عن جابرٍ رضي اللهُ عنه قال: كان أُبَيُّ بنُ كعبٍ يصلِّي بأهلِ قُباءَ فاستَفتَح سورةً طويلةً فدخَل معه غُلامٌ منَ الأنصارِ في الصلاةِ فلما سمِعه استَفتَحها انفتَل من صلاتِه فغضِب أُبَيٌّ فأتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَشكو الغلامَ وأتى الغلامُ يشكو أُبَيًّا الحديث
مِن سَماحةِ هذا الدِّينِ أنَّه بُنيَ على التَّيسيرِ والتَّخفيفِ على المُكَلَّفينَ في جَميعِ أنواعِ العِباداتِ رَحمةً بهِم وإحسانًا، ومِن أنواعِ التَّخفيفِ: التَّخفيفُ في الصَّلاةِ، فيُشرَعُ لمَن يُصَلِّي بالنَّاسِ إمامًا أن يُخَفِّفَ بهِم ولا يُطَوِّلَ ويَشُقَّ عليهِم حَتَّى لا يُنَفِّرَهُم مِنَ الصَّلاةِ، فإنَّ النَّاسَ لهُم حاجاتٌ وأعمالٌ، وقد أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأئِمَّةَ بالتَّخفيفِ وأنكَرَ عليهِمُ التَّطويلَ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابِرٌ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه كانَ يُصَلِّي بأهلِ قُباءَ، أي: بأصحابِ مَسجِدِ قُباءَ، وقُباءُ مَكانٌ في المَدينةِ أصبَحَ الآنَ مُتَّصِلًا بها ويَبعُدُ عَنِ المَسجِدِ النَّبَويِّ سِتَّةَ كيلواتٍ جَنوبًا، نَزَلَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوَّلَ ما قدِمَ المَدينةَ وبَنى فيها مَسجِدًا، فاستَفتَحَ سورةً طَويلةً، أي: لَمَّا ابتَدَأ أُبَيٌّ بالصَّلاةِ بالنَّاسِ قَرَأ فيها سورةً طَويلةً، فدَخَلَ مَعَ أُبَيٍّ غُلامٌ مِنَ الأنصارِ في الصَّلاةِ، أي: صَلَّى مَعَه، فلَمَّا سَمِعَ الغُلامُ استِفتاحَ أُبَيٍّ بالسُّورةِ الطَّويلةِ، انفَتَلَ مِن صَلاتِه، أي: تَرَكَ الصَّلاةَ وخَرَجَ، وجاءَ في الرِّوايةِ الأُخرى: أنَّ الغُلامَ كانَ قائِمًا على سَقيِ النَّخيلِ، فخافَ أن يَتَضَرَّرَ إذا طَوَّلَ أُبَيٌّ الصَّلاةَ، فغَضِبَ أُبَيٌّ لَمَّا عَرَفَ ذلك، فذَهَبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَشكو الغُلامَ، أي: يُخبِرُه بأنَّ الغُلامَ تَرَكَ الصَّلاةَ بَعدَ ما دَخَلَ فيها، وأتى الغُلامُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَشكو أُبَيًّا، أي: لكَونِه طَوَّلَ في الصَّلاةِ مِمَّا أدَّى بالغُلامِ لتَركِ الصَّلاةِ.
وجاءَ في بَقيَّةِ الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَضِبَ حَتَّى عُرِفَ الغَضَبُ في وجهِه ثُمَّ قال: إنَّ مِنكُم مُنَفِّرينَ، فإذا صَلَّيتُم فأوجِزوا؛ فإنَّ خَلفَكُمُ الضَّعيفَ والكَبيرَ والمَريضَ وذا الحاجةِ.
وقد تَكَرَّرَت هذه الحادِثةُ مَعَ صَحابةٍ آخَرينَ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ يُحَذِّرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ التَّطويلِ في الصَّلاةِ ويَأمُرُهُم بأن يَقرَؤوا بقِصارِ السُّورِ، كـ: {سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى} {والشَّمسِ وَضُحَاها} ونَحوِهِما.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الِانفِرادِ مِن صَلاةِ الجَماعةِ بَعدَ الدُّخولِ فيها.وفيه مَشروعيَّةُ شَكوى إمامِ المَسجِدِ إلى الإمامِ الأعظَمِ.وفيه النَّهيُ عَنِ التَّطويلِ في الصَّلاةِ.وفيه أنَّ على الأئِمَّةِ أن يُخَفِّفوا الصَّلاةَ مُراعاةً لحالِ المَأمومينَ [24] ينظر: فتح الباري لابن حجر (2/ 198 )، فتح الباري لابن رجب (6/217) ، عمدة القاري (5/240) ، إرشاد الساري (2/58) ، مسند أبي يعلى (3/334) ، معجم المعالم الجغرافية في السيرة ( ص 248) .