عنِ ابنِ عمرَ قال: نزَلتْ هذه الآيةُ وما نعلَمُ في أيِّ شيءٍ نزَلتْ: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31].
قال قائلٌ: مَن نُخاصِمُ، وليْسَ بيْنَنا وبيْنَ أهلِ الكِتابِ خُصومةٌ فمَن نُخاصِمُ؟ حتى وقعَتِ الفِتنةُ، فقال ابنُ عمرَ: هذا ما وعَدَنا ربُّنا نختصِمُ فيه.
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (132) واللفظ له، والنسائي في ((الكبرى)) (11383)، والداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (18) باختلاف يسير.
أنزَلَ اللهُ تَعالى القُرآنَ للنَّاسِ ليَدَّبَّروا آياتِه ويَتَأمَّلوا في مَعانيه وتَفسيرِه، فيُؤمِنوا ويَعمَلوا به؛ ولِهذا كانَ مِنَ الأهَمِّيَّةِ بمَكانٍ مَعرِفةُ تَفسيرِ القُرآنِ، وقد كانَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم يَستَشكِلونَ بَعضَ الآياتِ؛ وذلك لكَونِها لَم يَأتِ وقتُ وُقوعِها، فلَمَّا أتى وقتُ وُقوعِها عَرَفوا المَعنى المَقصودَ مِنَ الآياتِ، ومِن ذلك أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهُما قال: نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ثُمَّ إنَّكُم يَومَ القيامةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَختَصِمُونَ﴾ [الزمر: 31] ، وما نَعلَمُ في أيِّ شَيءٍ نَزَلَت، أي: لَم نَدرِ سَبَبَ نُزولِها وعَلى ماذا نَتَخاصَمُ يَومَ القيامةِ، فإنَّ القائِلَ يَقولُ: مَن نُخاصِمُ، ولَيسَ بَينَنا وبَينَ أهلِ الكِتابِ خُصومةٌ فمَن نُخاصِمُ؟ أي: كَيفَ تَكونُ هُناكَ خُصومةٌ ولَيسَ بَينَنا وبَينَ أحَدٍ خِلافٌ ونِزاعٌ مِن أهلِ الكِتابِ وغَيرِهِم، فاستَشكَلوا مَعنى الآيةِ.
يَقولُ: حَتَّى وقَعَتِ الفِتنةُ.
يَقصِدُ: الفِتَنَ التي وقَعَت بَينَ الصَّحابةِ بَعدَ مَقتَلِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه واختَلَفَتِ الآراءُ وأُلبِسَتِ الشِّيَعُ، وأذاقَ ناسٌ بَعضَهُم بَعضًا، فتَبَيَّنَ لَهُم حينَئِذٍ وجهُ الخُصومةِ، فقال ابنُ عُمَرَ: هذا ما وعَدَنا رَبُّنا نَختَصِمُ فيه، أي: لَمَّا رَأى ما وقَعَ مِن تلك الفِتَنِ عَرَفَ مَعنى التَّخاصُمِ الذي سَيَكونُ بَينَ المُؤمِنينَ يَومَ القيامةِ عِندَ رَبِّهِم، وأنَّه بسَبَبِ ذلك سَيَكونُ الخِصامُ بَينَهُم، وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: حَتَّى رَأيتُ بَعضَنا يَضرِبُ وُجوهَ بَعضٍ بالسَّيفِ، فعَلِمتُ أنَّها فينا نَزَلَت.وفي الحَديثِ وُقوعُ الِاستِشكالِ لبَعضِ الآياتِ مِنَ الصَّحابةِ.وفيه أنَّ تَفسيرَ بَعضِ الآياتِ يَكونُ بَيانُه بوُقوعِ بَعضِ الأحداثِ وإن تَأخَّرَ زَمَنُها.وفيه تَنزيلُ بَعضِ الآياتِ على بَعضِ الوقائِعِ.وفيه وُقوعُ الفِتَنِ بَينَ الصَّحابةِ [20] ينظر: تفسير ابن كثير (7/ 98 )، شرح مشكل الآثار (1/123) ، المستدرك (4/617) ، تثبيت الإمامة ( ص 353) .
.
شرح مشكل الآثار (1/ 123) [132] حدثنا أبو أمية حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي , حدثنا يعقوب القمي , عن جعفر بن أبي المغيرة , عن سعيد بن جبير , عن ابن عمر قال: " نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] ".
قال قائل: من نخاصم وليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر: " هذا ما وعدنا ربنا نختصم فيه ".
قال أبو جعفر: فتوهم متوهم أن ما في هذين الحديثين قد أوجب تضادا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبب الذي كان فيه نزول هذه الآية فتأملنا ذلك فوجدناه بحمد الله ونعمته خاليا من ذلك ; لأن حديث ابن عمر منهما إنما فيه ما كان من قولهم عند نزول الآية وما تبين به عند حدوث الفتنة أنه المراد فيها وكان ذلك تأويلا منه لا حكاية منه إياه سماعا من رسول الله عليه السلام وكان ما في حديث الزبير جوابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه لما سأله عما ذكر من سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يسأله إياه عنه في حديثه وجواب رسول الله عليه السلام عنه مما أجابه به ولم يضاده غيره مما في حديث ابن عمر ولا مما سواه فيما علمناه والله نسأله التوفيق
السنن الكبرى للنسائي (10/ 238) 11383 - أخبرنا محمد بن عامر، قال: حدثنا منصور بن سلمة، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ، قال: " نزلت هذه الآية , وما نعلم في أي شيء نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] قلنا: من نخاصم، ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة؟، حتى وقعت الفتنة "، قال ابن عمر: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه
السنن الواردة في الفتن للداني (1/ 215) 18 - حدثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرئ، قراءة عليه وأنا أسمع، قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي، قال: حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا منصور بن سلمة، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ، قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] قلنا: من نخاصم، وليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة .
قال ابن عمر: هذا الذي وعدنا ربنا جل وعز أن نختصم فيه