عن عروةَ قال : أقبلتُ إلى الزُّبيرِ يومًا وأنا غلامٌ ، وعندَه رجلٌ أبرصُ ، فأردتُ أن أمسَّهُ ، فأشارَ إليَّ الزُّبيرُ ، فأمرني أن أنصرفَ كراهة أن أمسَّهُ
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ، واللفظ له.
جاءَتِ الشَّريعةُ بجَلبِ المَصالِحِ ودَرءِ المَفاسِدِ، وسَنَّت أحكامًا ونُظُمًا لتَحصيلِ ذلك؛ مِنها: التَّداوي عِندَ وُقوعِ الأمراضِ، والتَّوقِّي مِن كُلِّ مُؤذٍ، آدَميًّا كانَ أو غَيرَه، كُلُّ ذلك عَمَلًا بالأسبابِ، مَعَ الإيمانِ بأنَّ الأمراضَ والإصابةَ بها مِن تَقديرِ اللهِ تَعالى، وفي السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ وعَمَلِ السَّلَفِ ما يُبَيِّنُ أهَمِّيَّةَ التَّوقِّي مِن مُخالَطةِ المَرضى وأصحابِ العاهاتِ التي يُخشى مِنها نَقلُ العَدوى بقدَرِ اللهِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه عِندَما كانَ غُلامًا صَغيرًا جاءَ إلى أبيه الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضيَ اللهُ عنه في يَومٍ مِنَ الأيَّامِ، وكانَ عِندَ الزُّبَيرِ رَجُلٌ أبرَصُ، أي: مُصابٌ بداءِ البَرَصِ، وهو بَياضٌ يَظهَرُ في ظاهِرِ البَدَنِ لفَسادِ مِزاجٍ.
يَقولُ عُروةُ: فأرَدتُ أن أمَسَّه، أي: أن أُمسِكَ بالرَّجُلِ الذي فيه بَرَصٌ، فأشارَ إلَيَّ الزُّبَيرُ، أي: أشارَ إلَيه إشارةً أن لا يَمَسَّه، ثُمَّ أمَرَه أن يَنصَرِفَ كَراهةَ أن أمَسَّه، أي: حَتَّى لا يَمَسَّه، فرُبَّما انتَقَلَتِ العَدوى مِن صاحِبِ البَرَصِ لعُروةَ، ولَيسَ ذلك مِنَ الزُّبَيرِ مِن عَدَمِ إيمانِه بالمَقاديرِ؛ فقد كانَ مُؤمِنًا قَويَّ الإيمانِ، وإنَّما مَنَعَ ابنَه الصَّغيرَ مِن مَسِّ الأبرَصِ أخذًا بالأسبابِ التي أُمِرنا بها.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ التَّوقِّي مِن أصحابِ العاهاتِ، كالبَرَصِ ونَحوِهِ.وفيه حِرصُ الوالِدِ على ولَدِه مِمَّا يُخشى مَضَرَّتُه [36] ينظر: الاستذكار (4/407) ، شعب الإيمان (2/491-492) ، بذل الماعون في فضل الطاعون ( ص 288-289) .
.