سُئِل حُذَيفةُ عن شيءٍ، فقال: إنَّما يُفتِي أحدُ ثلاثةٍ: مَن عرَفَ الناسخَ والمنسوخَ.
قالوا: ومَن يَعرِفُ ذلك؟ قال: عُمَرُ.
أو رجُلٌ ولِيَ سُلْطانًا فلا يجِدُ بُدًّا، أو مُتكلِّفٌ.
أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (142)، والخطابي في ((غريب الحديث)) (1/ 615) واللفظ لهما، وعبد الرزاق (21478) باختلاف يسير.
مَقامُ الفَتوى والإخبارِ عَنِ اللهِ تَعالى مَقامٌ خَطيرٌ عَظيمٌ، فيَنبَغي على العالِمِ أوِ المُفتي أن يُراعيَ هذا الأمرَ ويُعطيَه قدرَه، فلا يُفتيَ بدونِ تَثَبُّتٍ أو يَستَعجِلَ في الجَوابِ، ويَتَسَرَّعَ قَبلَ مَعرِفةِ الحُكمِ؛ لأنَّه بذلك يَكونُ قد تَجَرَّأ في الإخبارِ عَنِ اللهِ، وقد ذَكَرَ أهلُ العِلمِ للمُفتي شُروطًا إذا تَوفَّرَت فيه كانَ أهلًا للفُتيا، وفي هذا الحَديثِ أنَّ حُذَيفةَ بنَ اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنهُما سُئِلَ عَن شَيءٍ، أي: عَن مَسألةٍ مُعَيَّنةٍ مِن أحكامِ الدِّينِ ما حُكمُها.
فقال: إنَّما يُفتي أحَدُ ثَلاثةٍ، أي: أحَدُ ثَلاثةِ أشخاصٍ، ولَيسَ كُلُّ شَخصٍ يَصلُحُ للفُتيا، مَن عَرَفَ النَّاسِخَ والمَنسوخَ، أي: مَن عَرَفَ الحُكمَ المُتَقدِّمَ مِنَ المُحكَمِ المُتَأخِّرِ، فالمُتَأخِّرُ يَنسَخُ، أي: يُزيلُ الحُكمَ السَّابِقَ؛ لأنَّه قد يَخلِطُ الأمرَ بالنَّهيِ، والإباحةَ بالحَظرِ، فمَن لَم يَعرِفْ هذا فرُبَّما أفتى بغَيرِ الصَّوابِ فأفتى بحُكمٍ مُتَقدِّمٍ قد نُسِخَ.
فقالوا: ومَن يَعرِفُ ذلك؟ أي: سَألَ جُلَساءُ حُذَيفةَ مَن الذي يَعرِفُ الحُكمَ النَّاسِخَ مِنَ المَنسوخِ؟ فقال: عُمَرُ، أي: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه؛ فقد كانَ أحَدَ عُلَماءِ الصَّحابةِ وفُقَهائِهِم.
وفي رِوايةٍ أنَّه قال: رَجُلٌ يَعلَمُ مَنسوخَ القُرآنِ، وذلك عُمَرُ، ثُمَّ أخبَرَ بالشَّخصِ الثَّاني الذي يُفتي النَّاسَ، فقال: أو رَجُلٌ وليَ سُلطانًا فلا يَجِدُ بُدًّا، أي: رَجُلٌ تَولَّى وِلايةَ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ أو قَضاءٍ أو نَحوِ ذلك وأصبَحَ مَرجِعًا للنَّاسِ، ولَيسَ هُناكَ غَيرُه، فعِندَ ذلك لا يَجِدُ له مَفَرًّا إلَّا أن يُفتيَ النَّاسَ ويُرشِدَهُم، وفي رِوايةٍ أُخرى: ورَجُلٌ قاضٍ لا يَجِدُ مِنَ القَضاءِ بُدًّا.
أو مُتَكَلِّفٌ، أيِ: الشَّخصُ الثَّالِثُ الذي يُفتي هو شَخصٌ مُتَكَلِّفٌ يُريدُ أن يُظهِرَ أنَّه يَعلَمُ، وهو لا يَعلَمُ.
وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّ حُذَيفةَ امتَنَعَ عَن جَوابِ المَسألةِ وقال: فلَستُ بالرَّجُلَينِ الماضيَينِ، وأكرَه أن أكونَ الثَّالِثَ.أي: لَستُ مِمَّن يَعلَمُ النَّاسِخَ مِنَ المَنسوخِ، ولَستُ واليًا، وأكرَهُ أن أكونَ مُتَكَلِّفًا في الجَوابِ.وفي الحَديثِ بَيانُ مَنزِلةِ الفَتوى ومَكانَتِها.وفيه أنَّه يَنبَغي على المُفتي مَعرِفةُ النَّاسِخِ مِنَ المَنسوخِ.وفيه فضلُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه وبَيانُ عِلمِهِ.وفيه الحَذَرُ مِنَ التَّكَلُّفِ في الفُتيا.وفيه بَيانُ شِدَّةِ اعتِناءِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهُم بالنَّاسِخِ والمَنسوخِ.وفيه أنَّ مَن لَم يَجِد بُدًّا مِنَ الفَتوى وكانَ أهلًا لذلك فلَه أن يُفتيَ [33] ينظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ( ص 4) ، الناسخ والمنسوخ للنحاس ( ص 51) ، الناسخ والمنسوخ للمقري ( ص 19) ، الناسخ والمنسوخ لابن حزم ( ص 6) ، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن ( ص 21) .
.
[شرح السنة - للبغوي] (1/ 304) :
142 - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، نا أحمد بن منصور الرمادي، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين ، قال: سئل حذيفة عن شيء، فقال: إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر، أو رجل ولي سلطانا فلا يجد بدا، أو متكلف "
غريب الحديث - الخطابي (1/ 615) :
أخبرناه محمد بن هاشم نا الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين .
قال سئل حذيفة: عن شيء فقال إنما يفتي أحد ثلاثة من عرف الناسخ والمنسوخ أو رجل ولي سلطانا فلا يجد من ذلك بدا أو متكلف
مصنف عبد الرزاق (10/ 271 ط التأصيل الثانية) :
• [21478] أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين ، قال: سئل حذيفة، عن شيء فقال: إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر، أو رجل ولي سلطانا فلا يجد بدا من ذلك، أو متكلف