عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ : افترضَ اللهُ تَعالى عليهِم أن يُقاتِلَ الواحِدُ العَشَرةَ ، فَثَقُلَ ذلكَ عليهِم ، وشَقَّ ذلكَ عليهِم ، فَوضعَ اللهُ تعالى عنهم إلى أن يُقاتِلَ الرَّجلُ الرَّجُلَينِ ، فَأنزلَ اللهُ تعالى في ذلكَ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ إلى آخرِ الآياتِ ، فقال : لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يعني : غنائمَ بَدرٍ ، يقولُ : لولا أَنِّي لا أُعَذِّبُ مَن عَصانِي حتَّى أَتقدَّمَ إليهِ ، ثمَّ قالَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى الآيةَ ، فقال العبَّاسُ رِضَيِ اللهُ عنهُ : فِيَّ واللهِ نَزلتْ حتَّى أَخبرْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بإسلامِي ، وسَألْتُه أن يُحاسِبَنِي بالعِشرينَ الأوقيةِ الَّتي أخذتُ مَعي ، فَأَعطاني بِها عِشرينَ عَبْدًا ، كُلُّهمْ قد تاجرَ بِمالٍ في يَدِه ، مع ما أَرجو مِن مَغفرَةِ اللهِ تعالى

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# قرآن - النسخ# غنائم - الغنائم وتقسيمها# مغازي - غزوة بدر# تفسير آيات - سورة الأنفال
المصدر: المطالب العالية
الراوي: العباس بن عبد المطلب
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه إسحاق كما في ((إتحاف الخيرة)) (4538) واللفظ له، والطبراني في ((الأوسط)) (8107)، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (212) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما مِمَّن أوتيَ عِلمَ التَّأويلِ؛ فقد دَعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعَلِّمَه اللهُ التَّأويلَ وتَفسيرَ القُرآنِ، فرُزِقَ مِن ذلك عِلمًا كَثيرًا؛ ولِذا سُمِّيَ بحَبرِ القُرآنِ وتُرجُمانِ القُرآنِ، وقد فسَّرَ كَثيرًا مِن آياتِ القُرآنِ، ومِن ذلك تَفسيرُه لقَولِه تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] فقال: افتَرَضَ اللهُ تَعالى عليهِم، أي: أوجَبَ اللهُ على المُؤمِنينَ أن يُقاتِلَ الواحِدُ العَشَرةَ، أي: أن يواجِهَ المُؤمِنُ الواحِدُ عَشَرةً مِنَ الكُفَّارِ فلا يَحِلُّ له أن يَفِرَّ عَنهُم بَل عليه أن يَثبُتَ، فثَقُلَ ذلك عليهِم وشَقَّ ذلك عليهِم، أي: شَقَّ على المُؤمِنينَ هذا التَّكليفُ -كَونُ الواحِدِ يواجِه عَشَرةً- فقد لا يَستَطيعُ ذلك، فيَقَعُ في الإثمِ، فوضَعَ اللهُ تَعالى عَنهُم، أي: خَفَّفَ اللهُ عَنهُم هذا التَّكليفَ إلى أن يُقاتِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَينِ، أي: بأن يواجِهَ المُؤمِنُ رَجُلَينِ مِنَ الكافِرينَ، وعليه أن يَثبُتَ، فبَدَلَ ما كانوا عَشَرةً أصبَحوا اثنَينِ فقَط، فأنزَلَ اللهُ تَعالى في ذلك: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] .ثُمَّ فسَّرَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما قَولَه تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] يعني: غَنائِمَ بَدرٍ، يَقولُ: لَولا أنِّي لا أُعَذِّبُ مَن عَصاني حَتَّى أتَقدَّمَ إلَيه، أي لَولا أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا قَبلَ الإنذارِ والبَيانِ والحُجَّةِ لَعَذَّبَهُم، وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّه قال: كانَتِ الغَنائِمُ حَرامًا على الأنبياءِ والأُمَمِ فكانوا إذا أصابوا شَيئًا مِنَ الغَنائِمِ جَعَلوه للقُربانِ، فكانَت تَنزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فتَأكُلُه، فلَمَّا كانَ يَومُ بَدرٍ أسرَعَ المُؤمِنونَ في الغَنائِمِ وأخَذوا الفِداءَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَولا كِتابٌ مِن اللَّهِ سَبَقَ﴾ يَعني: لَولا قَضاءٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ في اللَّوحِ المَحفوظِ بأنَّه سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ، لَأصابَكُمُ العَذابُ الشَّديدُ بسَبَبِ أخذِكُمُ الغَنائِمَ قَبلَ حِلِّها.ثُمَّ فسَّرَ ابنُ عَبَّاسٍ قَولَه سُبحانَه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} أي: إيمانًا {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} أي: مِنَ الفِداءِ {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70] ، وأنَّ هذه الآيةَ نَزَلَت في العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ عَمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ العَبَّاسَ رَضيَ اللهُ عنه قال: فيَّ واللهِ نَزَلَت هذه الآيةُ، حَتَّى أخبَرتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بإسلامي، أي: أخبَرتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنِّي قد أسلَمتُ قَبلَ أن أقَعَ في الأسرِ، وسَألتُه أن يُحاسِبَني بالعِشرينَ الأوقيَّة، وهيَ عُملةٌ نَقديَّةٌ كانَت تُساوي عِندَهُم أربَعينَ دِرهَمًا، وتُساوي حاليًّا 93 غرامًا تَقريبًا، التي أخذتُ مَعي، أي: التي أُخِذَت مِنه في المَعرَكةِ، وذلك أنَّ العَبَّاسَ كانَ قد خَرَجَ في غَزوةِ بَدرٍ مَعَ المُشرِكينَ وكانَ مَعَه عِشرونَ أوقيةً، فلَمَّا انتَصَرَ المُسلِمونَ في غَزوةِ بَدرٍ أخَذوا العِشرينَ الأوقيَّة غَنيمةً لهُم، وأسَروا العَبَّاسَ، فلَمَّا جاءَ أمرُ فِداءِ الأسرى قال العَبَّاسُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي كُنتُ قد أسلَمتُ قَبلُ، فقال له رَسولُ اللهِ: اللهُ أعلَمُ بإسلامِكَ، فإن يَكُنْ كما تَقولُ فإنَّ اللهَ يَجزيكَ، وأمَّا ظاهِرُكَ فقد كانَ علينا؛ لأنَّكَ خَرَجتَ مَعَ المُشرِكينَ، فافتَدِ نَفسَكَ، فقال العَبَّاسُ: احسُبْ لي يا رَسولَ اللهِ ما أصَبتُم مِنِّي العِشرينَ أوقيَّةً مِن المالِ الذي كانَ مَعي.

فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، ذاكَ شَيءٌ أعطانا اللهُ تَعالى مِنكَ.

ففَدى نَفسَه بعِشرينَ أوقيَّةً أُخرى، ثُمَّ بَعدَ ذلك عَوَّضَه رَسولُ اللهِ بَدَلَها عِشرينَ عَبدًا، كُلُّهُم قد تاجَرَ بمالٍ في يَدِه، أي: أصبَحَ كُلُّ عَبدٍ تاجِرًا صاحِبَ مالٍ، مَعَ ما أرجو مِن مَغفِرةِ اللهِ تَعالى، أي: أنَّ اللهَ قد أعطاني خيرًا ممَّا أُخِذ منِّي، وأنا أرجو المغفِرةَ مِنَ اللهِ تعالى.وفي الحَديثِ بَيانُ فضلِ اللهِ ورَحمَتِه بعِبادِه.وفيه مَشروعيَّةُ مُصابَرةِ المُؤمِنِ لاثنَينِ مِنَ الكُفَّارِ.وفيه ورودُ النَّسخِ في القُرآنِ.وفيه حِلمُ اللهِ تَعالى بالأُمَّةِ وإباحَتُه الغَنائِمَ لها.وفيه بَيانُ فيمَن نَزَلَتِ الآيةُ الأخيرةُ.وفيه بَيانُ أنَّ عَطاءَ اللهِ عَظيمٌ، وجُودَه عَميمٌ [20] ينظر: تفسير البغوي (3/375-379) ، تفسير ابن كثير (4/87-92) ، الإيضاحات العصرية للمقاييس (ص 155 ).

.

الأصول والأحكام

المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (17/ 317) 4248 - وقال إسحاق: أخبرنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يقول: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: افترض الله تعالى عليهم أن يقاتل الواحد العشرة، فثقل ذلك عليهم، وشق ذلك عليهم، فوضع الله تعالى عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله تعالى في ذلك: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} إلى آخر الآيات، فقال: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} يعني: غنائم بدر، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، ثم قال: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى ...

.} الآية.

فقال العباس رضي الله عنه: في والله نزلت حين أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت معي، فأعطاني بها عشرين عبدا، كلهم قد تاجر بمال في يده، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى.

هذا إسناد صحيح

رواه ابن مردويه في التفسير المسند، عن أحمد بن الحسين، عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق هكذا.

وأخرجه الطبراني من حديث يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق.

[[[[قلت: أخرج البخاري أوله بمعناه دون قوله: ثم قال: {لولا كتاب من الله سبق} [[الأنفال: 68]] إلى آخره، وأظن ذلك مدرجا في الخبر من كلام ابن إسحاق، وحديث العباس على هذا معضل، وأما على ظاهر السياق أولا، فهو مسند، وعلى ذلك عمل إسحاق]]]]

إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (5/ 205) 4538 - وقال إسحاق بن راهويه: أبنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد العشرة، فثقل ذلك عليهم، وشق ذلك عليهم، فوضع الله عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ...

} إلى آخر الايات، فقال: {ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وهو يعني غنائم بدر يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، ثم قال: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى} الاية، فقال العباس: في والله نزلت حين أخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت معي، فأعطاني بها عشرين عبدا كلهم قد تاجر بمال في يده مع ما أرجو من مغفرة الله- تعالى".

قال شيخنا أبو الفضل العسقلاني: هذا إسناد صحيح، رواه ابن مردويه في تفسيره، عن أحمد بن الحسين عن عبد الله بن محمد عن إسحاق هكذا، وأخرجه الطبراني من حديث يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق به.

المعجم الأوسط (8/ 104) 8107 - حدثنا موسى بن هارون، نا إسحاق بن راهويه، أخبرنا وهب بن جرير، نا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق، يقول: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس قال: افترض عليهم أن يقاتل الواحد عشرة، فثقل ذلك عليهم، وشق عليهم، فوضع عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} إلى آخر الآيات، ثم قال: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [[الأنفال: 68]] ، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، ثم قال: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} [[الأنفال: 70]] الآية، فقال العباس: في والله نزلت، حين أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت معي، فأعطاني بها عشرين عبدا، كلهم تاجر بمالي في يده، مع ما أرجو من مغفرة الله جل ذكره

لم يرو هذا الحديث، بهذا التمام، عن محمد بن إسحاق إلا جرير بن حازم، تفرد به وهب بن جرير

الأحاديث المختارة = المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (11/ 219) 212 - أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن أبي القاسم المؤدب، أن محمد بن رجاء بن إبراهيم أخبرهم، قراءة عليه وهم يسمعون، أبنا أحمد بن عبد الرحمن الذكواني، أخبرنا أحمد بن مردويه، ثنا أحمد بن الحسين، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس ، قال: افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد العشرة، فثقل ذلك عليهم، وشق ذلك عليهم، فوضع الله عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [[الأنفال: 65]] إلى آخر الآيات {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [[الأنفال: 68]] ، يعني غنائم بدر، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، ثم قال: {يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} [[الأنفال: 70]] ، فقال العباس: في والله حين أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت معي فأعطاني بها عشرين عبدا كلهم قد تاجر بمال في يده مع ما أرجو من مغفرة الله

أحاديث ذات صلة