصله في مسلم