أنَّ رجُلَيْنِ كانا يَتَبايَعانِ عند عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، فكان أحدُهما يُكْثِرُ الحَلِفَ، فبيْنَما هما كذلكَ إذْ مرَّ بهما رجُلٌ فقامَ عليهما، فقال للذي يُكْثِرُ الحَلِفَ: يا عبدَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ ولا تُكْثِرِ الحَلِفَ؛ فإنَّهُ لا يَزِيدُ في رِزقِكَ إنْ حَلَفْتَ، ولا يَنقُصُ مِن رِزْقِكَ إنْ لم تَحْلِفْ، قال: امْضِ لِمَا يَعْنيكَ، قال: إنَّ هذا ممَّا يَعْنيني، قالها ثلاثَ مرَّاتٍ، وردَّ عليه قولَهُ، فلمَّا أراد أنْ ينصرِفَ عنهما قال: اعلَمْ أنَّ الإيمانَ أنْ تُؤْثِرَ الصِّدقَ حيثُ يَضُرُّكُ على الكذبِ حيثُ ينفَعُكَ، ولا يكُنْ في قولِكَ فَضْلٌ على فعلِكَ، ثم انصرَفَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: الْحَقْهُ فاستَكْتِبْهُ هؤلاءِ الكلماتِ، فقال: يا عبدَ اللهِ، أَكتِبْني هذهِ الكلماتِ يرحمُكَ اللهُ، فقال الرجُلُ: ما يُقَدِّرِ اللهُ يكُنْ، وأعادَها عليه حتى حَفِظَهُنَّ، ثم مَشَى حتى وَضَعَ إحدَى رِجْلَيْهِ في المسجدِ، فما أَدْري أرضٌ تَحْتَه أَمْ سَماءٌ، قال: فكانوا يَرَوْنَ أنَّه الخَضِرُ أوْ إِلْياسُ.
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (4515) واللفظ له، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (9/ 216) باختلاف يسير.
إنَّ مِن تَعظيمِ اللهِ تَعالى عَدَمَ كَثرةِ الحَلِفِ؛ لأنَّ اليَمينَ مُعَظَّمةٌ لَها مَكانَتُها وقدرُها، يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿واحفَظوا أيمانَكُم﴾ [المائِدةِ: 89] ، ومِنَ الِاستِهانةِ باليَمينِ أن يُكثِرَ الإنسانُ مِنَ الحَلِفِ في البَيعِ يَظُنُّ بذلك أنَّه سَوفَ يَزيدُ رِبحَه، وقد نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الحَلِفِ في البَيعِ والشِّراءِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ الحَجَّاجُ بنُ فُرافِصةَ أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّ رَجُلَينِ كانا يَتَبايَعانِ عِندَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهُما، فكانَ أحَدُهُما يُكثِرُ الحَلِفَ، فبَينَما هُما كذلك، أي: قائِمانِ يَتَبايَعانِ، إذ مَرَّ بهِما رَجُلٌ لا يَعرِفُه أحَدٌ، فقامَ عليهِما، أي: وقَفَ عِندَهُما وقال للذي يُكثِرُ الحَلِفَ: يا عَبدَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ ولا تُكثِرِ الحَلِفَ، أي: عليكَ بتَقوى اللهِ ولا تُكثِرِ الحَلِفَ في بَيعِكَ، فإنَّ كَثرةَ الحَلِفِ لا يَزيدُ في رِزقِكَ إن حَلَفتَ، ولا يَنقُصُ مِن رِزقِكَ إن لَم تَحلِفْ، أي: أنَّكَ سَواءٌ حَلَفتَ أم لَم تَحلِفْ فإنَّ ذلك لَن يَزيدَ أو يَنقُصَ مِنَ الرِّزقِ الذي قد كَتَبَه اللهُ لَكَ، فلَيسَ هُناكَ داعٍ للحَلِفِ.
فقال الرَّجُلُ: امضِ لما يَعنيكَ، أي: اترُكنا وشَأنَنا ولا تَتَدَخَّلْ في شَيءٍ لا يَعنيكَ.
فقال ذلك الرَّجُلُ: إنَّ هذا مِمَّا يَعنيني، قالها ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ورَدَّ عليه قَولَه، أي: إنَّ النُّصحَ لَكُم والأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ يَعني كُلَّ مُسلِمٍ؛ فلِذلك نَصَحتُكَ ونَهَيتُكَ عَنِ الحَلِفِ.
فلَمَّا أرادَ الرَّجُلُ أن يَنصَرِفَ عَنهُما، أي: عَنِ المُتَبايِعَينِ، قال: اعلَمْ أنَّ الإيمانَ أن تُؤثِرَ الصِّدقَ حَيثُ يَضُرُّكَ على الكَذِبِ حَيثُ يَنفَعُكَ، أي: أنَّ مِن عَلاماتِ الإيمانِ أن تُقدِّمَ الصِّدقَ على الكَذِبِ في مَوطِنٍ تَظُنُّ أنَّ الكَذِبَ سَوفَ يُنجيكَ، ولا يَكُنْ في قَولِكَ فضلٌ على فِعلِكَ، أي: عليكَ بتَركِ فُضولِ الكَلامِ، وألَّا يَكونَ كَلامُكَ أكثَرَ مِن فِعلِكَ، بَل أكثِرْ مِنَ الأعمالِ الطَّيِّبةِ.
ثُمَّ انصَرَفَ الرَّجُلُ عَنهُما، فقال عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: الحَقْه فاستَكتِبْه هَؤُلاءِ الكَلِماتِ، أي: اطلُبْ مِنه أن يَكتُبَ لَكَ هذه الكَلِماتِ النَّافِعةَ.
فلَحِقَه فقال لَه: يا عَبدَ اللهِ، اكتُبني هذه الكَلِماتِ يَرحَمْكَ اللهُ، أي: أُريدُ مِنكَ أن تَكتُبَ لي هذه الكَلِماتِ التي قُلتَها.
فقال الرَّجُلُ: ما يُقدِّرُ اللهُ يَكُنْ، أي: مَهما يُرِدِ اللهُ مِن أمرٍ فسَوفَ يَكونُ، ثُمَّ أعادَ على الرَّجُلِ تلك الكَلِماتِ التي قالها له حَتَّى حَفِظَهُنَّ، ثُمَّ مَشى حَتَّى وضَعَ إحدى رِجلَيه في المَسجِدِ، فما أدري أرضٌ تَحتَه أم سَماءٌ، أي: أنَّه اختفى عنهم ولم يَرَوه بعدَ ذلك.
وفي رِوايةٍ: فما أدري أأرضٌ لَحَسَته أو سَماءٌ اقتَلَعَته، فكانوا يُرَونَ أنَّه الخَضِرُ أو إلياسُ، أي: كانوا يظنُّون أنَّ ذلك الرَّجُلَ إمَّا أن يكونَ نبيَّ اللهِ الخَضِرَ، أو نبيَّ اللهِ إلياسَ عليهما السَّلامُ، واللهُ أعلَمُ بالحَقيقةِ.
وقدِ استَدَلَّ البَعضُ بهذا الحَديثِ على حَياةِ الخَضِرِ وإلياسَ، وهذا ليس بصَحيحٍ؛ فإنَّ الخَضِرَ أو إلياسَ قد توفِّيا قديمًا قَبلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد قامَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّةً في أصحابِه وقال: أرَأيتَكُم لَيلَتَكُم هذه، فإنَّ رَأسَ مِائةِ سَنةٍ مِنها، لا يَبقى مِمَّن هو على ظَهرِ الأرضِ أحَدٌ.
وقال تَعالى لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء: 34، 35] ، فهذا يَدُلُّ على مَوتِ الخَضِرِ وإلياسَ عليهِما السَّلامُ.وفي الحَديثِ النَّهيُ عَن كَثرةِ الحَلِفِ في البَيعِ والشِّراءِ.وفيه أنَّ كَثرةَ الحَلِفِ لا تَزيدُ في الرِّزقِ ولا تَنقُصُه.وفيه أنَّ الأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ مِمَّا يَعني كُلَّ مُسلِمٍ.وفيه بَيانُ عَلامةٍ مِن عَلاماتِ الإيمانِ.وفيه أهَمِّيَّةُ الصِّدقِ في كُلِّ الأحوالِ.وفيه حِفظُ اللِّسانِ عَمَّا لا يُحتاجُ إليه مِن فُضولِ الكَلامِ، والحَثُّ على العَمَلِ [38] ينظر: شعب الإيمان (6/ 489 )، الدر المنثور (5/434) ، صحيح البخاري (116) ، فتح الباري (1/212) .
شعب الإيمان (6/ 489 ط الرشد) :
[4515] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا الحسن ابن مكرم، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا الحجاج بن فرافصة، أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر ، فكان أحدهما يكثر الحلف فبينما هو كذلك، إذ مر عليهما رجل، فقام عليهما، فقال للذي يكثر الحلف منهما: يا عبد الله اتق الله، ولا تكثر الحلف، فإنه لا يزيد في رزقك إن حلفت، ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف، قال: امض لما يعنيك، قال: إن ذا مما يعنيني قالها ثلاث مرات، ورد عليه قوله، قال: فلما أراد أن ينصرف عنهما قال: اعلم أن من آية الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، ولا يكن في قولك فضل على فعلك، ثم انصرف فقال عبد الله بن عمر الحقه فاستكتبه هذه الكلمات، فقال: يا عبد الله أكتبني هذه الكلمات يرحمك الله، فقال الرجل: ما يقدر الله تعالى من أمر يكن فأعادهن عليه،: حتى حفظه ثم مشى معه، حتى وضع إحدى رجليه في المسجد، فما أدري أرض لحسته أو سماء اقتلعته، قال: كأنهم كانوا يرونه الخضر أو إلياس عليهما السلام.
[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (9/ 216) :
أخبرنا أبو القاسم الشحامي أنا أبو بكر البيهقي أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أنا أحمد بن سليمان الفقيه حدثنا الحسن بن مكرم حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا الحجاج بن فرافصة أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر فكان أحدهما يكثر الحلف فبينما هو كذلك إذ مر عليهما رجل فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف منهما يا عبد الله اتق الله ولا تكثر الحلف فإنه لا يزيد في رزقك إن حلفت ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف قال امض لما يغنيك قال إن ذا مما يغنيني قالها ثلاث مرات ورد عليه قوله فلما أراد أن ينصرف عنهما قال اعلم أن من آية الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك ولا يكن في قولك فضل على فعلك ثم انصرف فقال عبد الله بن عمر الحلفة فاستكتبه هؤلاء الكلمات فقال يا عبد الله اكتبني هذه الكلمات يرحمك الله فقال الرجل ما يقدر الله تعالى من أمر يكن فأعادهن عليه حتى حفظه ثم مشى معه حتى وضع إحدى رجليه في المسجد فما أرى أرض لحسته أم سماء قال كأنهم كانوا يرونه الخضر وإلياس عليهما السلام