كان في خطبةِ أبي بكر الصدِّيقِ رضي اللهُ عنه : أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجلٍ معلومٍ ، فمن استطاع أن يقضيَ الأجلَ وهو في عملِ اللهِ عزَّ وجلَّ فليفعلْ ، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عزَّ وجلَّ ، إنَّ قومًا جعلوا آجالَهم لغيرهم ، فنهاكم اللهُ أن تكونوا أمثالهم وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أين مَن تعرفون من إخوانِكم ؟ قدِموا على ما قدِموا في أيامٍ سلَفِهم ، وخلَوْا بالشَّقوةِ والسعادةِ ، أين الجبارون الأولونَ الذين بنوا المدائنَ وحصَّنوها بالحوائطِ ؟ قد صاروا تحت الصَّخرِ والآبارِ ، هذا كتابُ اللهِ لا تَفْنى عجائبُه ، فاستَضيئوا منه ليوم الظُّلمةِ ، واستنصِحوا كتابَه وتبيانَه ، إنَّ اللهَ أثنى على زكريا وأهلَ بيتِه فقال إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ لا خيرَ في قولٍ لا يرادُ به وجهُ اللهِ ولا خيرَ في مالٍ لا يُنفَقُ في سبيلِ اللهِ ، ولا خيرَ فيمن يغلِبُ جهلُه حِلمَه ، ولا خيرَ فيمن يخافُ في الله لومةَ لائمٍ
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (1/ 60) (39)، واللفظ له، وأبو داود في ((الزهد)) (26)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 36)، بلفظ مقارب.
للصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهُم خُطَبٌ عَظيمةٌ، وكانَت خُطَبُهُم تَتَمَيَّزُ بالمَوعِظةِ والتَّذكيرِ والإرشادِ لأمرِ الآخِرةِ والتَّذكيرِ بالمَوتِ، والحَثِّ على تَدَبُّرِ القُرآنِ والأخذِ بتَعاليمِه، وغَيرِ ذلك مِنَ المَعاني الكَبيرةِ، ومِن خُطَباءِ الصَّحابةِ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ نُعَيمُ بنُ نمحةَ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه كانَ مِن خُطبةِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه إذا خَطَبَ: أما تَعلَمونَ أنَّكُم تَغدونَ وتَروحونَ لأجَلٍ مَعلومٍ، أي: تَذهَبونَ وتَرجِعونَ إلى أجَلٍ مَعلومٍ، وهو المَوتُ، فإنَّ نِهايةَ الإنسانِ المَوتُ، فمَنِ استَطاعَ أن يَقضيَ الأجَلَ وهو في عَمَلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فليَفعَلْ، أي: مَنِ استَطاعَ أن يَجعَلَ حَياتَه كُلَّها في طاعةِ اللهِ حَتَّى يَأتيَه المَوتُ فليَفعَلْ ذلك، ولَن تَنالوا ذلك إلَّا باللهِ عَزَّ وجَلَّ، أي: لَن يَستَطيعَ الواحِدُ أن يَجعَلَ كُلَّ حَياتِه للهِ إلَّا إذا استَعانَ باللهِ ووفَّقَه اللهُ، فلا حَولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ عَزَّ وجَلَّ، إنَّ قَومًا جَعَلوا آجالَهُم لغَيرِهِم، أي: يَبذُلونَ حَياتَهُم للآخَرينَ فيُقَصِّرونَ في الأعمالِ الصَّالِحةِ، فنَهاكُمُ اللهُ أن تَكونوا أمثالَهُم، {ولا تَكونوا كالذينَ نَسُوا اللهَ فأنساهُم أنفُسَهُم} أي: لا تَنسَوا ذِكرَ اللهِ فيُنسيَكُم العَمَلَ لمَصالِحِ أنفُسِكُمُ التي تَنفَعُكُم في مَعادِكُم، فإنَّ الجَزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُم فقال: أينَ مَن تَعرِفونَ مِن إخوانِكُم؟ أي: أينَ إخوانُكُمُ الذينَ كانوا مَعَكُم؟ لَقد أخَذَهُمُ المَوتُ؛ فقد قدِموا على ما قدِموا في أيَّامِ سَلَفِهِم، أي: مِثلِ السَّابِقينَ لَهُم، وخَلَوا بالشِّقوةِ والسَّعادةِ، فإمَّا هُم في جَنَّةِ اللهِ، وإمَّا هُم في نارِه، أينَ الجَبَّارونَ الأوَّلونَ الذينَ بَنَوا المَدائِنَ وحَصَّنوها بالحَوائِطِ؟ قد صاروا تَحتَ الصَّخرِ والآبارِ، أي: كُلُّ مَن كانَ في القُرونِ السَّابِقةِ مِنَ الأقوامِ الشِّدادِ الذينَ بَنَوا وسَكَنوا، كُلُّهُم ماتوا ولَم يَبقَ مِنهُم أحَدٌ، سادوا ثُمَّ بادوا، ثُمَّ ذَكَّرَهُم بالأخذِ بالقُرآنِ فقال: هذا كِتابُ اللهِ لا تَفنى عَجائِبُه، أي: لا يَنتَهي ما فيه مِنَ العَجائِبِ، فاستَضيئوا مِنه ليَومِ الظُّلمةِ، أي: خُذوا بقِراءَتِه وتَدَبُّرِه والعَمَلِ به حَتَّى يَكونَ لَكُم ضياءً يَومَ ظُلمةِ قُبورِكُم، واستَنصِحوا كِتابَه وتِبيانَه، أي: خُذوا بما فيه مِنَ النَّصائِحِ والإرشاداتِ، إنَّ اللهَ أثنى على زَكَريَّا عليه السَّلامُ وأهلِ بَيتِه، فقال: ﴿إنَّهُم كانوا يُسارِعونَ في الخَيراتِ ويَدعونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانوا لَنا خاشِعينَ﴾ [الأنبياءِ: 90] ، ثُمَّ قال: لا خَيرَ في قَولٍ لا يُرادُ به وجهُ اللهِ، أي: أنَّ خَيريَّةَ الأقوالِ مُرتَبِطةٌ بأن تَكونَ خالِصةً لوجه اللهِ، ولَيسَ لأيِّ غَرَضٍ دُنيَويٍّ، ولا خَيرَ في مالٍ لا يُنفَقُ في سَبيلِ اللهِ، أي: أنَّ المالَ خَيريَّتُه وبَرَكَتُه في كَونِه يُنفَقُ مِنه في سَبيلِ اللهِ، ولا خَيرَ فيمَن يَغلِبُ جَهلُه حِلمَه، أي: يَكونُ غَضَبُه وسَفَهُه هو الغالِبَ على الحِلمِ، ولا خَيرَ فيمَن يَخافُ في اللهِ لَومةَ لائِمٍ، أي: يَخشى النَّاسَ أن يَلوموه إذا نَصَحَ أو قال كَلِمةَ حَقٍّ، فيَخافُ مِنهُم ويَسكُتُ، فهذا لا خَيرَ فيهِ.وفي الحَديثِ ما تَمَيَّزَت به خُطبةُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه مِنَ المَوعِظةِ والتَّذكيرِ بالقُرآنِ.وفيه أنَّ على الخَطيبِ أن يُراعيَ في خُطَبِه تَذكيرَ النَّاسِ بالآخِرةِ والإقبالِ على تَعاليمِ القُرآنِ.وفيه الوصيَّةُ بالقُرآنِ.وفيه فضلُ نَبيِّ اللهِ زَكَريَّا وأهلِ بَيتِه عليهِمُ السَّلامُ.وفيه أهَمِّيَّةُ قَولِ كَلِمةِ الحَقِّ مَهما كانَ [46] ينظر: تفسير ابن كثير (8/77-78) ، المعجم الكبير (1/60) ، مصنف ابن أبي شيبة (7/91) ، المستدرك (2/415) ، حلية الأولياء (1/35) ، شعب الإيمان (13/162) .
.