تُحشَرُ هذه الأُمَّةُ على ثلاثةِ أصنافٍ: صِنفٍ يَدخُلون الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ، وصِنفٍ يُحاسَبون حِسابًا يَسيرًا، وصِنفٍ يَجِيئون على ظُهورِهم أمثالُ الجبالِ الرَّاسيةِ، فيَسأَلُ اللهُ عنهم وهو أعلَمُ، فيَقولُ: هؤلاء عَبيدٌ مِن عَبيدي لم يُشرِكوا بي شَيئًا، وعلى ظُهورِهم الذُّنوبُ والخَطايا، حُطُّوها واجْعَلوها على اليهودِ والنَّصارى، وادْخُلوا الجنَّةَ برَحْمتي.

الدلالات الموضوعية:# قيامة - الحساب والقصاص# استغفار - مغفرة الله تعالى للذنوب العظام وسعة رحمته# مناقب وفضائل - أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم# إيمان - من مات لا يشرك بالله شيئا# قيامة - البعث والنشور وصفة الأرض
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: [أبو موسى الأشعري]
المحدث: الحاكم
الحكم:صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه

بيانات التخريج:

أخرجه الروياني في ((مسنده)) (506)، والخطيب في ((تلخيص المتشابه)) (1/ 470)، وابن الفاخر في ((موجبات الجنة)) (298) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

مِن أركانِ الإيمانِ التي يَجِبُ الإيمانُ بها الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، أيِ: الإيمانُ به وبِما يَكونُ فيه ويَتَضَمَّنُ ذلك الأهوالَ التي تَكونُ يَومَ القيامةِ؛ فقد ذَكَرَ اللهُ تَعالى في القُرآنِ الكَريمِ أهوالًا تَكونُ يَومَ القيامةِ يَختَلُّ بها نِظامُ هذا الكَونِ وتَتَغَيَّرُ مَعالِمُه، ومِن ذلك الحَشرُ؛ حَيثُ يَحشُرُ اللهُ النَّاسَ أجمَعينَ في مَكانٍ واحِدٍ في أرضِ المَحشَرِ، بَعدَ البَعثِ والإعياءِ والخُروجِ مِنَ القُبورِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَقولُ: تُحشَرُ هذه الأُمَّةُ، أي: أُمَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، على ثَلاثةِ أصنافٍ، أي على ثَلاثةِ طُرُقٍ وأشكالٍ: صِنفٌ يَدخُلونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ، أي: لا يُحاسِبُهُمُ اللهُ سُبحانَه وإنَّما يُؤمَرُ بهِم أن يَدخُلوا الجَنَّةَ مُباشَرةً، وجاءَ في بَعضِ الأحاديثِ ذِكرُ بَعضِهِم، وأنَّ مِنهُمُ الذين لا يَتَطَيَّرونَ ولا يَستَرْقونَ ولا يَكتَوونَ، وعَلى رَبِّهِم يَتَوكَّلونَ.

والصِّنفُ الثَّاني: يُحاسَبونَ حِسابًا يَسيرًا، أي: سَهلًا مُيَسَّرًا ليس فيه مُناقَشةٌ؛ لأنَّ الذي يُناقَشُ الحِسابَ يَهلِكُ، وأمَّا الحِسابُ اليَسيرُ فهو بأن تُعرَضَ عليه أعمالُه ثُمَّ يَستُرُها اللهُ عليه ويَدخُلُ الجَنَّةَ.

والصِّنفُ الثَّالِثُ: قَومٌ يَجيئونَ على ظُهورِهِم أمثالُ الجِبالِ الرَّاسيةِ، أي: أنَّهُم قد تَحَمَّلوا ذُنوبًا عَظيمةً وكَثيرةً أمثالَ الجِبالِ الثَّابِتةِ لَكِنَّهُم موحِّدونَ، فيَسألُ اللهَ عَنهُم وهو أعلَمُ، أي: أعلَمُ بهِم سُبحانَه، فيَقولُ: هَؤُلاءِ عَبيدٌ مِن عَبيدي لَم يُشرِكوا بي شَيئًا، أي: باقونَ على التَّوحيدِ ولَم يَخلِطوا تلك الذُّنوبَ بالشِّركِ باللهِ، وعَلى ظُهورِهِمُ الذُّنوبُ والخَطايا، أي: قد حَمَلوها، فيَقولُ اللهُ: حُطُّوها، أي: أنزِلوا هذه الذُّنوبَ التي على ظُهورِهِم، واجعَلوها على اليَهودِ والنَّصارى فهُمُ الذينَ أشرَكوا باللهِ.

وادخُلوا الجَنَّةَ برَحمَتي، أي: يُؤمَرُ بهَؤُلاءِ العُصاةِ الموحِّدينَ بدُخولِ الجَنَّةِ برَحمةِ اللهِ تَعالى.

ويَكونُ وضعُ الذُّنوبِ على اليَهودِ والنَّصارى بأن اللهَ يَغفِرُ تلك الذُّنوبَ للمُسلِمينَ فإذا سَقَطَت عَنهُم وُضِعَت على اليَهودِ والنَّصارى بكُفرِهِم، فيُعاقَبونَ بذُنوبِهِم لا بذُنوبِ المُسلِمينَ، لأنَّه لَمَّا أسقَطَ عَنِ المُسلِمينَ سَيِّئاتِهِم وأبقى على الكُفَّارِ سَيِّئاتِهِم صاروا في مَعنى مَن حَمَلَ إثمَ الفَريقَينِ لكَونِهِمُ انفَرَدوا بحَملِ الإثمِ الباقي، وهو إثمُهُم، ويُحتَمَلُ أن يَكونَ المُرادُ آثامًا كانَتِ الكُفَّارُ سَبَبًا فيها بأن سَنُّوها فلَمَّا غُفِرَت سَيِّئاتُ المُؤمِنينَ بَقيَت سَيِّئاتُ الذي سَنَّ تلك السُّنَّةَ السَّيِّئةَ؛ لكَونِ الكافِرِ لا يُغفَرُ له، فيَكونُ الوضعُ كِنايةً عَن إبقاءِ الذَّنبِ الذي لَحِقَ الكافِرَ بما سَنَّه مِن عَمَلِه السَّيِّئِ ووَضعِه عَنِ المُؤمِنِ الذي فعَلَه بما مَنَّ اللهُ به عليه مِنَ العَفوِ والشَّفاعةِ، سَواءٌ كانَ ذلك قَبلَ دُخولِ النَّارِ أو بَعدَ دُخولِها والخُروجِ مِنها بالشَّفاعةِ، وذلك أنَّ المُؤمِنَ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ خَلَفَه الكافِرُ في النَّارِ لاستِحقاقِه ذلك بكُفرِه، فما مِن أحَدٍ إلَّا ولَه مَنزِلانِ: مَنزِلٌ في الجَنَّةِ، ومَنزِلٌ في النَّارِ، فإن ماتَ فدَخَلَ النَّارَ ورِثَ أهلُ الجَنَّةِ مَنزِلَه، فالمُؤمِنونَ يَرِثونَ مَنازِلَ الكُفَّارِ؛ لأنَّهُم خُلِقوا لعِبادةِ اللهِ تَعالى، فلَمَّا قامَ هَؤُلاءِ المُؤمِنونَ بما وجَبَ عليهِم مِنَ العِبادةِ، وتَرَكَ أولَئِكَ ما أُمِروا به مِمَّا خُلِقوا له أحرَزَ هَؤُلاءِ نَصيبَ أولَئِكَ لَو كانوا أطاعوا رَبَّهُم عَزَّ وجَلَّ.وفي الحَديثِ بَيانُ كَيفيَّةِ حَشرِ هذه الأُمَّةِ.وفيه فضلُ التَّوحيدِ وأنَّه يُنَجِّي مِنَ دُخولِ النَّارِ.وفيه أنَّ دُخولَ الجَنَّةِ يَكونُ برَحمةِ اللهِ.وفيه أنَّ ذُنوبَ هذه الأُمَّةِ يَتَحَمَّلُها اليَهودُ والنَّصارى يَومَ القيامةِ [30] ينظر: تفسير البغوي (5/410-411) ، تفسير ابن كثير (5/464-465) ، فتح الباري (11/ 398 ).

.

أحاديث ذات صلة