سألتُ ابنَ عبَّاسٍ عَنِ العَزْلِ، فقالَ: إنَّكم قد أكْثَرْتُمْ، فإنْ كان قالَ فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا فهو كما قالَ، وإنْ لمْ يكُنْ قالَ فيه شيئًا فأنا أقولُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، فإنْ شِئتُم فاعْزِلوا، وإنْ شِئتُم فلا تَفْعَلوا.
مِن مَقاصِدِ الزَّواجِ وُجودُ النَّسلِ والذُّرِّيَّةِ؛ فقد رَغَّبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالزَّواجِ مِنَ المَرأةِ الولودِ، وأخبر أنَّه يُباهي بكَثرةِ هذه الأُمَّةِ الأُمَمَ يَومَ القيامةِ، ومَعَ ذلك فقد يَستَخدِمُ بَعضُ النَّاسِ بَعضَ المَوانِعِ لمَنعِ النَّسلِ، كالعَزلِ، وهو أنَّ الرَّجُلَ إذا جامَعَ زَوجَتَه حَتَّى إذا قارَبَ الإنزالَ نَزَعَ ذَكَرَه وأمنى خارِجَ الفَرجِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ زائِدةُ بنُ عَميرٍ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه سَألَ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما عَنِ العَزلِ، أي: عَن حُكمِه هَل يُشرَعُ أم لا؟ فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّكُم قد أكثَرتُم، أي: أكثَرتُمُ السُّؤالَ عَن حُكمِ العَزلِ.
فإن كانَ قال فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا فهو كما قال، أي: إذا وُجِدَ نَصٌّ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سَواء بمَشروعيَّتِه أم لا، فيَنبَغي اتِّباعُ ما قاله النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والوُقوفُ عِندَ قَولِه.
وإن لَم يَكُنْ قال فيه شَيئًا، أي: إذا كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَنُصَّ فيه على حُكمٍ مُعَيَّنٍ، فأنا أقولُ، أي: أجتَهِدُ فيه برَأيي فأقولُ كما قال اللهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكُم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي مَزرَعٌ لَكُم ومَنبَتٌ للولَدِ، بمَنزِلةِ الأرضِ التي تُزرَعُ ﴿فَأْتُوا حَرثَكُم أنَّى شِئتُم﴾ [البقرة: 223] ، أي: في الفَرجِ، فإن شِئتُم فاعزِلوا، وإن شِئتُم فلا تَفعَلوا، أي: الزَّوجةُ مَوطِنُ الحَرثِ، فإن شاءَ الزَّوجُ سَقى حَرثَه، وإن شاءَ لَم يَسقِه، كما جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: حَرثُكَ إن شِئتَ فأعطِشْ، وإن شِئتَ فاروِ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ العَزلِ [26] ينظر: المستدرك (2/306) ، تفسير البغوي (1/260) ، تفسير الماوردي (1/284) ، تفسير ابن كثير (1/588) .
.