أنَّهُ كان قاعِدًا يعتَمِلُ في السوقِ فمرَّتِ امرأةٌ تحمِلُ صبيًّا فثارَ الناسُ معها وثُرْتُ فيمن ثارَ فانتهيْتُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ وهو يقولُ من أبو هذا معَك ؟ فسكتَتْ ، فقال شابٌّ حَذْوَها : أنا أبوهُ يا رسولَ اللهِ ! فأقبلَ عليْها ، فقال : من أبو هذا معَكِ ؟ قال الفَتى : أنا أبوهُ يا رسولَ اللهِ ! فنظرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، إلى بعضِ من حَوْلَهُ يسألُهم عنه ، فقالوا : ما علِمْنا إلا خيرًا ، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : أحصَنْتَ ؟ قال : نَعم ! فأمرَ به فرُجِمَ .
قال : فخرَجْنا به فحفَرْنا له حتى أمكَنَّا ثم رميْناهُ بالحجارةِ حتى هدأَ .
فجاء رجلٌ يسألُ عنِ المرجومِ ، فانطلقْنا به إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقلْنا : هذا جاءَ يسألُ عنِ الخبيثِ .
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : لهو أطيبُ عِندَ اللهِ من ريحِ المِسكِ .
فإذا هو أبوهُ ، فأعنَّاهُ على غُسلِهِ وتكفينِهِ ودفنِهِ .
وما أَدري قال : والصلاةِ عليْهِ ، أم لا
جَعَلَ اللهُ تَعالى برَحمَتِه الحُدودَ كَفَّاراتٍ لأصحابِها إذا أُقيمَت عليهِم في الدُّنيا؛ فهيَ تُطَهِّرُهُم مِنَ المَعاصي التي ارتَكَبوها، ولا يَنبَغي لأحَدٍ أن يَتَكَلَّمَ في شَخصٍ أُقيمَ عليه الحَدُّ، سَواءٌ كانَ ذلك في حَدِّ زِنًا أو سَرِقةٍ أو غَيرِه، بَل إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَيَّنَ أنَّ مَن أُقيمَ عليه الحَدُّ فضلُه عَظيمٌ، وكانَ يُصَلِّي عليهِم إذا ماتوا، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ اللَّجلاجُ العامِريُّ رَضيَ اللهُ عنه ولَه صُحبةٌ، أسلَمَ وهو ابنُ خَمسينَ سَنةً، أنَّه كانَ قاعِدًا يَعتَمِلُ في السُّوقِ، أي: يَتَحَرَّكُ في عَمَلِه في السُّوقِ، فمَرَّت امرَأةٌ تَحمِلُ صَبيًّا، أي: كانَ مَعَها صَبيٌّ فاستَغرَبَ النَّاسُ مِن وُجودِ هذا الطِّفلِ مَعَها وأنَّه قد يَكونُ مِن زِنًا، فثارَ النَّاسُ مَعَها، أي: قاموا واجتَمَعوا للذَّهابِ، وثرتُ فيمَن ثارَ، أي: مَشَيتُ مَعَ النَّاسِ حَتَّى ذَهَبوا بهذه المَرأةِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا وصَلوا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لها: مَن أبو هذا مَعَكِ؟ أي: هذا الصَّبيِّ، والمَعنى: مَنِ الذي تَولَّدَ هذا الصَّبيُّ مِن زِناه بكِ فصارَ هو أبًا لهذا الصَّبيِّ؟ فسَكَتَتِ المَرأةُ ولَم تُجِبْ شَيئًا، فقال شابٌّ حَذْوَها، أي: بإزائِها، أنا أبوه يا رَسولَ اللهِ! أي: أنا الذي زَنَيتُ بأُمِّه، فأقبَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المَرأةِ مَرَّةً أُخرى يَسألُها فقال: مَن أبو هذا مَعَكِ؟ قال الفَتى: أنا أبوه يا رَسولَ اللهِ! وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: فطَهِّرْني، فنَظَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بَعضِ مَن حَولَه، أي إلى بَعضِ مَن حَولَ ذلك الشَّابِّ يَسألُهُم عَنه حَتَّى يَستَثبِتَ عَن أمرِه وعَن عَقلِه، فقال الصَّحابةُ: ما عَلِمنا إلَّا خَيرًا، أي: لا نَعلَمُ عليه إلَّا الخَيرَ ولَيسَ به جُنونٌ.
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للشَّابِّ: أحصَنتَ؟ أي: هَل قد تَزَوَّجتَ بزَوجةٍ ودَخَلتَ بها.
فقال الشَّابُّ: نَعَم! فعِندَ ذلك أمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الشَّابِّ أن يُرجَمَ.
يَقولُ اللَّجلاجُ: فخَرَجنا به فحَفَرنا له، أي: حَفَروا له حُفرةً حَتَّى يوضَعَ داخِلَها، حَتَّى أمكَنَّا، أي: له في الأرضِ بحَيثُ لا يَقدِرُ على الهَرَبِ، وفي رِوايةٍ: أمكَنَنا، أي: قدَرنا على رَجمِه، أو هو أقدَرَنا، ثُمَّ رَمَيناه بالحِجارةِ حَتَّى هَدَأ، أي سَكَنَ وماتَ، فجاءَ رَجُلٌ يَسألُ عَنِ المَرجومِ، أي: بَعدَ قَتلِه، فانطَلَقنا به، أي: بهذا الرَّجُلِ الذي جاءَ يَسألُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلنا: هذا جاءَ يَسألُ عَنِ الخَبيثِ، أي: يَسألُ عَنِ الزَّاني، وسَمَّوه خَبيثًا؛ لوُقوعِ المَعصيةِ مِنه، والمَعاصي خَبائِثُ، فقال لهُم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لهو -أي: الشَّابُّ المَرجومُ- أطيَبُ عِندَ اللهِ مِن ريحِ المِسكِ! أي: إنَّه بَعدَ إقامةِ الحَدِّ عليه وتَطهيرِه أصبَحَ بمَكانةٍ عاليةٍ؛ فريحُه عِندَ اللهِ أفضَلُ مِن رائِحةِ المِسكِ، والمِسكُ طيبٌ مَعروفٌ، وهو أفضَلُ أنواعِ الطِّيبِ، ولَعَلَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلِمَ بالوحيِ أنَّ اللهَ سُبحانَه غَفَرَ له، فإذا هو أبوه، أي: كانَ الرَّجُلُ الذي جاءَ يَسألُ عَنِ الشَّابِّ هو والِدَه، يَقولُ اللَّجلاجُ: فأعَنَّاه.
مِنَ الإعانةِ، على غَسلِه وتَكفينِه ودَفنِه، أي: ساعَدوا والِدَه على غَسلِ ابنِه وتَكفينِه ودَفنِه، وما أدري قال: والصَّلاة عليه، أم لا، أي: شَكَّ الرَّاوي هَل أيضًا صَلَّوا عليه أم لا.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ خُروجِ المَرأةِ إلى السُّوقِ ومَشيِها إذا كانَ لحاجةٍ.وفيه مَشروعيَّةُ إقامةِ حَدِّ الزِّنا بالإقرارِ.وفيه مَشروعيَّةُ نِسبةِ ولَدِ الزِّنا للزَّاني.وفيه مَشروعيَّةُ التَّفتيشِ عَن حالِ الزَّاني والبَحثِ عَنهُ.وفيه البَحثُ والسُّؤالُ عَمَّا يُحتاجُ إلَيه مِن أحوالِ النَّاسِ.وفيه التَّثَبُّتُ في الشَّهادةِ والإقرارِ، والسُّؤالُ عَن حالِ الشَّاهِدِ والمُقِرِّ إذا لَم يُعلَمْ حالُهُما.وفيه أنَّ حَدَّ الزَّاني المُحصَنِ الرَّجمُ.وفيه أنَّ للإمامِ أن يَستَنيبَ في إقامةِ الحُدودِ، ولا يَتَوقَّفُ استيفاءُ الحَدِّ على حُضورِ الإمامِ.وفيه مَشروعيَّةُ الحَفرِ للمَرجومِ.وفيه الإنكارُ على مَن تَكَلَّمَ على شَخصٍ أُقيمَ عليه الحَدُّ.وفيه فضلُ هذا الشَّابِّ.وفيه فضلُ مَن أُقيمَ عليه الحَدُّ.وفيه فضيلةُ الإقرارِ في الدُّنيا وتَحَمُّلِ مَشاقِّ عَذابِ الدُّنيا الذي هو أهونُ مِن عَذابِ الآخِرةِ.وفيه دَليلٌ على فضيلةِ المِسكِ وكَونِه أطيَبَ طيبِ الدُّنيا.وفيه أنَّ المَقتولَ حَدًّا يُغسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلَّى عليه ويُدفَنُ في مَقابِرِ المُسلِمينَ [7] ينظر: عون المعبود (12/ 77 - 7 8)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (17/405-409) ، فتح الودود (4/319) ، بذل المجهود (12/514-516) .
.