قالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسْعودٍ: لو تَعلَمونَ ذُنوبي ما وَطِئَ عَقِبي رَجُلانِ، ولَحَثَيْتُم على رَأْسي التُّرابَ، ولَودِدْتُ أنَّ اللهَ غفَرَ لي ذَنبًا مِن ذُنوبي، وأنِّي دُعيتُ عَبدَ اللهِ بنَ رَوْثةَ.
كانَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم مَعَ شِدَّةِ إيمانِهِم وتَقواهُم وعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ؛ يَخافونَ مِن ذُنوبِهِم وألَّا يُقبَلَ مِنهُمُ العَمَلُ، ويَودُّ الواحِدُ مِنهُم مَغفِرةَ ذَنبِه، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه لأصحابِه وجُلَسائِهِ: لَو تَعلَمونَ ذُنوبي ما وطِئَ عَقبي رَجُلانِ، أي: أنَّكُم لَو عَلِمتُم ما ذُنوبي وكَم هيَ لَم يَرضَ أحَدٌ أن يَمشيَ خَلفي، والعَقِبُ مُؤَخَّرُ القدَمِ.
ولَحَثَيتُم على رَأسي التُّرابَ، أي: أخَذتُمُ التُّرابَ وطَرَحتُموه على رَأسي بُغضًا لي لِما أنا عليه مِنَ الذُّنوبِ.
ثُمَّ يَقولُ: ولَوَدِدتُ، أي: تَمَنَّيتُ أنَّ اللهَ غَفَرَ لي ذَنبًا مِن ذُنوبي، وأنِّي دُعيتُ عَبدَ اللهِ بنَ رَوثةَ.
الرَّوثةُ هيَ رَجيعُ الدَّوابِّ، أي: يَتَمَنَّى أن يَغفِرَ اللهُ له ذَنبًا واحِدًا ولا يُبالي أن يُسَمَّى بَعدَ ذلك ويُناديَه النَّاسُ بعَبدِ اللهِ بنِ رَوثةَ، ما دامَ اللهُ قد غَفَرَ له ذَنبَه، فلا يُبالي بالنَّاسِ وبِنِدائِهِم له، فإذا كانَ حالُ ابنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه مَعَ ما عُرِفَ عَنه مِنَ العِلمِ والعِبادةِ والخَشيةِ للهِ، فما بالُكَ بغَيرِه؟! وفي رِوايةٍ أنَّه قال ذلك لَمَّا رَأى أصحابَه يَتبَعونَه ورَأى العَدَدَ الكَثيرَ، فخافَ أن يَغتَرَّ بنَفسِه، فقال ذلك.وفي الحَديثِ ما كانَ عليه عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه مِنَ الخَوفِ والخَشيةِ مِنَ اللهِ تَعالى.وفيه بَيانُ خَطَرِ الذُّنوبِ.وفيه أنَّ العالِمَ مَهما بَلَغَ في العِلمِ فلا ينبغي أن يَغتَرَّ بعِلمِه [34] ينظر: المستدرك (3/357) ، مصنف ابن أبي شيبة (7/103) ، حلية الأولياء (1/133) ، شعيب الإيمان (2/254-255) ، النهاية (2/271) (3/269) .
.