جلَسَ أبو ثَعْلبةَ رضي الله عنه يُحدِّثُ القومَ، ويتعاونونَ الحديثَ بينهم، يذكُرونَ ما يتخَوَّفونَ من الزمانِ على دينِهم، قال: قلتُ: غُفْرًا، يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ...} إلى آخِرِ الآيةِ [المائدة:105]، قال: فزَجَرني أبو ثَعْلبةَ رضي الله عنه زَجْرةً حتى قلتُ: ليتَ أنَّ أُمَّي لم تلِدْني، وشَقَّ عليَّ ذلك الأمرُ شديدًا، وأردْتُ القيامَ، فأخَذَ بيديَّ، فحبَسَني، حتى تفرَّقَ القومُ، فلم يبقَ إلَّا أنا وهو، فقال لي أبو ثَعْلبةَ: شَقَّ عليكَ ما صنعتُ بكَ؟ فقلتُ: إي واللهِ.

قال: كنَّا في حديثٍ نتخَوَّفُ فيه على دينِنا، فجئتَ بهذه الآيةِ، فلم تجِئْ بتأويلِها بعدُ، إنَّا نعرِفُ ونأمُرُ بالمعروفِ، وننهى عن المُنكَرِ، فسيأتي زمانٌ لا يُؤمَرُ فيه بمعروفٍ، ولا يُنهَى فيه عن مُنكَرٍ.

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة المائدة# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# أشراط الساعة - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - إثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المصدر: تخريج سنن أبي داود
الراوي: أبو ثعلبة
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده قوي

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4341)، والترمذي (3058)، وابن ماجه (4014)، وابن حبان (801) واللفظ لهم.

الشرح والتوضيح

الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ شَعيرةٌ مِن شَعائِرِ هذا الدِّينِ التي أمَرَ اللهُ تَعالى بها، فقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] ، بَل وأثنى اللهُ تَعالى على هذه الأُمَّةِ لأمرِها بالمَعروفِ ونَهيِها عَنِ المُنكَرِ، فقال سُبحانَه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] ، فعَلى الإنسانِ أن يُصلِحَ نَفسَه فيَبدَأَ بها ثُمَّ يُصلِحَ غَيرَه ويَأمُرَ بالمَعروفِ ويَنهى عَنِ المُنكَرِ، قَبلَ أن يَأتيَ زَمانٌ لا يُؤمَرُ فيه بمَعروفٍ ولا يُنهى فيه عَن مُنكَرٍ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جُبَيرُ بنُ نُفَيرٍ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّ أبا ثَعلَبةَ الخُشَنيَّ رَضيَ اللهُ عنه جَلَسَ يُحَدِّثُ القَومَ، أي: يَعِظُهُم ويُذَكِّرُهُم، ويَتَعاونونَ الحَديثَ بَينَهُم، أي: يَأتي أحَدُهُم بكَلِمةٍ والآخَرُ بكَلِمةٍ، فالحَديثُ مُشتَرَكٌ بَينَ الجَميعِ، يَذكُرونَ ما يَتَخَوَّفونَ مِنَ الزَّمانِ على دينِهِم، أي: أنَّ حَديثَهُم كانَ فيما يَتَعَلَّقُ بالخَوفِ على أمرِ الدِّينِ في زَمَنِهِم وما فيه مِنَ الفِتَنِ والأُمورِ التي ظَهَرَت ونَحوِ ذلك.

فقال جُبَيرُ بنُ نُفَيرٍ: غَفرًا، أي: غَفَرَ اللهُ لَكُم، وهو يُريدُ أن يُذَكِّرَهُم بآيةٍ، يَقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عليْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105] .

ولَعَلَّ مَقصودَه: أنَّه لا حاجةَ إلى الأمرِ والنَّهيِ بَل على كُلِّ مُسلِمٍ إصلاحُ نَفسِه، يَقولُ جُبَيرٌ: فزَجَرَني أبو ثَعلَبةَ رَضيَ اللهُ عنه زَجرةً، أي: نَهَرَني ورَدَعَني، حَتَّى قُلتُ: لَيتَ أنَّ أُمِّي لَم تَلِدْني، وشَقَّ عليَّ ذلك الأمرُ وأرَدتُ القيامَ.

ولَعَلَّ أبا ثَعلَبةَ قَسا عليه في الزَّجرِ؛ مِمَّا جَعَلَ جُبَيرًا يَتَمَنَّى الِانصِرافَ مِنَ المَجلِسِ، يَقولُ جُبَيرٌ: فأخَذَ بيَدي، أي: أمسَكَ أبو ثَعلَبةَ بيَدِ جُبَيرٍ، فحَبَسَني، أي: أبقاني عِندَه ولَم يَجعَلْني أنصَرِفُ، حَتَّى تَفَرَّقَ القَومُ، أي: قاموا وانصَرَفوا، فلَم يَبقَ إلَّا أنا وهو، أي: بَقيا وحدَهما، فقال أبو ثَعلَبةَ لجُبَيرٍ: شَقَّ عليكَ ما صَنَعتُ بكَ؟ أي: أظُنُّ أنَّكَ قدِ انزَعَجتَ مِمَّا فعَلتُ بكَ.

فقال جُبَيرٌ: إي واللهِ، أي: نَعَم هو كذلك.

فقال له أبو ثَعلَبةَ يوضِّحُ له سَبَبَ زَجرِه لَه: كُنَّا في حَديثٍ نَتَخَوَّفُ فيه على دينِنا، فجِئتَ بهذه الآيةِ، فلَم تَجِئْ بتَأويلِها بَعدُ، أي: أنَّ هذه الآيةَ لَم يَأتِ بَيانُ تَفسيرِها ووُقوعِها بَعدُ، وأنَّ زَمانَها سَيَأتي بَعدَ ذلك، إنَّا نَعرِفُ ونَأمُرُ بالمَعروفِ، ونَنهى عَنِ المُنكَرِ، أي: ما زِلنا الآنَ نَستَطيعُ أن نَأمُرَ بمَعروفٍ ونَنهى عَن مُنكَرٍ، وسَوفَ يَأتي زَمانٌ لا يُؤمَرُ فيه بمَعروفٍ، ولا يُنهى فيه عَن مُنكَرٍ، أي: لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يَأمُرَ بمَعروفٍ أو يَنهى عَن مُنكَرٍ، فذلك الوقتُ هو تَأويلُ الآيةِ، فعَلى المَرءِ بنَفسِه وخاصَّتِه، وجاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّ أبا ثَعلَبةَ سَألَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن هذه الآيةِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَلِ ائتَمِروا بالمَعروفِ، وتَناهَوا عَنِ المُنكَرِ، حَتَّى إذا رَأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رَأيٍ برَأيِه، فعليكَ بنَفسِكَ ودَع عَنكَ العَوامَّ؛ لأنَّ في ذلك الزَّمانِ لا يُقبَلُ الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الجُلوسِ للتَّدارُسِ والذِّكرِ.وفيه زَجرُ الشَّيخِ للتِّلميذِ إذا رَأى أنَّه تَكَلَّمَ فيما لا يُحسِنُهُ.وفيه احتِرامُ الطَّالِبِ للشَّيخِ مَهما قَسا عليه.وفيه تَخصيصُ بَعضِ الطُّلَّابِ بحَديثٍ دونَ بَقيَّةِ الطُّلَّابِ.وفيه مَشروعيَّةُ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ حَتَّى يَأتيَ زَمَنُ عَدَمِ القُدرةِ على الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ.وفيه بَيانُ أبي ثَعلَبةَ لمَعنى الآيةِ [19] ينظر: الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (5/ 87 )، عون المعبود (11/331-332) ، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (17/203) ، بذل المجهود (12/400) .

.

الأصول والأحكام

سنن أبي داود (4/ 123 ت محيي الدين عبد الحميد) :

4341 - حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي، حدثنا ابن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي، حدثني أبو أمية الشعباني، قال: سألت أبا ‌ثعلبة الخشني ، فقلت: يا أبا ‌ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: {عليكم أنفسكم} [[المائدة: 105]]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ‌بل ‌ائتمروا ‌بالمعروف، ‌وتناهوا ‌عن ‌المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك - يعني - بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله، وزادني غيره قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم

[سنن الترمذي] (5/ 257) :

3058 - حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا عتبة بن أبي حكيم قال: حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ‌ثعلبة الخشني ، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [[المائدة: 105]] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ‌بل ‌ائتمروا ‌بالمعروف ‌وتناهوا ‌عن ‌المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة - قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم.

قال: بل أجر خمسين رجلا منكم: هذا حديث حسن غريب

سنن ابن ماجه (2/ 1330 ت عبد الباقي) :

4014 - هشام بن عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد قال: حدثني عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمي عمرو بن جارية، عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ‌ثعلبة الخشني ، قال: قلت: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [[المائدة: 105]] ، قال: سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ‌بل ‌ائتمروا ‌بالمعروف، ‌وتناهوا ‌عن ‌المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدان لك به، فعليك خويصة نفسك، ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون بمثل عمله

[صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع] (1/ 528) :

‌‌ذكر إعطاء الله جل وعلا العامل بطاعة الله ورسوله في آخر الزمان أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله.

801 - أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا ابن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي، قال: حدثنا أبو أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ‌ثعلبة الخشني ، فقلت: يا أبا ‌ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [[المائدة: 105]]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "‌بل ‌ائتمروا ‌بالمعروف ‌وتناهوا ‌عن ‌المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله"، قال وزادني غيره: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ فقال: "خمسين منكم".

قال أبو حاتم رضي الله عنه: يشبه أن يكون ابن المبارك هو الذي قال: وزادني غيره.

أحاديث ذات صلة