بَينا نحنُ مع عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ في طريقِ الحجِّ ، و نحنُ نؤمُّ مكةَ اعتزلَ عبدُ الرحمنِ رضيَ اللهُ عنهُ الطريقَ ، ثُمَّ قال لرباحِ بنِ المغترفِ : غَنِّنا يا أبا حسانَ ، وكان يحسنُ النَّصبَ ، فبَيْنا رباحٌ يغنيهِ أدركَهُمْ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ في خلافتِهِ ، فقال : ما هذا ؟ فقال عبدُ الرحمنِ : ما بأسٌ بهِذا ، نلهو بهِ ونقصرُ عنَّا ، فقال عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : فإنْ كُنْتَ آخذًا ، فعليكَ بشعرِ ضِرارِ بنِ الخطابِ ، وضِرارٌ رجلٌ من بَني مُحاربِ بنِ فِهرٍ
أخرجه البيهقي (21055) واللفظ له، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (209) بنحوه، وابن منده في ((معرفة الصحابة)) (ص623) بنحوه.
الشِّعرُ كَلامٌ حَسَنُه حَسَنٌ، وقَبيحُه قَبيحٌ، فإذا اشتَمَلَ على الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وإرشادِ الضَّالِّ، وتَعليمِ الجاهِلِ، أو بَعضِ المَصالِحِ الشَّرعيَّةِ، كَهِجاءِ أهلِ الكُفرِ، أو كانَ يُنشِدُه المُسافِرُ يَقطَعُ به سَفَرَه ويُرَوِّحُ به عَن نَفسِهِ؛ فهو مِمَّا يَحسُنُ ويُباحُ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ السَّائِبُ بنُ يَزيدَ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّهُم بَينَما كانوا مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه وهُم في طَريقِهِم إلى الحَجِّ، ونَحنُ نَؤُمُّ مَكَّةَ، أي: قاصِدينَ السَّفَرَ إلى مَكَّةَ.
اعتَزَلَ عَبدُ الرَّحمَنِ رَضيَ اللهُ عنه الطَّريقَ، أي: غَيَّرَ طَريقَه في السَّفَرِ عَن جِهةِ مَكَّةَ، ثُمَّ قال لرَباحِ بنِ المُغتَرِفِ وهو أبو حَسَّانَ القُرَشيُّ، وقد كانَ يُحسِنُ الغِناءَ، وذَكَرَه بَعضُهُم في الصَّحابةِ: غَنِّنا يا أبا حَسَّانَ، أي: نُريدُ مِنكَ أن تُغَنِّيَ لَنا بَعضَ الغِناءِ مِمَّا تُحسِنُه، وكانَ يُحسِنُ النَّصبَ.
والنَّصبُ: نَوعٌ مِن أغاني الأعرابِ، يُشبِه الحُداءَ، وقيلَ: هو الذي أُحكِمَ مِنَ النَّشيدِ، وأُقيمَ لَحنُه ووزنُه.
فبَينا رَباحٌ يُغَنِّيهِم أدرَكَهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه في خِلافَتِه، أي: كانَ ذلك في زَمَنِ خِلافةِ عُمَرَ، فوصَلَ عُمَرُ إلَيهِم وسَمِعَ رَباحًا يُغَنِّيهِم، فقال عُمَرُ: ما هذا؟ فقال عَبدُ الرَّحمَنِ: ما بَأسٌ بهذا، نَلهو به، أي: ليس فيه حَرَجٌ يا أميرَ المُؤمِنينَ، وإنَّما هو غِناءٌ نَلهو به، ونُقَصِّرُ عَنَّا، أي: ليَقصُرَ المَسيرُ في طَريقِ السَّفَرِ ولا يَشعُرونَ بالتَّعَبِ، فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: فإن كُنتَ آخِذًا، أي: إن كانَ لا بُدَّ مِن هذا الغِناءِ، فعليكَ بشِعرِ ضِرارِ بنِ الخَطَّابِ، وضِرارٌ رَجُلٌ مِن بَني مُحارِبِ بنِ فِهرٍ له صُحبةٌ، وكانَ فارِسًا شاعِرًا، ولَم يَكُنْ في قُرَيشٍ أشعَرُ مِنهُ.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ إنشادِ الشِّعرِ والتَّغَنِّي به في السَّفَرِ [41] ينظر: معجم الصحابة لأبي نعيم (2/ 1110 )، الإصابة (3/392 ) ، السنن الكبرى للبيهقي (10/379) ، النهاية (5/62) ، الطبقات الكبرى (1/463) .
.
السنن الكبرى للبيهقي (طبعة هجر) (21/ 145) 21055- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن خالد الحمصي، حدثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، قال: قال السائب بن يزيد : بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق الحج ونحن نؤم مكة اعتزل عبد الرحمن رضي الله عنه الطريق، ثم قال لرباح بن المغترف: غننا يا أبا حسان، وكان يحسن النصب، فبينا رباح يغنيهم أدركهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته فقال: ما هذا؟ فقال عبد الرحمن: ما بأس بهذا، نلهو ونقصر عنا، فقال عمر رضي الله عنه: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، وضرار رجل من بني محارب بن فهر.
قال الشيخ: والنصب ضرب من أغاني الأعراب، وهو يشبه الحداء، قاله أبو عبيد الهروي.
وروينا فيه قصة أخرى، عن خوات بن جبير، عن عمر وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم في كتاب الحج، قال فيها خوات: فما زلت أغنيهم حتى إذا كان السحر
الطبقات الكبرى - متمم الصحابة - الطبقة الرابعة (2/ 463) : 209 - أخبرنا روح بن عبادة قال: حدثنا ابن جريج قال: قال ابن شهاب: قال السائب بن يزيد : " بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف، فاعتزل عبد الرحمن الطريق ، ثم قال لرباح بن المغترف: غننا يا أبا حسان.
وكان يحسن النصب ، فبينا رباح يغنيهم، أدركهم عمر بن الخطاب في خلافته، فقال: ما هذا؟ فقال عبد الرحمن: نلهو ونقصر عنا الليل.
قال: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب ، رجل من بني محارب بن فهر "
معرفة الصحابة لابن منده (ص623) : وأخبرنا الحسن بن منصور الإمام بحمص، قال: حدثنا محمد بن العباس بن معاوية، قالا: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: قال السائب بن يزيد : بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق الحج، ونحن نؤم مكة، اعتزل عبد الرحمن في الطريق، ثم قال لرباح بن المعترف: غننا يا أبا حسان، وكان يحسن النصب، فبينا رباح يغنيهم أدركهم عمر بن الخطاب في خلافته، فقال: ما هذا؟ فقال عبد الرحمن: غننا ما به بأس ويقصر عنا، فقال عمر: فإن كنت قائلا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، وضرار رجل من بني محارب.
رواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد وغيرهما أتم من هذا