عن سعيدِ بنِ مَرجانةَ سَمعَه يُحدِّثُ أنَّه بينَما هوَ جالسٌ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ تلا هذهِ الآيةَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ الآيةَ فقالَ واللهِ لئن واخَذَنا اللهُ بهذا لنَهلَكَنَّ ثمَّ بكَى ابنُ عمرَ حتَّى سُمِعَ نَشيجُه قال ابنُ مَرجانةَ فقُمتُ حتَّى أتيتُ ابنَ عبَّاسٍ فذَكَرتُ لهُ ما قالَ ابنُ عمرَ وما فعَلَ حينَ تلاها فَقالَ عبدُ اللهِ ابنُ عبَّاسٍ يغفِرُ اللهُ لأبي عبدِ الرَّحمنِ لعَمري لقد وجدَ المسلِمونَ منها حينَ أُنْزِلَتْ مثلَ ما وجَدَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ فأنزل اللهُ بعدَها لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا إلى آخرِ السُّورةِ قال ابنُ عبَّاسٍ فكانت هذهِ الوَسوَسةُ مِمَّا لا طاقةَ للمُسلمينَ بها وصارَ الأمرُ إلى أن قَضى اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّ للنَّفسِ ما كسَبَت وعلَيها ما اكتَسَبَت في القولِ والفِعلِ

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# إيمان - الوسوسة في الإيمان وما يقول من وجدها# قرآن - البكاء عند قراءة القرآن# أسماء - التكني# تفسير آيات - سورة البقرة# إيمان - تجاوز الله عن حديث النفس
المصدر: تفسير القرآن العظيم
الراوي: سعيد بن مرجانة
المحدث: ابن كثير
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطبري (6459)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1627) واللفظ لهما، والشافعي في ((السنن المأثورة)) (422)، والطبراني (10/ 316) (10769) بنحوه.

الشرح والتوضيح

مِن رَحمةِ اللهِ تَعالى بعِبادِه أن خَفَّفَ عليهِمُ التَّكاليفَ ولَم يُكَلِّفهُم إلَّا ما يُطيقونَ، فيُحاسِبُهُم على أقوالِهِم وأفعالِهِم، وأمَّا حَديثُ النَّفسِ والخَواطِرُ التي تَكونُ في صُدورِهِم فقد عَفا عَنهُم رَحمةً مِنه وإحسانًا، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ سَعيدُ بنُ مرجانةَ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه بَينَما هو جالِسٌ مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهُما، فتَلا ابنُ عُمَرَ قَولَه تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] .

أي: أنَّ جَميعَ أعمالِكُم وأقوالِكُم وما حَدَّثَت به نُفوسُكُم سَوفَ تُحاسَبونَ عليه.

فلَيسَ لله عَبدٌ أسَرَّ عَمَلًا أو أعلَنَه مِن حَرَكةٍ مِن جَوارِحِه أو هَمسةٍ في قَلبِه إلَّا يُخبِرُه اللهُ به ويُحاسِبُه عليه، ثُمَّ يَغفِرُ ما يَشاءُ ويُعَذِّبُ بما يَشاءُ.

فقال ابنُ عُمَرَ: واللهِ لَئِن واخَذَنا اللهُ بهذا لَنَهلِكَنَّ، أي: إن كُنَّا نُؤاخَذُ بكُلِّ أقوالِنا وأفعالِنا وأيضًا بما في صُدورِنا فسَوفَ نَهلِكُ، وذلك أنَّ خَواطِرَ النَّفسِ لا يَستَطيعُ المَرءُ التَّحَكُّمَ فيها وضَبطَها.

ثُمَّ بَكى ابنُ عُمَرَ حَتَّى سُمِعَ نَشيجُه، أي: صَوتُ بُكائِه، ثُمَّ يُخبِرُ سَعيدُ بنُ مرجانةَ أنَّه قامَ مِن مَجلِسِ ابنِ عُمَرَ وذَهَبَ إلى عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما وذَكَرَ له ما قاله ابنُ عُمَرَ وما فعَلَ حينَ تَلا الآيةَ.

فقال عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: يَغفِرُ اللهُ لأبي عَبدِ الرَّحمَنِ، وهيَ كُنيةُ ابنِ عُمَرَ، لَعَمري -وهو قَسَمٌ بحَياتِه- لَقد وجَدَ المُسلِمونَ مِنها حينَ أُنزِلَت مِثلَ ما وجَدَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، أي: أنَّ المُسلِمينَ وقَعَ في نُفوسِهِم وحَصَلَ لهُم مِثلُ ما حَصَلَ لابنِ عُمَرَ، فقد قالوا نَفسَ كَلامِ ابنِ عُمَرَ وخافوا على أنفُسِهِم مِن ذلك، واشتَكَوا إلى رَسولِ اللهِ فأمَرَهُم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَقولوا: سَمِعنا وأطَعنا، فلَمَّا امتَثَلوا ذلك، أنزَلَ اللهُ بَعدَها، أي: أنزَلَ بَعدَ ذلك قَولَه سُبحانَه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لهَا مَا كَسَبَتْ وَعليْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عليْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] .

قال ابنُ عَبَّاسٍ: فكانَت هذه الوسوسةُ، أي: الخَواطِرُ التي تَرِدُ على القَلبِ، مِمَّا لا طاقةَ للمُسلِمينَ بها، أي: أنَّهُم لا يَستَطيعونَ الفكاكَ مِنها، وصارَ الأمرُ إلى أن قَضى اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ للنَّفسِ ما كَسَبَت، وعليها ما اكتَسَبَت في القَولِ والفِعلِ، أي: أنَّ المُؤاخَذةَ والحِسابَ والعِقابَ يَكونُ على ما اقتَرَفَه الشَّخصُ إمَّا بالقَولِ أوِ الفِعلِ فقَط، أمَّا خَواطِرُ النُّفوسِ فنُسِخَت، فلا حِسابَ فيها.وفي الحَديثِ أنَّ العالِمَ قد يَخفى عليه بَعضُ العِلمِ.وفيه فضلُ ابنِ عَبَّاسٍ وبَيانُ ما أوتيَ مِن مَعرِفةٍ بكِتابِ اللهِ وتَفسيرِه.وفيه ما كانَ عليه الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم مِنَ الخَوفِ العَظيمِ مِنَ اللهِ.وفيه مَشروعيَّةُ رُجوعِ الطَّالِبِ لأكثَرَ مِن شَيخٍ حَتَّى تَتَّضِحَ له المَسائِلُ المُشكِلةُ.وفيه رَحمةُ اللهِ تَعالى بعِبادِه وإحسانُه إلَيهِم أن خَفَّفَ عَنهُم فيما يُحاسَبُ عليه الإنسانُ.وفيه بَيانُ أنَّ خَواطِرَ ووساوِسَ النَّفسِ مِمَّا عُفيَ عَنه.وفيه أنَّ الحِسابَ يَكونُ على الأقوالِ والأفعالِ [19] ينظر: تفسير الطبري (6/103-107) ، تفسير الماوردي (1/360) ، تفسير البغوي (1/354-357) ، تفسير ابن كثير (1/728-730) ، النهاية (5/ 52 - 5 3).

.

الأصول والأحكام

تفسير الطبري (6/ 105 ط التربية والتراث) :

6459- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدث: أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية،"لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، فقال: والله لئن آخذنا ‌الله ‌بهذا ‌لنهلكن! ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن! لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) إلى آخر السورة.

قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.

شرح مشكل الآثار (4/ 312) :

1627 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا عبد الله بن وهب ، قال: أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد ابن مرجانة ، يحدث بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر بن الخطاب ، تلا هذه الآية {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} الآية فقال: والله لئن آخذنا ‌الله ‌بهذا ‌لنهلكن ، ثم بكى عبد الله بن عمر حتى سمع نشيجه ، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت عبد الله بن عباس ، فذكرت له ما تلا ابن عمر وما فعل حين تلاها ، فقال ابن عباس: " يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد ابن عمر ، فأنزل الله بعدها {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] إلى آخر السورة " فقال ابن عباس: وكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها ، فصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث عن ابن شهاب عن سعيد ابن مرجانة يحدث ، فأوقع ذلك في القلوب أن يكون ابن شهاب لم يحدث به عن ابن مرجانة سماعا ، فنظرنا إلى ذلك لنقف على الحقيقة فيه ، إن شاء الله

1628 - فوجدنا أحمد بن حماد التجيبي أبا جعفر قد حدثنا، قال: حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني قال: حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن من حدثه، عن سعيد ابن مرجانة ، ثم ذكر مثل حديث يونس هذا قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أن ابن شهاب إنما حدث بهذا الحديث عن ابن مرجانة بلاغا ، ولم يحدث به عنه سماعا ، فبطل بذلك هذا الحديث لبطلان إسناده ثم نظرنا ، هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا السبب حديث غير هذا الحديث

السنن المأثورة للشافعي (ص344) :

422 - عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن ابن شهاب، عن ابن مرجانة، قال: ذكر لابن عباس أن ابن عمر، تلا هذه الآية {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فبكى ثم قال: ‌والله ‌لئن ‌آخذنا ‌الله ‌بها ‌لنهلكن ‌فقال ابن عباس: يرحم الله أبا عبد الرحمن قد وجد المسلمون منها حين نزلت ما وجد فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286] من القول والعمل وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد ولا يقدر عليه أحد "

[المعجم الكبير – للطبراني] (10/ 316) :

10769 - حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري، ثنا عمرو بن خالد الحراني، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن مرجانة أخبره، أن عبد الله بن عمر تلا هذه الآية {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] ، فذرفت عيناه، فبلغ ذلك ابن عباس ، فقال: " يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ‌لعمري ‌لقد ‌أهمت ‌هذه ‌الآية ‌المسلمين قبله، حتى أنزل الله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] ، قال: الوسوسة ما لا يملكه الناس، وقضى الله لكل نفس في الجزاء بما كسبت

أحاديث ذات صلة