عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما في قولِهِ تَعالَى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا} [النمل: 21] قالَ: يَنتِفُ ريشَهُ.

قالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: كان سُليمانُ بنُ داودَ يُوضعُ له سِتُّ مائةِ ألفِ كُرسيٍّ، ثُمَّ يَجيءُ أشرافُ الإنس حتَّى يَجلِسوا ممَّا يليه، ثُمَّ يَجيءُ أشرافُ الجِنِّ حتَّى يَجلِسوا ممَّا يلي الإنسَ، ثُمَّ يَدعو الطَّيرَ فيُظلُّهم، ثُمَّ يَدعو الرِّيحَ فتَحمِلُهم، فيَسيرُ في الغداةِ الواحدةِ مسيرةَ شهرٍ، فبيْنَما هو يَسيرُ في فَلاةٍ إذ احتاجَ إلى الماءِ، فجاءَ الهدهدُ، فجَعَلَ ينقُرُ الأرضَ، فأصابَ موضعَ الماءِ، فجاءتِ الشَّياطينُ فسَلَخَتْ ذلك المَوضعَ كما يَسلُخُ الإهابَ فأصابوا الماءَ».

فقالَ نافعُ بنُ الأَزرقِ: يا وقَّافُ، أرأيتَ الهُدهُدَ كيف يَجيءُ فينقُرُ الأرضَ فيُصيبُ مَوضعَ الماءِ وهو يَجيءُ إلى الفَخِّ وهو يُبصِرُهُ حتَّى يَقعَ في عنُقِهِ؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: إنَّ القدَرَ إذا جاءَ حالَ دون البَصرِ.

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة النمل# أنبياء - خصائص وفضائل# أنبياء - سليمان# إيمان - الأنبياء والرسل# إيمان - الجن والشياطين
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: سعيد بن جبير
المحدث: الحاكم
الحكم:صحيح على شرط الشيخين

الشرح والتوضيح

كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما مِمَّن أوتيَ عِلمَ التَّأويلِ؛ فقد دَعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعَلِّمَه اللهُ التَّأويلَ والتَّفسيرَ، فرُزِقَ مِن ذلك عِلمًا كَثيرًا؛ ولِذا سُمِّيَ بحَبرِ القُرآنِ وتُرجُمانِ القُرآنِ، وقد فسَّرَ كَثيرًا مِن آياتِ القُرآنِ، ومِن ذلك تَفسيرُه لقَولِه تَعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّه عَذابًا شَديدًا﴾ [النمل: 21] فقال: أن يَنتِفَ ريشَه، أي: يُبعِدُها مِن جِلدِه حَتَّى يَبقى الهُدهُدُ بلا ريشٍ ويُلقيَه في الشَّمسِ لا يَمتَنِعُ مِنَ النَّملِ ولا مِن هَوامِّ الأرضِ، يَقولُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: كانَ سُلَيمانُ بنُ داوُدَ عليهِما السَّلامُ يوضَعُ له سِتُّ مِئةِ ألفِ كُرسيٍّ، ثُمَّ يَجيءُ أشرافُ الإنسِ، أي: كُبَراؤُهُم ووُجَهاؤُهُم حَتَّى يَجلِسوا مِمَّا يَليه، أي: في الصَّفِّ الذي أمامَه، ثُمَّ يَجيءُ أشرافُ الجِنِّ حَتَّى يَجلِسوا مِمَّا يَلي الإنسَ، أي: خَلفَهُم، ثُمَّ يَدعو الطَّيرَ فيُظِلُّهُم، أي: يَجعَلُ الطَّيرَ تُظِلُّ الحاضِرينَ، ثُمَّ يَدعو الرِّيحَ فتَحمِلُهُم، أي: يَجعَلُ الرِّيحَ تَحمِلُهُم جَميعًا، فيَسيرُ في الغَداةِ الواحِدةِ، أي: صَباحَ اليَومِ مَسيرةَ شَهرٍ، أي: يَقطَعُ سَفَرَ شَهرٍ في يَومٍ واحِدٍ، فبَينَما هو يَسيرُ في فلاةٍ، أي: صَحراءَ أو أرضٍ خاليةٍ، إذِ احتاجَ إلى الماءِ، أي: عَطِشَ سُلَيمانُ فأرادَ الماءَ، فجاءَ الهُدهُدُ، فجَعَلَ يَنقُرُ الأرضَ، فأصابَ مَوضِعَ الماءِ، أي: كانَ عِندَ الهُدهُدِ مَعرِفةٌ بأماكِنِ وُجودِ الماءِ، فجاءَتِ الشَّياطينُ فسَلَخَت ذلك المَوضِعَ، أي: حَفَرَته وبَعَّدَته كما يُسلَخُ الإهابُ، وهو الجِلدُ، فأصابوا الماءَ، أي: أنَّهُم سَلَخوا ذلك المَكانَ مِنَ الأرضِ حَتَّى وجَدوا الماءَ.

فقال نافِعُ بنُ الأزرَقِ وهو الحَروريُّ مِن رُؤوسِ الخَوارِجِ، وإلَيه تُنسَبُ طائِفةُ الأزارِقةِ، وكانَ كَثيرَ الِاعتِراضِ على ابنِ عَبَّاسٍ: يا وقَّافُ، أي: قِفْ عِندَ هذه المَسألةِ يا وقَّافُ، يَقصِدُ ابنَ عَبَّاسٍ، وفي رِوايةٍ أنَّه قال: قِفْ يا ابنَ عَبَّاسٍ، أرَأيتَ الهُدهُدَ كَيفَ يَجيءُ فيَنقُرُ الأرضَ فيُصيبُ مَوضِعَ الماءِ وهو يَجيءُ إلى الفَخِّ، أي: المِصيَدةِ وهو يُبصِرُه حَتَّى يَقَعَ في عُنُقِهِ؟أي: أنَّه تَعَجَّبَ ويَعتَرِضُ بذلك مِن أمرِ الهُدهُدِ كَيفَ يَعرِفُ مَوضِعَ الماءِ وهو لا يَراه، وكَيفَ يَقَعُ في المِصيَدةِ وهو يَراها.

وفي رِوايةٍ أنَّه قال: غُلِبتَ اليَومَ يا ابنَ عَبَّاسٍ، إنَّكَ تُخبِرُ عَنِ الهُدهُدِ أنَّه يَرى الماءَ في باطِنِ الأرضِ، وإنَّ الصَّبيَّ لَيَضَعُ له الحَبَّةَ في الفَخِّ، ويَحثو على الفَخِّ تُرابًا، فيَجيءُ الهُدهُدُ ليَأخُذَها فيَقَعُ في الفَخِّ، فيَصيدُه الصَّبيُّ! فقال ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: إنَّ القدَرَ إذا جاءَ حالَ دونَ البَصَرِ، أي: أنَّ قدَرَ اللهِ المُقدَّرَ على الخَلقِ إذا حانَ مَوعِدُه فإنَّ البَصَرَ يُعمى عَمَّا أمامَه حَتَّى يَقَعَ قدَرُ اللهِ كما أرادَه سُبحانَه، فلا مَفَرَّ مِن قدَرِ اللهِ ولَو عَمِلَ العَبدُ ما عَمِلَ فلا يُغني حَذَرٌ مِن قدَرٍ، وفي رِوايةٍ أنَّه قال: لَولا أن يَذهَبَ هذا، أي: نافِعٌ، فيَقولَ: رَدَدتُ على ابنِ عَبَّاسٍ، لَما أجَبتُه.

ثُمَّ قال له: ويحَكَ! إنَّه إذا نَزَلَ القدَرُ عَميَ البَصَرُ، وذَهَبَ الحَذَرُ.وفي الحَديثِ بَيانُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما للعُقوبةِ التي أوعَدَها سُلَيمانُ للهُدهُدِ.وفيه بَيانُ ما أوتيَ نَبيُّ اللهِ سُلَيمانُ عليه السَّلامُ مِنَ المُلكِ والعَجائِبِ.وفيه مَعرِفةُ بَعضِ الحَيَواناتِ بما قد يَغيبُ على الإنسانِ.وفيه أنَّ قدَرَ اللهِ واقِعٌ لا مَحالةَ مَهما حاولَ الشَّخصُ الحَذَرَ أوِ الحَيطةَ [36] ينظر: لسان الميزان (8/246) ، تفسير الماوردي (4/201-202) ، تفسير البغوي (6/153) ، تفسير ابن كثير (6/184) ، تفسير الطبري (18/30) ، المستدرك (2/440) ، القضاء والقدر للبيهقي ( ص 220) .

.

أحاديث ذات صلة